إيران وإسرائيل… رحلة من المصالح المشتركة إلى الصراع المفتوح

الكاتب: د. سعاد الرامي | المصدر: نداء الوطن
20 كانون الثاني 2026

بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتهديده بضرب إيران وإسقاط النظام، في حال قتل المحتجين الذين يتظاهرون في الشوارع بالآلاف لإسقاط حكم الملالي، تعود العلاقة بين إسرائيل وإيران إلى الواجهة مجددًا وخاصة بعد، ارتفاع حدّة التوتر بين البلدين في الفترة الأخيرة لا سيما بعد أحداث 7 اوكتوبر والحديث عن استهداف “رأس الأفعى” في إيران.

بالعودة إلى تاريخ العلاقة بينهما، نجد أنها شهدت في عهد الشاه محمد رضا بهلوي (1941–1979) تعاونًا على الأصعدة كافة تقريبًا، لكنها تحولت بعد الثورة الإسلامية عام 1979 وما زالت إلى علاقة تتحكم بها ايديولوجية دينية وعداء كبير لإسرائيل والصهيونية.

تطرح التطورات والتحولات الأخيرة أسئلة عدة منها: كيف كانت العلاقة بين البلدين ولماذا تغيرت وما هي الأسباب؟ وفي حال سقوط النظام الحالي، هل يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه خلال فترة حكم الشاه؟

اتّبعت إيران في عهد الشاه سياسة خارجية متناغمة مع التوجهات الغربية لاسيما استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط. وكانت إسرائيل ترى في إيران شريكًا مهمًا واستراتيجيًا لمواجهة سياسة جمال عبد الناصر والمد الأيديولوجي “العروبي” وتمدد نفوذ الاتحاد السوفياتي. فنشأت بينهما علاقة استراتجية ولوغير معلنة.

ففي عام 1950 اعترفت إيران بإسرائيل اعترافًا كاملًا من دون أن تربطهما أي علاقة دبلوماسية رسمية معلنة، مراعاة للدول العربية الإسلامية، لتنكسر بذلك العزلة المفروضة على إسرائيل جغرافيًا سياسيًا واقتصاديًا. كما توسع التعاون بينهما ليطال المجالات الأمنية والعسكرية والتدريب وتبادل الخبرات والمعلومات بين أجهزة المخابرات وزيادة القدرة الدفاعية للبلدين، ليؤكد ذلك أن العلاقة السياسية لم تكن سطحية بل عملية واستراتيجية، بهدف إنجاح وترسيخ المصالح المشتركة.

تطوّرت العلاقة من التعاون في السياسة إلى التعاون في مجالات الزراعة والتقنيات الحديثة وإدارة الموارد المائية، والبنية التحتية، والاستثمارات الاقتصادية والتجارية، لتتوّج باستيراد النفط الإيراني من قبل إسرائيل، مما ساعدها على ضمان استمرارية اقتصادها بشكل حيوي، كما شكّل خط أنابيب إيلات – عسقلان نموذجًا لتعاونهما المهم في مجال تأمين عناصر الطاقة.

في أواخر سبعينات القرن الماضي شهد هذا الانفتاح ضربة قاضية بعد الثورة الإسلامية العام 1979 وسقوط نظام الشاه ونفيه إلى الخارج وترسيخ حكم الخميني، من خلال ايديولوجيته الدينية المتمثلة بولاية الفقيه.

في صلب الاستراتيجية الجديدة، كان هناك الدعم المطلق للقضية الفلسطينية ومشروع تصدير الثورة الإسلامية، ما شكّل نقطة تحوّل في السياسة الخارجية الإيرانية والتي أثرت بشكل دراماتيكي على العالم العربي أجمع.

هكذا انقطعت كل العلاقات السياسية والاقتصادية بين إيران وإسرائيل، لتتحول العلاقة إلى عداء كامل مع اعتبار تل أبيب أن طهران هي عدو استراتيجي يهدّد أمنها القومي ووجودها على حد سواء. أخذ هذا العداء يتنامى أكثر فأكثر، مع مرور السنين، وخاصة مع جهود النظام الإيراني المتصاعدة لتطوير برنامجه النووي والتمدّد في المنطقة عبر أذرعه العسكرية، ودعم ما أسمته إيران “حركات المقاومة” مثل “حماس” في فلسطين و”حزب الله” في لبنان و”جماعة الحوثي” في اليمن، إضافة إلى السعي لنشر فكر الخميني ومبادئ الثورة الإسلامية في الدول العربية.

تميزت العلاقة بين إيران وإسرائيل بعدم الثبات، حتى أنها تحوّلت إلى قطيعة وعداء بعد العام 1979. فبين النظامين، تفضل إسرائيل حكم الشاه بنهجه وتوجهاته، خصوصًا أنها خاضت معه تجربة تعتبرها ناجحة وثابتة نوعًا ما وترتكز على المصالح المشتركة واستراتيجية تعاون على أصعدة عدة، فكانت إيران شريك إسرائيل الاقليمي غير العربي. رفضت إسرائيل حكم الخميني وفكره وثورته التي اعتبرت أنها تهدد كيانها ووجودها. هذه العلاقة المتبدلة بحسب هوية النظام هي قابلة للتغيير حكمًا ويمكن إعادة ترميمها من جديد.

في الوقت الراهن، لدى إسرائيل مصلحة كبرى في سقوط النظام الحالي الدكتاتوري واستبداله بسلطة تميل إلى الغرب كما في زمن الشاه. إذا حصل هذا التغيير سيؤثر أيضًا على الشرق الأوسط وعلى التحالفات الإقليمية والعلاقات مع الدول العربية، بحيث لن يكون هناك امتداد إقليمي لإيران بغياب أذرعها المرتبطة بالحرس الثوري كما في زمن حكم الملالي.

سواء في المنطقة أو في لبنان، سينعكس الوضع الجديد على الداخل اللبناني مباشرة بحيث لن يعود هناك غطاء لـ “حزب الله” الذي كان يتباهى بأن تمويله المالي والعسكري هو من إيران، وحينها يمكن أن تكون إسرائيل اللاعب الابرز في تحديد سياسة الشرق الاوسط إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، وهي سياسة ستتوّج حكمًا بتحالفات دولية وإقليمية جديدة.

في ظل ما يحدث حاليًا في إيران من ثورة وانتفاضة وقمع وقتل لمعارضي النظام الحالي، وفي ظل الضغط الدولي، لا بد لليل ايران الطويل أن ينجلي، فتبزغ شمس الحرية من جديد ويعود الشعب الإيراني لينعم بالاستقرار والتعددية السياسية والإنفتاح الاقتصادي والاجتماعي، فتعود إيران لتكون على الخريطة الدولية ضمن الدول الداعمة للحرية والديمقراطية وليس المؤيدة لسياسة القتل والقمع والحروب بالوكالة.

الشعب الإيراني كما شعوب منطقتنا، يستحق الكثير من الديمقراطية والإزدهار والسلام. لقد آن أوان التغيير الكبير.

إيران وإسرائيل… رحلة من المصالح المشتركة إلى الصراع المفتوح

الكاتب: د. سعاد الرامي | المصدر: نداء الوطن
20 كانون الثاني 2026

بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتهديده بضرب إيران وإسقاط النظام، في حال قتل المحتجين الذين يتظاهرون في الشوارع بالآلاف لإسقاط حكم الملالي، تعود العلاقة بين إسرائيل وإيران إلى الواجهة مجددًا وخاصة بعد، ارتفاع حدّة التوتر بين البلدين في الفترة الأخيرة لا سيما بعد أحداث 7 اوكتوبر والحديث عن استهداف “رأس الأفعى” في إيران.

بالعودة إلى تاريخ العلاقة بينهما، نجد أنها شهدت في عهد الشاه محمد رضا بهلوي (1941–1979) تعاونًا على الأصعدة كافة تقريبًا، لكنها تحولت بعد الثورة الإسلامية عام 1979 وما زالت إلى علاقة تتحكم بها ايديولوجية دينية وعداء كبير لإسرائيل والصهيونية.

تطرح التطورات والتحولات الأخيرة أسئلة عدة منها: كيف كانت العلاقة بين البلدين ولماذا تغيرت وما هي الأسباب؟ وفي حال سقوط النظام الحالي، هل يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه خلال فترة حكم الشاه؟

اتّبعت إيران في عهد الشاه سياسة خارجية متناغمة مع التوجهات الغربية لاسيما استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط. وكانت إسرائيل ترى في إيران شريكًا مهمًا واستراتيجيًا لمواجهة سياسة جمال عبد الناصر والمد الأيديولوجي “العروبي” وتمدد نفوذ الاتحاد السوفياتي. فنشأت بينهما علاقة استراتجية ولوغير معلنة.

ففي عام 1950 اعترفت إيران بإسرائيل اعترافًا كاملًا من دون أن تربطهما أي علاقة دبلوماسية رسمية معلنة، مراعاة للدول العربية الإسلامية، لتنكسر بذلك العزلة المفروضة على إسرائيل جغرافيًا سياسيًا واقتصاديًا. كما توسع التعاون بينهما ليطال المجالات الأمنية والعسكرية والتدريب وتبادل الخبرات والمعلومات بين أجهزة المخابرات وزيادة القدرة الدفاعية للبلدين، ليؤكد ذلك أن العلاقة السياسية لم تكن سطحية بل عملية واستراتيجية، بهدف إنجاح وترسيخ المصالح المشتركة.

تطوّرت العلاقة من التعاون في السياسة إلى التعاون في مجالات الزراعة والتقنيات الحديثة وإدارة الموارد المائية، والبنية التحتية، والاستثمارات الاقتصادية والتجارية، لتتوّج باستيراد النفط الإيراني من قبل إسرائيل، مما ساعدها على ضمان استمرارية اقتصادها بشكل حيوي، كما شكّل خط أنابيب إيلات – عسقلان نموذجًا لتعاونهما المهم في مجال تأمين عناصر الطاقة.

في أواخر سبعينات القرن الماضي شهد هذا الانفتاح ضربة قاضية بعد الثورة الإسلامية العام 1979 وسقوط نظام الشاه ونفيه إلى الخارج وترسيخ حكم الخميني، من خلال ايديولوجيته الدينية المتمثلة بولاية الفقيه.

في صلب الاستراتيجية الجديدة، كان هناك الدعم المطلق للقضية الفلسطينية ومشروع تصدير الثورة الإسلامية، ما شكّل نقطة تحوّل في السياسة الخارجية الإيرانية والتي أثرت بشكل دراماتيكي على العالم العربي أجمع.

هكذا انقطعت كل العلاقات السياسية والاقتصادية بين إيران وإسرائيل، لتتحول العلاقة إلى عداء كامل مع اعتبار تل أبيب أن طهران هي عدو استراتيجي يهدّد أمنها القومي ووجودها على حد سواء. أخذ هذا العداء يتنامى أكثر فأكثر، مع مرور السنين، وخاصة مع جهود النظام الإيراني المتصاعدة لتطوير برنامجه النووي والتمدّد في المنطقة عبر أذرعه العسكرية، ودعم ما أسمته إيران “حركات المقاومة” مثل “حماس” في فلسطين و”حزب الله” في لبنان و”جماعة الحوثي” في اليمن، إضافة إلى السعي لنشر فكر الخميني ومبادئ الثورة الإسلامية في الدول العربية.

تميزت العلاقة بين إيران وإسرائيل بعدم الثبات، حتى أنها تحوّلت إلى قطيعة وعداء بعد العام 1979. فبين النظامين، تفضل إسرائيل حكم الشاه بنهجه وتوجهاته، خصوصًا أنها خاضت معه تجربة تعتبرها ناجحة وثابتة نوعًا ما وترتكز على المصالح المشتركة واستراتيجية تعاون على أصعدة عدة، فكانت إيران شريك إسرائيل الاقليمي غير العربي. رفضت إسرائيل حكم الخميني وفكره وثورته التي اعتبرت أنها تهدد كيانها ووجودها. هذه العلاقة المتبدلة بحسب هوية النظام هي قابلة للتغيير حكمًا ويمكن إعادة ترميمها من جديد.

في الوقت الراهن، لدى إسرائيل مصلحة كبرى في سقوط النظام الحالي الدكتاتوري واستبداله بسلطة تميل إلى الغرب كما في زمن الشاه. إذا حصل هذا التغيير سيؤثر أيضًا على الشرق الأوسط وعلى التحالفات الإقليمية والعلاقات مع الدول العربية، بحيث لن يكون هناك امتداد إقليمي لإيران بغياب أذرعها المرتبطة بالحرس الثوري كما في زمن حكم الملالي.

سواء في المنطقة أو في لبنان، سينعكس الوضع الجديد على الداخل اللبناني مباشرة بحيث لن يعود هناك غطاء لـ “حزب الله” الذي كان يتباهى بأن تمويله المالي والعسكري هو من إيران، وحينها يمكن أن تكون إسرائيل اللاعب الابرز في تحديد سياسة الشرق الاوسط إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، وهي سياسة ستتوّج حكمًا بتحالفات دولية وإقليمية جديدة.

في ظل ما يحدث حاليًا في إيران من ثورة وانتفاضة وقمع وقتل لمعارضي النظام الحالي، وفي ظل الضغط الدولي، لا بد لليل ايران الطويل أن ينجلي، فتبزغ شمس الحرية من جديد ويعود الشعب الإيراني لينعم بالاستقرار والتعددية السياسية والإنفتاح الاقتصادي والاجتماعي، فتعود إيران لتكون على الخريطة الدولية ضمن الدول الداعمة للحرية والديمقراطية وليس المؤيدة لسياسة القتل والقمع والحروب بالوكالة.

الشعب الإيراني كما شعوب منطقتنا، يستحق الكثير من الديمقراطية والإزدهار والسلام. لقد آن أوان التغيير الكبير.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار