إخوان لبنان.. هذا ما جناه طقوش ورفاقه؟

إخوان لبنان.. هذا ما جناه طقوش ورفاقه؟

الكاتب: هشام عليوان | المصدر: اساس ميديا
29 تشرين الثاني 2025

تصنيف الإخوان المسلمين أميركيّاً كمنظمة إرهابية، له عدّة اتّجاهات ومؤثّرات. فهو يطال، إخوان مصر، الأردن، ولبنان، تحديداً، لكنّ القرار سيتحوّل إلى كرة ملتهبة، تتنقّل بين البلدان، بسبب التداخلات الشديدة بين الجماعة الأمّ وفروعها في دول العالم، ومنها جزء من السلطة، أو هي السلطة نفسها. والحلقة الأضعف، هي الجماعة الإسلاميّة في لبنان.

 

منعت عوائق سياسيّة وقانونيّة داخليّة حملة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين، وتفرّعاتها من مؤسّسات وجمعيّات في الولايات المتّحدة، ضمن لائحة الإرهاب، وذلك في الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب (2017-2021)، مع ما يترتّب على ذلك من عقوبات وإجراءات ثقيلة تطال الأفراد والمؤسّسات التابعة للجماعة.

هذه العوائق على أشكالها المختلفة، لم تختفِ في الولاية الثانية، كما جاء على لسان مسؤولين في الإدارة نفسها، بسبب إمكان اللجوء إلى الطعون القضائيّة، ودخول المسار في تعقيدات سياسيّة، لا سيما مع ما ينتاب المزاج الشعبيّ الأميركيّ من مشاعر متناقضة بشدّة عقب حرب غزّة، وسط استقطاب عويص بين أقصى اليسار وأقصى اليمين.

تضمّن الأمر التنفيذيّ الذي وقّعه ترامب، بشأن مباشرة إجراءات تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان كـ”منظّمات إرهابيّة أجنبيّة”، اتّهاماً مباشراً لإخوان مصر والأردن ولبنان، بأنّها “تشترك أو تسهّل وتدعم حملات عنف وزعزعة استقرار، تضرّ بمناطقها وبمواطني الولايات المتّحدة وبمصالحها”.

المقصود في حالتَي الأردن ولبنان، تعاطف الإخوان في هذين البلدين، مع حركة حماس في فلسطين، بل تورّطهما في دعم المجهود الحربيّ، بأشكال شتّى، وصولاً إلى تشكيل جماعات مسلّحة لإسناد غزّة، من خلال عمليّات متفرّقة وقعت على الحدود الأردنيّة الفلسطينيّة، وإسهام شكلي للجماعة في لبنان، في حرب الإسناد التي ابتدأها “الحزب” في الثامن من تشرين الأوّل عام 2023.

الآثار المتوقّعة كارثيّة

قد تكون الآثار المتوقّعة على “الجماعة”، أكبر في الولايات المتّحدة، وفي أوروبا، إن انتقلت العدوى إليها، وهي التي يلجأ إليها عدد كبير من أعضاء الجماعة، ومنهم من أتى في السنوات الأخيرة من دول “الربيع العربيّ”، وما تخلّلها من صراعات سياسيّة وأمنيّة وحتّى عسكريّة، وتبدّلات جذريّة في السلطة.

إذا كان التوجّه الأميركيّ قد خصّ مصر والأردن ولبنان، بحملة تصنيف الجماعة بانتمائها إلى المنظّمات الإرهابيّة خارج الولايات المتّحدة، فإنّ المقصود بالقرار التنفيذيّ لترامب هو مصادرة أصول “الجماعة” في مصر والأردن خارج هذين البلدين، وملاحقة أفرادها في الولايات المتّحدة، وهو ما يضيّق الخناق كثيراً على أنصار التنظيم، ويُضعفه أكثر فأكثر داخل مصر والأردن.

كانت جماعة الإخوان المسلمين قد حُظرت قانونيّاً في مصر عام 2013 عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمّد مرسي (توفّي عام 2019)، وصودرت مراكزهم وممتلكاتهم، وجرى التحفّظ على أعداد كبيرة من القيادات والكوادر. والإخوان في مصر، هم “الجماعة” الأمّ، ومنها تفرّعت في أنحاء العالم. وللجماعة، امتدادات اجتماعيّة قويّة، ومؤسّسات، وشركات، اقتصاديّة وغير اقتصاديّة.

تكرّر الأمر نفسه تقريباً في الأردن، منذ آذار الماضي. وللجماعة في الأردن، وجود تاريخيّ، وكان لها دور سياسيّ مؤثّر، وشاركت في الحياة البرلمانيّة لسنوات طويلة، ونشأت بينها وبين الحكم في الأردن، علاقة متذبذبة بين القُرب والبُعد.

استتباعاً للتوجّه الاستراتيجيّ الأميركيّ الجديد، غير المتسامح مع الإخوان، لن تكون الآثار بسيطة، وستؤدّي إلى تفكيك ما بقي من التنظيم، مع الوقت، والتخلّي عن الانتماء، للتخلّص من ربقة العقوبات، وتعزيز الميل إلى مراجعات عميقة، في شتّى فروع الجماعة، حتّى في البلدان التي لم يطَلها سيف الحظر والعقوبة، خشية انتقال الموجة إليها.

في كلّ الأحوال، فإنّ المشهد الدولي سيزداد تعقيداً، مع مضيّ الولايات المتّحدة، في تنفيذ قرار ترامب، ملاحقة بعض أفرع الإخوان.

الوضع الفريد لجماعة لبنان

بالمقارنة، فإنّ وضع “الجماعة الإسلاميّة” في لبنان، وهي التعبير التنظيميّ المحلّيّ، عن الارتباط العضويّ بجماعة الإخوان المسلمين، مختلف تماماً، عن فروع الإخوان، في أيّ مكان في العالمين العربيّ والإسلامي، وذلك لخصوصيّة لبنان، كدولة متعدّدة الطوائف، وتتحكّم زعامات تقليديّة ومستجدّة راسخة بمصائر تلك الطوائف.

لم تكن الجماعة في يوم من الأيّام، ذات تأثير حاسم، في الحياة العامّة، ودورها محدود في المجالات الاجتماعيّة والتربويّة والاقتصاديّة. وذلك منذ تأسيسها في خمسينيّات القرن الماضي، وكان ذلك عقب انشقاق القسم الطرابلسيّ من جماعة “عبّاد الرحمن” الخيريّة والاجتماعيّة، بتأثّر مباشر بجماعة الإخوان في سوريا، ومصر.

حتّى مع حصول “الجماعة الإسلاميّة” على ترخيص رسميّ بالعمل عام 1964، بتوقيع وزير الداخليّة آنذاك كمال جنبلاط (اغتيل عام 1977)، إلّا أنّ التأسيس القانونيّ للجماعة في لبنان، تزامن مع اشتداد الموجة العروبيّة الناصريّة، فظلّت الجماعة على هامش الأحداث: أوّلاً، بسبب النكبات التي تعرّضت لها الجماعة الأمّ في مصر أيّام الرئيس جمال عبدالناصر (توفّي عام 1970).

ثانياً، بسبب الاضطرابات الأمنيّة الشديدة التي مرّت بها جماعة الإخوان في سوريا المجاورة إبّان اصطدامها مع نظام البعث.

إلّا أنّه مع اشتعال الحرب الأهليّة في لبنان في نيسان 1975، أنشأت الجماعة فصيلاً مسلّحاً، تحت اسم “المجاهدون”، كانت له أدوار محدودة، في الدفاع عن طرابلس، وصيدا، خلال حرب السنتين (1975-1976). ومحدوديّة هذا الفصيل، لا تحتاج إلى مجهود كبير لتبريرها، فقد كانت المناطق التي تسيطر عليها القوّات المشتركة الفلسطينيّة اللبنانيّة، تزدحم بآلاف البنادق، وعشرات الرايات، ومختلف الأيديولوجيّات المتناقضة.

عندما انتشرت قوّات الردع العربيّة في لبنان عام 1976، وتحوّلت تدريجاً إلى “قوّات ردع سوريّة” خالصة، لم يكن أمام الجماعة أيّ هامش سياسيّ للحركة، لارتباطها بالإخوان، مع ما جرى لإخوان سوريا في أيّام الرئيس حافظ الأسد (توفّي عام 2000).

عندما ظهرت حركة التوحيد في طرابلس بقيادة الشيخ سعيد شعبان (1982)، وسيطرت على المدينة حتّى عام 1985، وخاضت معركة دمويّة مع الأحزاب فيها، حافظت الجماعة على مسافة منه، مع أنّه كان من قادتها قبل أن ينشقّ عنها في مطلع الثمانينيّات.

تأسيس “قوات الفجر”

لم تعُد الجماعة إلى العمل العسكريّ المباشر إلّا في زمن الاجتياح الإسرائيلي الموسّع للبنان عام 1982، عندما أسّست “قوّات الفجر” التي قامت بعدّة عمليّات ضدّ دوريّات ومواقع الاحتلال الإسرائيليّ في صيدا، إلى حين انسحاب الجيش الإسرائيليّ عام 1985، وشاركت لاحقاً في القتال ضدّ “القوّات اللبنانيّة” المنتشرة في قرى شرق صيدا.

خلال مرحلة مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ في منطقة صيدا، نشأ تعاون ميدانيّ وثيق بين الجناح العسكريّ للجماعة والطلائع الأولى لـ”الحزب”، الذي كان يتلمّس طريقه في البدايات. ومع أنّ الجناح العسكريّ للجماعة، اختفى نظريّاً مع تسليم سلاحه للجيش، أو ما بقي منه، عقب اتّفاق الطائف، إلّا أنّ المفاجأة كانت بعودة هذا الجناح في حرب الإسناد.

كان انتخاب الشيخ محد طقوش أميناً عامّاً للجماعة عام 2022، بدعم من “حماس” و”الحزب”، مجرّد تمهيد لبعث الجناح العسكريّ على ضآلته. وكانت مشاركته رمزيّة في حرب الإسناد، وتكبّدت فيها الجماعة، خسائر فادحة ونوعيّة، في كوادرها الذين سقطوا بعمليّات إسرائيليّة ممنهجة، وبما لا يتوازى مع الحجم الضئيل لمشاركتها في الحرب.

بدلاً من مراجعة الحسابات، بعد وقف إطلاق النار العام الماضي، استمرّت الجماعة بقيادتها، دون أيّ تغيير، مع محاولة المناورة بين جناح سياسيّ مفترَض، قريب من المزاج السنّيّ، وجناح عسكريّ متوهَّم لا أثر له في الميدان، وتمثّله قيادة طقوش.

مصير التّحالفات الانتخابيّة

مع إبرام اتّفاق الطائف عام 1989، وتنظيم الانتخابات النيابية عام 1992، شاركت الجماعة في تلك الانتخابات ترشيحاً ومشاركة، ونجحت في إيصال ثلاثة نوّاب إلى الندوة البرلمانيّة، فتحي يكن ( توفّي عام 2009) عن طرابلس، وهو من المؤسّسين التاريخيّين للجماعة، وأسعد هرموش عن الضنّيّة، وزهير العبيدي عن بيروت. لكنّ هذا الفوز التاريخيّ لم يتكرّر لسببين:

الأوّل أنّ الانتخابات الأولى بعد الحرب، جرت بمقاطعة مسيحيّة قويّة.

الثاني، أنّ نجم رجل الأعمال رفيق الحريري (اغتيل عام 2005) بدأ يلمع في الحياة السياسيّة اللبنانيّة، فانكفأت الجماعة سياسيّاً، وانحسرت قدرتها على التحشيد والتجيير.

تفاقم الأمر أكثر، مع اغتيال الحريري، وتولّي نجله سعد مقاليد الزعامة السنّية، فكان أن حصلت الجماعة على مقعد نيابيّ وحيد في بيروت، عبر انضمام عماد الحوت مرّتين إلى لائحة الحريري الابن. وعاد إلى البرلمان أخيراً، عام 2022، مع اعتكاف الحريري عن العمل السياسي، وكان الحوت قد حُرم من الانضمام إلى لائحة المستقبل في انتخابات 2018.

عواقب العقوبات لبنانياً؟

إن تعرّضت الجماعة الإسلامية في لبنان الآن للحظر الأميركيّ، فهل تكون لذلك آثار وعواقب مؤلمة عليها، في الجانب السياسيّ خاصّة، وفي المجالات الأخرى؟

1- لا يمكن مقارنة وضع الجماعة بـ”الحزب” لجهة تصنيفها منظّمة إرهابيّة، كما هو تصنيفه، وذلك لاتّساع القاعدة الشعبيّة لـ”الحزب”، بالمقارنة مع محدوديّة القاعدة الشعبيّة للجماعة. ويتلقّى “الحزب” دعماً واضحاً وصريحاً من دولة كبيرة كإيران، في حين أنّ الجماعة لا تدعمها بالقوّة نفسها دولة كبيرة، وإن لها صِلات معروفة مع تركيا.

2- يتمتّع “الحزب” بحصانة اجتماعيّة وسياسيّة قويّة في الداخل، فله تحالفاته مع جهات غير شيعيّة، وإن ضعفت نسبيّاً بعد حرب الإسناد، وحلفه الوثيق مع حركة أمل، يضمن للثنائيّ الشيعيّ مجتمعاً، السيطرة الكاملة أو شبه الكاملة على تمثيل الشيعة في البرلمان والحكومة والإدارة، ولا تحظى الجماعة بأيٍّ من هذه الميزات.

3- صعوبة الجماعة في عقد تحالفات انتخابيّة، في الاستحقاق المقبل. فقد يخشى الحلفاء المفترضون على اللوائح الانتخابيّة عقد تحالفات مع مرشّحي الجماعة، حتّى لا تطالهم شرارات العقوبات الماليّة والشخصيّة، وهذا ما يعني إقصاء الجماعة عن الحياة السياسيّة، أو اضطرارها إلى التحالف علناً مع “الحزب”، وهو ما سيعزّز تصنيفها، ويربط مصيرها بالمصير السياسيّ لـ”الحزب”.