«الحزب» يجمّد «تعاونه» الميداني

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
19 كانون الثاني 2026

يندفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر فأكثر في انتهاج نهج سياسي صاعق وغامض في آن معاً، حيال الملفات الدولية الشائكة. هكذا فاجأ الجميع في سياسة رفع التعريفات الجمركية، وهكذا صعق العالم في فنزويلا، وهكذا تلاعب ولا يزال بأعصاب أوروبا في أوكرانيا، وها هو اليوم ينفّذ تراجعاً في إيران لمصلحة التسوية السياسية بعد اندفاعة هجومية أوحت وكأنّه ذاهب لإسقاط النظام في إيران.

هو السلوك السياسي الغامض الذي يستهويه، والذي يجعل الأطراف الأخرى عاجزة عن التنبؤ سلفاً حول المسار الفعلي الذي سيسلكه.

 

فعلى رغم من أنّه استبدل في دقائق معدودة خيار الضربات العسكرية على إيران بقرار آخر يقضي بفتح أبواب التفاوض، بعد أن كلّف الرجل الأقرب اليه ستيف ويتكوف هذه المهمّة الجديدة، إلّا أنّه أمر بتعزيز قواته البحرية بمجموعة حاملة الطائرات «يو. إس.إس. أبراهام لينكولن» الهجومية، والتي من المفترض أن تصل إلى المنطقة نهاية الأسبوع آتية من بحر الصين، إضافة إلى نقل أسراب إضافية من الطائرات الحربية المتعددة المهمّات، ما يوحي أنّه يريد أن يكون جاهزاً للبدء بعمل عسكري في اللحظة التي يريد. ومن هنا السؤال البديهي: هل بدّل ترامب خياراته فعلاً تجاه إيران؟ أم أنّه ينفّذ خديعة؟ فقبل أشهر معدودة كان سلوكه متقلّباً تجاه كاراكاس. فلقد دفع الوضع العسكري نحو الذروة في ظل حشد أوحى وكأنّه يستعد لغزو قريب. ثم عاد وفتح أبواب التفاوض الجانبية، قبل أن ينفّذ عملية كومندوس لاعتقال مادورو. ومن هنا لا بدّ من طرح السؤال: ماذا يريد ترامب فعلاً من طهران؟

 

وبالتزامن مع التصعيد الذي نفّذه ترامب تجاه السلطة القائمة في إيران، ظهر انقسام واسع في الآراء داخل أروقة القرار الأميركي حول طريقة التعاطي مع النظام الديني الذي يمسك بالسلطة. صحيح أنّ الغالبية الساحقة من الآراء كانت تتفق على العداء للسلوك الإيراني القائم، إلّا أنّ السؤال الذي كان يُقلق الجميع يتمحور حول فرضية، أنّ الدفع لإسقاط النظام القائم سيؤدي إلى تغييرات هائلة وغير مضمونة على مستوى المنطقة كلها، وإلى تحول إستراتيجي ضخم سيؤدي إلى نسف الركائز التي تقوم عليها المنطقة، والانتقال إلى واقع مجهول وغامض. ووفق هذه الفرضية تراجعت اللغة العسكرية لمصلحة السلوك التفاوضي، ولكن من دون أن يعني ذلك التخلّي نهائياً عن الخيار العسكري، لا بل على العكس رفع مستوى الجهوزية العسكرية إلى المستوى المطلوب.

 

ومع تكليفه الملف التفاوضي، حدّد ستيف ويتكوف أربعة عناوين لمساره التفاوضي: تخصيب اليورانيوم، البرنامج الصاروخي، المخزون النووي، والوكلاء أو ما يُعرف بالأذرع في المنطقة. وأشار ويتكوف إلى أنّ إيران قد تكون مستعدة للتنازل في شأن القضايا الأربع جميعاً، نظراً للوضع الإقتصادي المتردي الذي تمرّ فيه. ومن البديهي الإستنتاج بأنّ كلام ويتكوف مبنيٌ على تواصل سابق مع إيران عبر قنوات خلفية يشجع على هذا الإعتقاد. ولفت في هذا الإطار، ليس فقط كلام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إنما أيضاً كلام المرشد الخامنئي نفسه، حين أدرج في كلام عالي النبرة ضدّ ترامب عبارة «أننا لا نريد حرباً، لكننا لن نتسامح مع المجرمين في الداخل». وبناءً على ما تقدّم، فمن المنطقي توقّع قيام المجموعة البحرية الأميركية بتشديد الخناق الإقتصادي على إيران عبر استهداف كل عمليات التهريب للخام الإيراني، والسعي لإغلاق الرئة الإقتصادية التي تتنفس عبرها طهران من خلال النافذة العراقية، في موازاة تنشيط المفاوضات الديبلوماسية لإنتاج تسوية سريعة.

 

هذا التطور في موقف البيت الأبيض أزعج رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، والذي كان أعلن سابقاً وبشيء من الزهو، أنّ ترامب اتخذ قراره بتوجيه ضربات على إيران. والإنزعاج الإسرائيلي المكتوم رافقته انتقادات حادة لويتكوف وفق ما تناقلته أوساط ديبلوماسية أوروبية. وهذا الإنزعاج لم يقتصر فقط على الملف الإيراني بل أيضاً على ملف غزة. ذلك أنّ نتنياهو مستاء من إدراج تركيا ضمن اللجنة الفرعية لتشكيلة «مجلس السلام لغزة». ووفق ما نقلته الأوساط الديبلوماسية، أنّ نتنياهو يتهم ويتكوف بلعب دور محوري في كبح أي ضربة عسكرية أميركية على طهران، وأنّ السبب يعود لوجود مصالح تجارية سابقة لويتكوف مع دول المنطقة تدفعه إلى التأثير على قراراته السياسية.

 

وأهمية ما يحصل مع إيران، كونه يحصل في ظل أحداث تؤشر بحركة لترسيم حدود نفوذ القوى في المنطقة. فمن هذه الزاوية تمّ تفسير الأحداث العسكرية التي أدّت إلى طرد «قسد» من حلب ومنطقتها الشرقية حيث الثروة النفطية. ففي وقت اعتبر البعض أنّ ما يجري يدخل في إطار دفع الأكراد للدخول في تسوية سياسية مع دمشق، فإنّ البعض الآخر قرأ فيها ترسيماً أميركياً لحدود النفوذ بين تركيا وإسرائيل في شمال سوريا، والذي أشرف عليه توم براك الذي يتحسس منه نتنياهو أيضاً. وقبل ذلك كانت واشنطن قد أدرجت جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر والأردن ولبنان، وهو التنظيم المحسوب على تركيا، في قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة. وهو ما فسّر أيضاً بأنّه يندرج في إطار رسم الحدود السياسية أمام أي طموح لتمدّد النفوذ التركي في اتجاه هذه الساحات.

 

لكن المشهد يتركّز الآن على ترسيم الحدود السياسية لإيران، وهو ما أشار إليه ويتكوف كبند رابع من أجندة التسوية المطروحة مع طهران. لكن الكلام العالي السقف الذي تضمنته الإطلالة الأخيرة للأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، أظهر رداً واضحاً، لا بل استعداداً للمواجهة. فواشنطن تطالب طهران بعدم التدخّل في شؤون دول المنطقة، وفي المقابل وعلى رغم من قول طهران إنّها لا تتدخّل في شؤون أي دولة، فإنّ الإشارات المنبعثة من لبنان تؤشر إلى أنّ إيران لا تريد أبداً الخروج من لبنان أياً كان الثمن، وأنّها ملتزمة بفك ارتباطها العسكري مع إسرائيل، وهو ما كان أعلنه قاسم سابقاً. لكن إيران متمسكة ببقاء نفوذها عند الساحل الشرقي للمتوسط، وحجز مكان لها في معادلة شرق المتوسط الجاري رسمها. وزيارة عراقجي الأخيرة لبيروت تحمل في مضمونها هذه الرسالة، على رغم من المفردات المرنة التي استخدمها في مواقفه الإعلامية. ولكن كلام قاسم العالي النبرة جاء ليعزز الإنطباع بأنّ فك الإشتباك مع إسرائيل عبر التسليم بالخروج من منطقة جنوب الليطاني لن يعني التسليم بخروج النفوذ الإيراني من لبنان. لذلك تمّ تفسير خطاب قاسم وكأنّه غلب عليه التحدّي والرفض الكامل لتسليم السلاح مع التهديد بالمواجهة: «لن يبقى حجر على حجر»، أي وفق مبدأ: «عليّ وعلى أعدائي يا رب». ومعتبراً أنّ هنالك مرحلة واحدة لخطة السلاح لا أجزاء لها، واستطراداً لا مرحلة ثانية. وفي معرض ذهابه في رفع سقف التهديد إلى الحدّ الأقصى، استخدم قاسم تعابير غير مألوفة كمثل «طويلة على رقبتكم»، وهذا الكلام موجّه ضمناً إلى السلطة اللبنانية التي تصرفت وكأنّها لم تسمع هذا الكلام. أي أنّها عمدت إلى دفن رأسها في التراب.

 

في الواقع، فإنّ واشنطن قد لا تعمد إلى «شراء» خروج التأثير الإيراني من لبنان وفق الأسلوب الذي يأمله بعض اللبنانيين. ومن هنا حضّها للسلطات اللبنانية للقيام بالخطوات المطلوبة منها لحصر السلاح بيدها، وإنّ واشنطن حاضرة لتأمين المظلة الدولية المطلوبة لإنجاح هذا العمل. ومن هذه الزاوية هنالك من يتوجس من أن «يقدّم» ترامب تعويضاً لنتنياهو عن صفعتي غزة وإيران، بأن يدعه يطلق يده العسكرية في لبنان. ذلك أنّ السلطة اللبنانية لا تبدي نيات جدّية للإنتقال جدّياً إلى المرحلة الثانية من الخطة، عبر وضع برنامج زمني واضح ومحدّد. ومن هنا انتظار ما ستؤول إليه قرارات مجلس الوزراء بعد رفع قيادة الجيش لتقريرها في شباط المقبل.

 

وفي معرض متابعتها للوضع في لبنان، رصدت أوساط ديبلوماسية معنية الملاحظتين التاليتين:

 

ـ الأولى: توقف التعاون الذي كان قائماً بين الجيش اللبناني و«حزب الله» في جنوب الليطاني حول المواقع والمخازن العسكرية. وسجّلت في هذا الإطار سلوكاً مختلفاً لـ«حزب الله»، خصوصاً بعد حصول ضربات جوية إسرائيلية. فبعد حصول الغارات الإسرائيلية على مواقع لـ«حزب الله» خصوصاً في المناطق التي تشملها المرحلة الثانية، تعمّد عناصر الحزب على تطويق المكان ومنع أي كان من الإقتراب بمن فيهم عناصر الجيش اللبناني، قبل أن تؤدي الإتصالات إلى السماح بذلك، ولكن بعد أن يكون قد انقضى وقت طويل على حصول الغارة.

ـ الثانية: ما حصل في بلدة كفرحتى في شرق صيدا، حيث أدّت الغارة الإسرائيلية إلى انكشاف مخزن للذخيرة. وحصل إثر ذلك مشادة واسعة وتضارب بين من اعترض بشدّة على وضع مخازن للذخيرة والسلاح داخل الأماكن السكنية وبين رافض لذلك.

 

وتنفي الأوساط الديبلوماسية وجود أي مستجدات حول زيارة قائد الجيش لواشنطن، ولكن من دون أن يعني ذلك موقفاً سلبياً موجّهاً إلى الجيش اللبناني، بمقدار ما هو موجّه إلى السلطة السياسية صاحبة القرار. بدليل أنّ قنوات التعاون بين الأميركيين والجيش اللبناني تعمل بنشاط لافت، كما أنّ التواصل عبر السفير الأميركي قائم بقوة. لكن السفير الأميركي كان قد كرّر أكثر من مّرة بأنّه يأمل حصول أفعال ملموسة لا مواقف خطابية فقط. وهو ما يعني تالياً، أنّ النتائج المرجوة من مؤتمر دعم الجيش لا تزال غير مضمونة، في انتظار القرارات التي ستصدر عن الحكومة حول البرنامج الزمني لتنفيذ المرحلة الثانية. مع الإشارة هنا إلى أنّ إدارة ترامب تستعجل الوقت، وكذلك نتنياهو المحاصر إقليمياً كما على المستوى الداخلي إنتخابياً.

 

وفي الولايات المتحدة الأميركية ترتفع حماوة الإنتخابات النصفية، وحيث بات يظهر بوضوح حتى الآن وجود فرص مرتفعة لمصلحة الحزب الديموقراطي. وإذا فاز الديموقراطيون بغالبية الكونغرس، فمن المرجح البدء بسياسة المناكفة لإدارة ترامب والتضييق عليها. وهو ما سيؤثر بطبيعة الحال على الهامش المتعلق بحرّية حركتها في مجالات عدة، ولا سيما الخارجية منها. ولا حاجة إلى التذكير بالعلاقة «الخاصة» التي تربط بعض قادة الحزب الديموقراطي بمسؤولين إيرانيين. واستطراداً، فإنّ إدارة ترامب تدرك جيداً بأنّ الأشهر المقبلة هي ثمينة جداً لتطبيق أجندتها الخارجية خصوصاً في الشرق الأوسط. وهو ما يعرفه جيداً نتنياهو أيضاً. وهو ما يستوجب إجراء حسابات لبنانية دقيقة وحذرة.

«الحزب» يجمّد «تعاونه» الميداني

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
19 كانون الثاني 2026

يندفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر فأكثر في انتهاج نهج سياسي صاعق وغامض في آن معاً، حيال الملفات الدولية الشائكة. هكذا فاجأ الجميع في سياسة رفع التعريفات الجمركية، وهكذا صعق العالم في فنزويلا، وهكذا تلاعب ولا يزال بأعصاب أوروبا في أوكرانيا، وها هو اليوم ينفّذ تراجعاً في إيران لمصلحة التسوية السياسية بعد اندفاعة هجومية أوحت وكأنّه ذاهب لإسقاط النظام في إيران.

هو السلوك السياسي الغامض الذي يستهويه، والذي يجعل الأطراف الأخرى عاجزة عن التنبؤ سلفاً حول المسار الفعلي الذي سيسلكه.

 

فعلى رغم من أنّه استبدل في دقائق معدودة خيار الضربات العسكرية على إيران بقرار آخر يقضي بفتح أبواب التفاوض، بعد أن كلّف الرجل الأقرب اليه ستيف ويتكوف هذه المهمّة الجديدة، إلّا أنّه أمر بتعزيز قواته البحرية بمجموعة حاملة الطائرات «يو. إس.إس. أبراهام لينكولن» الهجومية، والتي من المفترض أن تصل إلى المنطقة نهاية الأسبوع آتية من بحر الصين، إضافة إلى نقل أسراب إضافية من الطائرات الحربية المتعددة المهمّات، ما يوحي أنّه يريد أن يكون جاهزاً للبدء بعمل عسكري في اللحظة التي يريد. ومن هنا السؤال البديهي: هل بدّل ترامب خياراته فعلاً تجاه إيران؟ أم أنّه ينفّذ خديعة؟ فقبل أشهر معدودة كان سلوكه متقلّباً تجاه كاراكاس. فلقد دفع الوضع العسكري نحو الذروة في ظل حشد أوحى وكأنّه يستعد لغزو قريب. ثم عاد وفتح أبواب التفاوض الجانبية، قبل أن ينفّذ عملية كومندوس لاعتقال مادورو. ومن هنا لا بدّ من طرح السؤال: ماذا يريد ترامب فعلاً من طهران؟

 

وبالتزامن مع التصعيد الذي نفّذه ترامب تجاه السلطة القائمة في إيران، ظهر انقسام واسع في الآراء داخل أروقة القرار الأميركي حول طريقة التعاطي مع النظام الديني الذي يمسك بالسلطة. صحيح أنّ الغالبية الساحقة من الآراء كانت تتفق على العداء للسلوك الإيراني القائم، إلّا أنّ السؤال الذي كان يُقلق الجميع يتمحور حول فرضية، أنّ الدفع لإسقاط النظام القائم سيؤدي إلى تغييرات هائلة وغير مضمونة على مستوى المنطقة كلها، وإلى تحول إستراتيجي ضخم سيؤدي إلى نسف الركائز التي تقوم عليها المنطقة، والانتقال إلى واقع مجهول وغامض. ووفق هذه الفرضية تراجعت اللغة العسكرية لمصلحة السلوك التفاوضي، ولكن من دون أن يعني ذلك التخلّي نهائياً عن الخيار العسكري، لا بل على العكس رفع مستوى الجهوزية العسكرية إلى المستوى المطلوب.

 

ومع تكليفه الملف التفاوضي، حدّد ستيف ويتكوف أربعة عناوين لمساره التفاوضي: تخصيب اليورانيوم، البرنامج الصاروخي، المخزون النووي، والوكلاء أو ما يُعرف بالأذرع في المنطقة. وأشار ويتكوف إلى أنّ إيران قد تكون مستعدة للتنازل في شأن القضايا الأربع جميعاً، نظراً للوضع الإقتصادي المتردي الذي تمرّ فيه. ومن البديهي الإستنتاج بأنّ كلام ويتكوف مبنيٌ على تواصل سابق مع إيران عبر قنوات خلفية يشجع على هذا الإعتقاد. ولفت في هذا الإطار، ليس فقط كلام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إنما أيضاً كلام المرشد الخامنئي نفسه، حين أدرج في كلام عالي النبرة ضدّ ترامب عبارة «أننا لا نريد حرباً، لكننا لن نتسامح مع المجرمين في الداخل». وبناءً على ما تقدّم، فمن المنطقي توقّع قيام المجموعة البحرية الأميركية بتشديد الخناق الإقتصادي على إيران عبر استهداف كل عمليات التهريب للخام الإيراني، والسعي لإغلاق الرئة الإقتصادية التي تتنفس عبرها طهران من خلال النافذة العراقية، في موازاة تنشيط المفاوضات الديبلوماسية لإنتاج تسوية سريعة.

 

هذا التطور في موقف البيت الأبيض أزعج رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، والذي كان أعلن سابقاً وبشيء من الزهو، أنّ ترامب اتخذ قراره بتوجيه ضربات على إيران. والإنزعاج الإسرائيلي المكتوم رافقته انتقادات حادة لويتكوف وفق ما تناقلته أوساط ديبلوماسية أوروبية. وهذا الإنزعاج لم يقتصر فقط على الملف الإيراني بل أيضاً على ملف غزة. ذلك أنّ نتنياهو مستاء من إدراج تركيا ضمن اللجنة الفرعية لتشكيلة «مجلس السلام لغزة». ووفق ما نقلته الأوساط الديبلوماسية، أنّ نتنياهو يتهم ويتكوف بلعب دور محوري في كبح أي ضربة عسكرية أميركية على طهران، وأنّ السبب يعود لوجود مصالح تجارية سابقة لويتكوف مع دول المنطقة تدفعه إلى التأثير على قراراته السياسية.

 

وأهمية ما يحصل مع إيران، كونه يحصل في ظل أحداث تؤشر بحركة لترسيم حدود نفوذ القوى في المنطقة. فمن هذه الزاوية تمّ تفسير الأحداث العسكرية التي أدّت إلى طرد «قسد» من حلب ومنطقتها الشرقية حيث الثروة النفطية. ففي وقت اعتبر البعض أنّ ما يجري يدخل في إطار دفع الأكراد للدخول في تسوية سياسية مع دمشق، فإنّ البعض الآخر قرأ فيها ترسيماً أميركياً لحدود النفوذ بين تركيا وإسرائيل في شمال سوريا، والذي أشرف عليه توم براك الذي يتحسس منه نتنياهو أيضاً. وقبل ذلك كانت واشنطن قد أدرجت جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر والأردن ولبنان، وهو التنظيم المحسوب على تركيا، في قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة. وهو ما فسّر أيضاً بأنّه يندرج في إطار رسم الحدود السياسية أمام أي طموح لتمدّد النفوذ التركي في اتجاه هذه الساحات.

 

لكن المشهد يتركّز الآن على ترسيم الحدود السياسية لإيران، وهو ما أشار إليه ويتكوف كبند رابع من أجندة التسوية المطروحة مع طهران. لكن الكلام العالي السقف الذي تضمنته الإطلالة الأخيرة للأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، أظهر رداً واضحاً، لا بل استعداداً للمواجهة. فواشنطن تطالب طهران بعدم التدخّل في شؤون دول المنطقة، وفي المقابل وعلى رغم من قول طهران إنّها لا تتدخّل في شؤون أي دولة، فإنّ الإشارات المنبعثة من لبنان تؤشر إلى أنّ إيران لا تريد أبداً الخروج من لبنان أياً كان الثمن، وأنّها ملتزمة بفك ارتباطها العسكري مع إسرائيل، وهو ما كان أعلنه قاسم سابقاً. لكن إيران متمسكة ببقاء نفوذها عند الساحل الشرقي للمتوسط، وحجز مكان لها في معادلة شرق المتوسط الجاري رسمها. وزيارة عراقجي الأخيرة لبيروت تحمل في مضمونها هذه الرسالة، على رغم من المفردات المرنة التي استخدمها في مواقفه الإعلامية. ولكن كلام قاسم العالي النبرة جاء ليعزز الإنطباع بأنّ فك الإشتباك مع إسرائيل عبر التسليم بالخروج من منطقة جنوب الليطاني لن يعني التسليم بخروج النفوذ الإيراني من لبنان. لذلك تمّ تفسير خطاب قاسم وكأنّه غلب عليه التحدّي والرفض الكامل لتسليم السلاح مع التهديد بالمواجهة: «لن يبقى حجر على حجر»، أي وفق مبدأ: «عليّ وعلى أعدائي يا رب». ومعتبراً أنّ هنالك مرحلة واحدة لخطة السلاح لا أجزاء لها، واستطراداً لا مرحلة ثانية. وفي معرض ذهابه في رفع سقف التهديد إلى الحدّ الأقصى، استخدم قاسم تعابير غير مألوفة كمثل «طويلة على رقبتكم»، وهذا الكلام موجّه ضمناً إلى السلطة اللبنانية التي تصرفت وكأنّها لم تسمع هذا الكلام. أي أنّها عمدت إلى دفن رأسها في التراب.

 

في الواقع، فإنّ واشنطن قد لا تعمد إلى «شراء» خروج التأثير الإيراني من لبنان وفق الأسلوب الذي يأمله بعض اللبنانيين. ومن هنا حضّها للسلطات اللبنانية للقيام بالخطوات المطلوبة منها لحصر السلاح بيدها، وإنّ واشنطن حاضرة لتأمين المظلة الدولية المطلوبة لإنجاح هذا العمل. ومن هذه الزاوية هنالك من يتوجس من أن «يقدّم» ترامب تعويضاً لنتنياهو عن صفعتي غزة وإيران، بأن يدعه يطلق يده العسكرية في لبنان. ذلك أنّ السلطة اللبنانية لا تبدي نيات جدّية للإنتقال جدّياً إلى المرحلة الثانية من الخطة، عبر وضع برنامج زمني واضح ومحدّد. ومن هنا انتظار ما ستؤول إليه قرارات مجلس الوزراء بعد رفع قيادة الجيش لتقريرها في شباط المقبل.

 

وفي معرض متابعتها للوضع في لبنان، رصدت أوساط ديبلوماسية معنية الملاحظتين التاليتين:

 

ـ الأولى: توقف التعاون الذي كان قائماً بين الجيش اللبناني و«حزب الله» في جنوب الليطاني حول المواقع والمخازن العسكرية. وسجّلت في هذا الإطار سلوكاً مختلفاً لـ«حزب الله»، خصوصاً بعد حصول ضربات جوية إسرائيلية. فبعد حصول الغارات الإسرائيلية على مواقع لـ«حزب الله» خصوصاً في المناطق التي تشملها المرحلة الثانية، تعمّد عناصر الحزب على تطويق المكان ومنع أي كان من الإقتراب بمن فيهم عناصر الجيش اللبناني، قبل أن تؤدي الإتصالات إلى السماح بذلك، ولكن بعد أن يكون قد انقضى وقت طويل على حصول الغارة.

ـ الثانية: ما حصل في بلدة كفرحتى في شرق صيدا، حيث أدّت الغارة الإسرائيلية إلى انكشاف مخزن للذخيرة. وحصل إثر ذلك مشادة واسعة وتضارب بين من اعترض بشدّة على وضع مخازن للذخيرة والسلاح داخل الأماكن السكنية وبين رافض لذلك.

 

وتنفي الأوساط الديبلوماسية وجود أي مستجدات حول زيارة قائد الجيش لواشنطن، ولكن من دون أن يعني ذلك موقفاً سلبياً موجّهاً إلى الجيش اللبناني، بمقدار ما هو موجّه إلى السلطة السياسية صاحبة القرار. بدليل أنّ قنوات التعاون بين الأميركيين والجيش اللبناني تعمل بنشاط لافت، كما أنّ التواصل عبر السفير الأميركي قائم بقوة. لكن السفير الأميركي كان قد كرّر أكثر من مّرة بأنّه يأمل حصول أفعال ملموسة لا مواقف خطابية فقط. وهو ما يعني تالياً، أنّ النتائج المرجوة من مؤتمر دعم الجيش لا تزال غير مضمونة، في انتظار القرارات التي ستصدر عن الحكومة حول البرنامج الزمني لتنفيذ المرحلة الثانية. مع الإشارة هنا إلى أنّ إدارة ترامب تستعجل الوقت، وكذلك نتنياهو المحاصر إقليمياً كما على المستوى الداخلي إنتخابياً.

 

وفي الولايات المتحدة الأميركية ترتفع حماوة الإنتخابات النصفية، وحيث بات يظهر بوضوح حتى الآن وجود فرص مرتفعة لمصلحة الحزب الديموقراطي. وإذا فاز الديموقراطيون بغالبية الكونغرس، فمن المرجح البدء بسياسة المناكفة لإدارة ترامب والتضييق عليها. وهو ما سيؤثر بطبيعة الحال على الهامش المتعلق بحرّية حركتها في مجالات عدة، ولا سيما الخارجية منها. ولا حاجة إلى التذكير بالعلاقة «الخاصة» التي تربط بعض قادة الحزب الديموقراطي بمسؤولين إيرانيين. واستطراداً، فإنّ إدارة ترامب تدرك جيداً بأنّ الأشهر المقبلة هي ثمينة جداً لتطبيق أجندتها الخارجية خصوصاً في الشرق الأوسط. وهو ما يعرفه جيداً نتنياهو أيضاً. وهو ما يستوجب إجراء حسابات لبنانية دقيقة وحذرة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار