“سَلْقُ” الانتخابات.. “يشوي” العهد!

أقلّ من أربعة أشهر تفصل اللبنانيين عن الانتخابات النيابية المفترض إجراؤها في العاشر من أيار 2026. أربعة أشهر فقط، في بلد اعتاد أن تتحوّل فيه المهل الدستورية إلى اقتراحات، والاستحقاقات إلى مناسبات قابلة للتأجيل، والديمقراطية إلى تمرين شكلي على إعادة إنتاج السلطة لا تداولها. ومع ذلك، لا يبدو أن السلطة السياسية – حكومةً ومجلسًا نيابيًا ورئاسة جمهورية – تتعامل مع هذا الاستحقاق بوصفه الحدّ الأدنى من واجباتها الدستورية، بل كملف ثانوي قابل للإدارة بالقطّارة، أو بالمقايضة، أو بالتطيير الناعم.
ضجيج بلا مضمون
على المستوى السياسي، لا شيء يوحي بأن البلاد على أبواب انتخابات مفصلية. الضجيج الإعلامي كثيف، لكن التحضيرات الفعلية شبه معدومة. الأحزاب التقليدية لم تعلن حتى الآن عن تحالفات واضحة أو برامج انتخابية جدّية، واكتفت بشعارات عامة مستهلكة لا تختلف كثيرًا عن تلك التي رافقت الانتخابات السابقة وانطفت بانتهائها. أما القوى “التغييرية” والمستقلون، فلا يزال معظمهم غارقًا في فردانيته، وتنافساته، وقلة خبرته السياسية والتنظيمية، فيما يبدو الرأي العام في وادٍ آخر، فاقدًا الثقة بقدرة الانتخابات على إحداث أي تغيير حقيقي.
لكن الأخطر من هذا الركود السياسي، هو ما يجري خلف الكواليس على مستوى القانون الانتخابي نفسه.
عن سابق إصرار
حتى اللحظة، لم يبتّ مجلس النواب بالتعديلات الضرورية على قانون الانتخاب النافذ (القانون 44/2017)، وهي تعديلات باتت شرطًا لازمًا لإجراء الانتخابات. هذا التقاعس لا يمكن فصله عن دور رئيس المجلس النيابي، الذي يمارس – هو وفريقه – سياسة ليّ الأذرع التقليدية: مَن لا يتراجع أولًا يربح.
جوهر النزاع معروف: “الثنائي الشيعي” يرفض السماح للبنانيين غير المقيمين بالاقتراع لمرشحي دوائرهم الأصلية في لبنان، كما حصل في دورتي 2018 و2022، وفي الوقت نفسه يمنع عمليًا تعديل القانون لإدخال المواد الضرورية التي تنظّم الاقتراع في “الدائرة 16” المخصَّصة للمغتربين. النتيجة؟ قانون غير قابل للتطبيق، وانتخابات معلّقة على حبل المناورات.
في المقابل، تطالب أكثرية نيابية – ولو مترددة – بتعديل القانون لتعليق العمل بمواد الدائرة 16، وإعادة تمكين المغتربين من التصويت لمرشحي دوائرهم الأصلية، أسوة بباقي الناخبين. لكن هذه الأكثرية تصطدم بجدار التعطيل المنهجي عن سابق إصرار وتصميم.
“ما أني!”
هنا، تبرز مسؤولية رئيسي الجمهورية والحكومة، وهي مسؤولية لا يمكن التنصّل منها بحجة أن المسألة “تشريعية بحتة”. فالحكومة ملزمة، أقله، بتطبيق القانون النافذ الذي منحها صراحةً حق اقتراح المواد التطبيقية الناقصة – أو ما سُمّي بـ”دقائق تطبيق القانون” – وإحالتها إلى مجلس النواب لدراستها وإقرارها.
تقاعس الحكومة عن أداء هذا الدور في وقت مبكر منح رئيس المجلس فرصة ذهبية للانقضاض على أبسط القواعد الدستورية: التعاون بين السلطات؛ وأعادنا عمليًا إلى منطق “الترويكا” البغيض: رئيس جمهورية، ورئيس مجلس، ورئيس حكومة، يجتمعون ويتّفقون كي “تمشي الدولة”. وكأننا لم ندفع ثمن هذا النموذج بما يكفي.
والأسوأ، أن الخشية باتت جدية من أن تكون “الترويكا” قد اتفقت ضمنيًا على صفقة غير معلنة: تطيير اقتراع المغتربين في الخارج، مقابل تأجيل الانتخابات من الربيع إلى الصيف، بذريعة “إتاحة الفرصة” أمامهم للمجيء إلى لبنان والتصويت فيه. وكأن ممارسة الحق الدستوري يجب أن تمرّ عبر حجز تذكرة سفر وتحمل كلفة انتقال لا يقدر عليها الجميع. وفتحت برودة “وزارة الخارجية والمغتربين” المريبة في تعاملها مع ملف في صلب وظائفها علامات استفهام كبرى، ولا سيما فيما اتصل بعدم تشجيع المغتربين على التسجيل معطوفًا على اندفاع نواب “القوات اللبنانية” لمقاطعة لجنة درس اقتراحات القوانين الانتخابية وتعديلاتها إلى اليوم، ولو أنه كان موقفًا محقًا في البداية.
حاشية لا بدّ منها هنا: يسوّق بعض نواب وحلفاء “الثنائي” هذه الصفقة على أنها مقايضة “رابحة للجميع”؛ يروّجون أنهم “يتفضّلون” بالسماح للناخبين المسجّلين في الخارج بالعودة والاقتراع في الداخل، رغم أن تسجيلهم يحظر عليهم ذلك قانونًا. والحال أن إلغاء اقتراع الخارج سيُجبر الحكومة على إلغاء تسجيلهم، وبالتالي السماح تلقائيًا لمن يرغب منهم بالاقتراع في لبنان. أي أن ما يُسوَّق كتنازل سياسي ليس سوى “بيع” فاضح لحقٍ هو ملك أصحابه أصلًا، في واحدة من أكثر عمليات التضليل وقاحة.
انتكاسة كاملة الأوصاف
أي مسّ بحق اقتراع غير المقيمين يشكّل انتكاسة ديمقراطية كبرى. أولًا: لأنه تراجع عن مكتسب انتزعه اللبنانيون بعد نضال طويل. وثانيًا: لأنه يضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الناخبين، مَن يملك المال والدعم يأتي وينتخب، ومَن لا يملك يُقصى عمليًا من الإدلاء بصوته! وثالثًا: لأن هذا السيناريو يفتح الباب أمام «الرشوة الانتخابية» المنظَّمة، وهي جرم يعاقب عليه القانون. إذ كيف يمكن ردع جهات سياسية أو مرشحين من تمويل سفر ناخبين مقابل أصواتهم؟ هذا الأمر أثير مرارًا في الدورات السابقة، وأشارت إليه تقارير “هيئة الإشراف على الانتخابات”، لكنه بقي، كمعظم ملاحظاتها، بلا متابعة أو محاسبة.
التأجيل.. نسخ ولصق!
التأجيل المحتمل لن يمرّ دون كلفة سياسية. فالعهد الجديد (رئيسًا وحكومة) يقدّم نفسه كعنوان لاحترام الدستور والمواعيد. غير أن إشارة رئيس الجمهورية، في الذكرى الأولى لتوليه المنصب، إلى أن “تأجيلاً تقنيًا لشهرين لا يُعدّ تأجيلاً”، فتحت باب الشك واسعًا: هل نحن أمام تمهيد لصفقة ما؟ وهل يشكّل هذا الموقف ضوءًا أخضر للمقايضة مع “الثنائي”؟ لماذا وبأي ثمن؟ على كل حال، لم يتأخر رئيس المجلس في التقاط الإشارة و”نسخ” موقف الرئيس حرفيًا.
لماذا يمانع “الثنائي”؟
ليس سرًا أن “الثنائي الشيعي” سيقاوم بكل أدوات الضغط، الناعمة والخشنة، أي تعديل يسمح بتصويت المغتربين. تجربة عام 2022 كانت كافية؛ إذ صبّت أصوات الخارج بغالبيتها لمصلحة القوى التغييرية والسيادية، وشكّلت خرقًا رمزيًا – ولو محدودًا – لتوزّع القوى الداخلية.
كذلك، سيقاوم إقامة «ميغاسنترز» تتيح للناخبين الاقتراع في أماكن سكنهم؛ ليس فقط لمنع الناخب من التحرر جزئياً من قبضة قوى الأمر الواقع، بل كي لا يتحرر أيضاً مندوبو المرشحين وموظفو أقلام الاقتراع.
لقد بات “الحزب” مقتنعًا بأن عام 2026 قد يكون عام التحوّلات الكبرى، وربما عام تخليه عن سلاحه. هذا السلاح، فائض القوة، هو ما أتاح له، منذ خروج الجيش السوري عام 2005، السيطرة على مفاصل الدولة، بالتكافل مع حليفه رئيس المجلس، عبر تعطيل الانتخابات الرئاسية مرارًا ولفترات طويلة، وفرض شراكات قسرية على السلطة التنفيذية، في تجاوزٍ صريح لمبدأ الفصل بين السلطات. من هذا المنظور، فإن أي “خلل” انتخابي – مهما صغر- في المعادلات القائمة، قد يشكل خرقًا لهذا الاحتكار المذهبي؛ وهو أمرٌ سيبقى “غير مسموحٍ به!”.
خيانة باسم الواقعية
إن عدم إصرار الحكومة ورئيس الجمهورية على فرض هذه الإصلاحات الانتخابية الأساسية يترجم عمليًا كإعدام للفرص القليلة المتبقية أمام مرشحين معارضين لـ”الثنائي”، كانت أصوات الخارج والاقتراع من مكان السكن تشكّل لهم، في أفضل الأحوال، هامشًا ضيقًا لمحاولة خرق الجدار السميك للاحتكار المذهبي والسياسي.
ومع إقفال هذا الهامش، تصبح المعركة الانتخابية محسومة سلفًا، ليس فقط بسبب النظام الانتخابي – “قانون الأقوياء” -، وهيمنة الحزب بسلاحه وتحويل مناطقه إلى مربعات انتخابية مغلقة، بل أيضًا – وربما أساسًا – بسبب منع الدولة عن بسط سلطتها الفعلية فيها. فالدولة، حين تغيب أجهزتها الأمنية ومؤسساتها الإدارية والخدماتية، تترك فراغًا يملؤه الحزب بوصفه “الجهة الضامنة” و”المرجعية المسؤولة” عن إدارة حياة الناس اليومية. عندها، لا يعود الصوت الانتخابي تعبيرًا عن قناعة سياسية حرة، بل يتحوّل إلى فعل ولاء مفروض في علاقة زبائنية مفروضة بالقوة منذ زمن طويل.
من هنا، لا يمكن الحديث بجدية عن تكافؤ فرص بين المرشحين، ولا عن حرية فعلية للناخبين، ما دامت الدولة مغيَّبة، وما دام السلاح يحدّد مسبقًا سقف السياسة وحدود التنافس. فوجود الدولة، لا حيادها المزعوم ولا تذرّعها بـ”الواقعية السياسية”، هو الشرط الأول لأي انتخابات ديمقراطية ذات معنى. وأي تسوية تُسوَّق اليوم على أنها تنازل عقلاني أو ضرورة مرحلية، لا تشكّل إلا خيانة صريحة للإصلاح ولفكرة الانتخابات نفسها باعتبارها أداة مساءلة وليس آلية لإعادة إنتاج السيطرة معروفة نتائجها سلفًا.
التحضير الإداري: سباق في وقت ضائع؟
إذا كان المشهد السياسي قاتمًا، فالصورة الإدارية ليست أفضل حالًا. التحضيرات اللوجستية في وزارة الداخلية والبلديات تسير بوتيرة بطيئة ومرتبكة.
يجب على الحكومة دعوة الهيئات الناخبة قبل 90 يومًا من موعد الانتخاب، أي قبل 10 شباط 2026. هذا يعني أن أمام الحكومة أقل من 20 يومًا لحسم كل العقد القانونية.
لكن القانون ليس المشكلة الوحيدة. فالانتخابات تحتاج إلى تحضيرات ضخمة: تجهيز مراكز وأقلام الاقتراع بالمستلزمات الانتخابية، إطلاق مناقصات، تحديث النظام الإلكتروني لاحتساب الأصوات، تطوير برامج الترشيح واللوائح، تدريب الموظفين ولجان القيد، وإطلاق حملة إعلامية توعوية واسعة. الخ.
وفوق كل ذلك، هناك أزمة القطاع العام. آلاف الأساتذة والموظفين، الذين يُفترض الاستعانة بهم كرؤساء وكتبة أقلام، يلوّحون بمقاطعة الانتخابات ما لم تُسوَّ أوضاعهم المالية والمعيشية.
هيئة الإشراف.. اختراع العجلة!
تقع على عاتق وزارة الداخلية أيضًا مسؤولية تجهيز “هيئة الإشراف على الانتخابات”: مقر، موازنة، جهاز إداري، فرق مراقبة للإعلام ولحملات المرشحين وإنفاقهم، وتجهيزات تقنية. الخ. والهيئة مطالبة بإنجاز معظم هذه المهام قبل مباشرة عملها رسميًا، أي قبل بدء الحملة الانتخابية بعشرة أيام. للتذكير تبدأ الحملات من يوم فتح باب تسجيل المرشحين الذي يلي فورًا صدور مرسوم دعوة الهيئات الناخبة (المتوقع في 10 شباط كحدٍ أقصى).
لكن الواقع يشير إلى أن الهيئة الجديدة ستبدأ عمليًا من الصفر، أو ما دونه. فالتسليم والتسلّم مع الهيئة السابقة لم يشمل، على الأرجح، الأرشيف المؤسسي؛ وعلى الهيئة الجديدة “التنقيب” عن القرارات والبرامج الالكترونية والتجهيزات المتناثرة بين المكاتب السابقة والصناديق في المستودعات.. وكأننا عالقون في “عَوْدٍ أبدي” لاختراع العجلة.
خلاصة مؤلمة
ما يجري اليوم ليس مجرد تأخير إداري أو خلاف سياسي عابر. إنه فشل بنيوي في التعامل مع الانتخابات كحق دستوري لا كأداة تفاوض. تناولنا سابقًا مرارًا كيفية “مأسَسة الانتخابات” حتى لا نعيد في كل مرّة “طبخها” بطريقة أسوأ من قبل. فانتخابات “مسلوقة”، تُدار على عجل، بلا رؤية، وبلا إرادة إصلاحية، لن “تشوي” فقط صورة عهد واعد، بل ستأتي أيضًا على ما تبقّى من ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم وديمقراطيتهم الهشّة أصلا، وقد شارف “تاريخ صلاحيتها” على الانتهاء.
“سَلْقُ” الانتخابات.. “يشوي” العهد!

أقلّ من أربعة أشهر تفصل اللبنانيين عن الانتخابات النيابية المفترض إجراؤها في العاشر من أيار 2026. أربعة أشهر فقط، في بلد اعتاد أن تتحوّل فيه المهل الدستورية إلى اقتراحات، والاستحقاقات إلى مناسبات قابلة للتأجيل، والديمقراطية إلى تمرين شكلي على إعادة إنتاج السلطة لا تداولها. ومع ذلك، لا يبدو أن السلطة السياسية – حكومةً ومجلسًا نيابيًا ورئاسة جمهورية – تتعامل مع هذا الاستحقاق بوصفه الحدّ الأدنى من واجباتها الدستورية، بل كملف ثانوي قابل للإدارة بالقطّارة، أو بالمقايضة، أو بالتطيير الناعم.
ضجيج بلا مضمون
على المستوى السياسي، لا شيء يوحي بأن البلاد على أبواب انتخابات مفصلية. الضجيج الإعلامي كثيف، لكن التحضيرات الفعلية شبه معدومة. الأحزاب التقليدية لم تعلن حتى الآن عن تحالفات واضحة أو برامج انتخابية جدّية، واكتفت بشعارات عامة مستهلكة لا تختلف كثيرًا عن تلك التي رافقت الانتخابات السابقة وانطفت بانتهائها. أما القوى “التغييرية” والمستقلون، فلا يزال معظمهم غارقًا في فردانيته، وتنافساته، وقلة خبرته السياسية والتنظيمية، فيما يبدو الرأي العام في وادٍ آخر، فاقدًا الثقة بقدرة الانتخابات على إحداث أي تغيير حقيقي.
لكن الأخطر من هذا الركود السياسي، هو ما يجري خلف الكواليس على مستوى القانون الانتخابي نفسه.
عن سابق إصرار
حتى اللحظة، لم يبتّ مجلس النواب بالتعديلات الضرورية على قانون الانتخاب النافذ (القانون 44/2017)، وهي تعديلات باتت شرطًا لازمًا لإجراء الانتخابات. هذا التقاعس لا يمكن فصله عن دور رئيس المجلس النيابي، الذي يمارس – هو وفريقه – سياسة ليّ الأذرع التقليدية: مَن لا يتراجع أولًا يربح.
جوهر النزاع معروف: “الثنائي الشيعي” يرفض السماح للبنانيين غير المقيمين بالاقتراع لمرشحي دوائرهم الأصلية في لبنان، كما حصل في دورتي 2018 و2022، وفي الوقت نفسه يمنع عمليًا تعديل القانون لإدخال المواد الضرورية التي تنظّم الاقتراع في “الدائرة 16” المخصَّصة للمغتربين. النتيجة؟ قانون غير قابل للتطبيق، وانتخابات معلّقة على حبل المناورات.
في المقابل، تطالب أكثرية نيابية – ولو مترددة – بتعديل القانون لتعليق العمل بمواد الدائرة 16، وإعادة تمكين المغتربين من التصويت لمرشحي دوائرهم الأصلية، أسوة بباقي الناخبين. لكن هذه الأكثرية تصطدم بجدار التعطيل المنهجي عن سابق إصرار وتصميم.
“ما أني!”
هنا، تبرز مسؤولية رئيسي الجمهورية والحكومة، وهي مسؤولية لا يمكن التنصّل منها بحجة أن المسألة “تشريعية بحتة”. فالحكومة ملزمة، أقله، بتطبيق القانون النافذ الذي منحها صراحةً حق اقتراح المواد التطبيقية الناقصة – أو ما سُمّي بـ”دقائق تطبيق القانون” – وإحالتها إلى مجلس النواب لدراستها وإقرارها.
تقاعس الحكومة عن أداء هذا الدور في وقت مبكر منح رئيس المجلس فرصة ذهبية للانقضاض على أبسط القواعد الدستورية: التعاون بين السلطات؛ وأعادنا عمليًا إلى منطق “الترويكا” البغيض: رئيس جمهورية، ورئيس مجلس، ورئيس حكومة، يجتمعون ويتّفقون كي “تمشي الدولة”. وكأننا لم ندفع ثمن هذا النموذج بما يكفي.
والأسوأ، أن الخشية باتت جدية من أن تكون “الترويكا” قد اتفقت ضمنيًا على صفقة غير معلنة: تطيير اقتراع المغتربين في الخارج، مقابل تأجيل الانتخابات من الربيع إلى الصيف، بذريعة “إتاحة الفرصة” أمامهم للمجيء إلى لبنان والتصويت فيه. وكأن ممارسة الحق الدستوري يجب أن تمرّ عبر حجز تذكرة سفر وتحمل كلفة انتقال لا يقدر عليها الجميع. وفتحت برودة “وزارة الخارجية والمغتربين” المريبة في تعاملها مع ملف في صلب وظائفها علامات استفهام كبرى، ولا سيما فيما اتصل بعدم تشجيع المغتربين على التسجيل معطوفًا على اندفاع نواب “القوات اللبنانية” لمقاطعة لجنة درس اقتراحات القوانين الانتخابية وتعديلاتها إلى اليوم، ولو أنه كان موقفًا محقًا في البداية.
حاشية لا بدّ منها هنا: يسوّق بعض نواب وحلفاء “الثنائي” هذه الصفقة على أنها مقايضة “رابحة للجميع”؛ يروّجون أنهم “يتفضّلون” بالسماح للناخبين المسجّلين في الخارج بالعودة والاقتراع في الداخل، رغم أن تسجيلهم يحظر عليهم ذلك قانونًا. والحال أن إلغاء اقتراع الخارج سيُجبر الحكومة على إلغاء تسجيلهم، وبالتالي السماح تلقائيًا لمن يرغب منهم بالاقتراع في لبنان. أي أن ما يُسوَّق كتنازل سياسي ليس سوى “بيع” فاضح لحقٍ هو ملك أصحابه أصلًا، في واحدة من أكثر عمليات التضليل وقاحة.
انتكاسة كاملة الأوصاف
أي مسّ بحق اقتراع غير المقيمين يشكّل انتكاسة ديمقراطية كبرى. أولًا: لأنه تراجع عن مكتسب انتزعه اللبنانيون بعد نضال طويل. وثانيًا: لأنه يضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الناخبين، مَن يملك المال والدعم يأتي وينتخب، ومَن لا يملك يُقصى عمليًا من الإدلاء بصوته! وثالثًا: لأن هذا السيناريو يفتح الباب أمام «الرشوة الانتخابية» المنظَّمة، وهي جرم يعاقب عليه القانون. إذ كيف يمكن ردع جهات سياسية أو مرشحين من تمويل سفر ناخبين مقابل أصواتهم؟ هذا الأمر أثير مرارًا في الدورات السابقة، وأشارت إليه تقارير “هيئة الإشراف على الانتخابات”، لكنه بقي، كمعظم ملاحظاتها، بلا متابعة أو محاسبة.
التأجيل.. نسخ ولصق!
التأجيل المحتمل لن يمرّ دون كلفة سياسية. فالعهد الجديد (رئيسًا وحكومة) يقدّم نفسه كعنوان لاحترام الدستور والمواعيد. غير أن إشارة رئيس الجمهورية، في الذكرى الأولى لتوليه المنصب، إلى أن “تأجيلاً تقنيًا لشهرين لا يُعدّ تأجيلاً”، فتحت باب الشك واسعًا: هل نحن أمام تمهيد لصفقة ما؟ وهل يشكّل هذا الموقف ضوءًا أخضر للمقايضة مع “الثنائي”؟ لماذا وبأي ثمن؟ على كل حال، لم يتأخر رئيس المجلس في التقاط الإشارة و”نسخ” موقف الرئيس حرفيًا.
لماذا يمانع “الثنائي”؟
ليس سرًا أن “الثنائي الشيعي” سيقاوم بكل أدوات الضغط، الناعمة والخشنة، أي تعديل يسمح بتصويت المغتربين. تجربة عام 2022 كانت كافية؛ إذ صبّت أصوات الخارج بغالبيتها لمصلحة القوى التغييرية والسيادية، وشكّلت خرقًا رمزيًا – ولو محدودًا – لتوزّع القوى الداخلية.
كذلك، سيقاوم إقامة «ميغاسنترز» تتيح للناخبين الاقتراع في أماكن سكنهم؛ ليس فقط لمنع الناخب من التحرر جزئياً من قبضة قوى الأمر الواقع، بل كي لا يتحرر أيضاً مندوبو المرشحين وموظفو أقلام الاقتراع.
لقد بات “الحزب” مقتنعًا بأن عام 2026 قد يكون عام التحوّلات الكبرى، وربما عام تخليه عن سلاحه. هذا السلاح، فائض القوة، هو ما أتاح له، منذ خروج الجيش السوري عام 2005، السيطرة على مفاصل الدولة، بالتكافل مع حليفه رئيس المجلس، عبر تعطيل الانتخابات الرئاسية مرارًا ولفترات طويلة، وفرض شراكات قسرية على السلطة التنفيذية، في تجاوزٍ صريح لمبدأ الفصل بين السلطات. من هذا المنظور، فإن أي “خلل” انتخابي – مهما صغر- في المعادلات القائمة، قد يشكل خرقًا لهذا الاحتكار المذهبي؛ وهو أمرٌ سيبقى “غير مسموحٍ به!”.
خيانة باسم الواقعية
إن عدم إصرار الحكومة ورئيس الجمهورية على فرض هذه الإصلاحات الانتخابية الأساسية يترجم عمليًا كإعدام للفرص القليلة المتبقية أمام مرشحين معارضين لـ”الثنائي”، كانت أصوات الخارج والاقتراع من مكان السكن تشكّل لهم، في أفضل الأحوال، هامشًا ضيقًا لمحاولة خرق الجدار السميك للاحتكار المذهبي والسياسي.
ومع إقفال هذا الهامش، تصبح المعركة الانتخابية محسومة سلفًا، ليس فقط بسبب النظام الانتخابي – “قانون الأقوياء” -، وهيمنة الحزب بسلاحه وتحويل مناطقه إلى مربعات انتخابية مغلقة، بل أيضًا – وربما أساسًا – بسبب منع الدولة عن بسط سلطتها الفعلية فيها. فالدولة، حين تغيب أجهزتها الأمنية ومؤسساتها الإدارية والخدماتية، تترك فراغًا يملؤه الحزب بوصفه “الجهة الضامنة” و”المرجعية المسؤولة” عن إدارة حياة الناس اليومية. عندها، لا يعود الصوت الانتخابي تعبيرًا عن قناعة سياسية حرة، بل يتحوّل إلى فعل ولاء مفروض في علاقة زبائنية مفروضة بالقوة منذ زمن طويل.
من هنا، لا يمكن الحديث بجدية عن تكافؤ فرص بين المرشحين، ولا عن حرية فعلية للناخبين، ما دامت الدولة مغيَّبة، وما دام السلاح يحدّد مسبقًا سقف السياسة وحدود التنافس. فوجود الدولة، لا حيادها المزعوم ولا تذرّعها بـ”الواقعية السياسية”، هو الشرط الأول لأي انتخابات ديمقراطية ذات معنى. وأي تسوية تُسوَّق اليوم على أنها تنازل عقلاني أو ضرورة مرحلية، لا تشكّل إلا خيانة صريحة للإصلاح ولفكرة الانتخابات نفسها باعتبارها أداة مساءلة وليس آلية لإعادة إنتاج السيطرة معروفة نتائجها سلفًا.
التحضير الإداري: سباق في وقت ضائع؟
إذا كان المشهد السياسي قاتمًا، فالصورة الإدارية ليست أفضل حالًا. التحضيرات اللوجستية في وزارة الداخلية والبلديات تسير بوتيرة بطيئة ومرتبكة.
يجب على الحكومة دعوة الهيئات الناخبة قبل 90 يومًا من موعد الانتخاب، أي قبل 10 شباط 2026. هذا يعني أن أمام الحكومة أقل من 20 يومًا لحسم كل العقد القانونية.
لكن القانون ليس المشكلة الوحيدة. فالانتخابات تحتاج إلى تحضيرات ضخمة: تجهيز مراكز وأقلام الاقتراع بالمستلزمات الانتخابية، إطلاق مناقصات، تحديث النظام الإلكتروني لاحتساب الأصوات، تطوير برامج الترشيح واللوائح، تدريب الموظفين ولجان القيد، وإطلاق حملة إعلامية توعوية واسعة. الخ.
وفوق كل ذلك، هناك أزمة القطاع العام. آلاف الأساتذة والموظفين، الذين يُفترض الاستعانة بهم كرؤساء وكتبة أقلام، يلوّحون بمقاطعة الانتخابات ما لم تُسوَّ أوضاعهم المالية والمعيشية.
هيئة الإشراف.. اختراع العجلة!
تقع على عاتق وزارة الداخلية أيضًا مسؤولية تجهيز “هيئة الإشراف على الانتخابات”: مقر، موازنة، جهاز إداري، فرق مراقبة للإعلام ولحملات المرشحين وإنفاقهم، وتجهيزات تقنية. الخ. والهيئة مطالبة بإنجاز معظم هذه المهام قبل مباشرة عملها رسميًا، أي قبل بدء الحملة الانتخابية بعشرة أيام. للتذكير تبدأ الحملات من يوم فتح باب تسجيل المرشحين الذي يلي فورًا صدور مرسوم دعوة الهيئات الناخبة (المتوقع في 10 شباط كحدٍ أقصى).
لكن الواقع يشير إلى أن الهيئة الجديدة ستبدأ عمليًا من الصفر، أو ما دونه. فالتسليم والتسلّم مع الهيئة السابقة لم يشمل، على الأرجح، الأرشيف المؤسسي؛ وعلى الهيئة الجديدة “التنقيب” عن القرارات والبرامج الالكترونية والتجهيزات المتناثرة بين المكاتب السابقة والصناديق في المستودعات.. وكأننا عالقون في “عَوْدٍ أبدي” لاختراع العجلة.
خلاصة مؤلمة
ما يجري اليوم ليس مجرد تأخير إداري أو خلاف سياسي عابر. إنه فشل بنيوي في التعامل مع الانتخابات كحق دستوري لا كأداة تفاوض. تناولنا سابقًا مرارًا كيفية “مأسَسة الانتخابات” حتى لا نعيد في كل مرّة “طبخها” بطريقة أسوأ من قبل. فانتخابات “مسلوقة”، تُدار على عجل، بلا رؤية، وبلا إرادة إصلاحية، لن “تشوي” فقط صورة عهد واعد، بل ستأتي أيضًا على ما تبقّى من ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم وديمقراطيتهم الهشّة أصلا، وقد شارف “تاريخ صلاحيتها” على الانتهاء.












