“بُشرى” الـ2026: زيادة تعرفة الاستشفاء 15%

الكاتب: باتريسيا جلاد | المصدر: نداء الوطن
24 كانون الثاني 2026

أطلّت المستشفيات مع بداية العام 2026 على غرار العام السابق، وفي جعبتها مطلب زيادة تسعيرة الفواتير الاستشفائية المتعاقد عليها مع شركات التأمين بنسبة 15 %. وكما في كلّ مرّة يستتبع هذا المطلب إشكالية بين الفريقين، وسط احتدام وجهات النظر بين الطرفين،علمت “نداء الوطن” أن اجتماعًا سيُعقد الأربعاء المقبل بين جمعية شركات الضمان ونقابة أصحاب المستشفيات، في محاولة للتوصّل الى اتفاق.

يبدو أن جمعية شركات الضمان في لبنان، ونقابة أصحاب المستشفيات، يتمسّك كل منهما في قراره ولن يتراجع عنه. نقابة المستشفيات تعتبر أن لا مناص من زيادة التعرفة الاستشفائية التي تترتب على شركات التأمين بسبب تفاقم كلفة الاستشفاء، والتزامًا بالزيادة التدريجية المتفق عليها إلى حين التوصل إلى نسبة 100 % من التعرفة المعمول بها قبل أزمة 2019، في حين أن شركات التأمين تعتبر أن تسعيرة المستشفيات وصلت إلى ما كانت عليه في العام 2019 وأيّ زيادة على البوالص الاستشفائية ستنعكس على المؤمّنين الذين سيكونون الضحيّة.

قبل الغوص في تفاصيل الاجتماع مع الجهات المعنية لا بدّ من العودة إلى الأعوام السابقة والتذكير بأنه بُعيد اندلاع الأزمة المالية، انهارت العملة الوطنية فتوقفت الجهات الضامنة عن التغطية الاستشفائية بنسبة 80 و 90 %، أما شركات التأمين فباتت تتقاضى جزءًا من أقساط البوليصة التأمينية بالدولار النقدي حتى أنها باتت تحصر التغطية التأمينية بنسبة 100 % بمن يسدّد بوليصته بالدولار النقدي وليس باللولار أو الليرة الوطنية.

تزامنًا، وتحديدًا في العامين 2021-2022 في خضمّ الأزمة، اتفقت نقابة أصحاب المستشفيات مع شركات التأمين على تسديد نسبة 50 % من تعرفة العام 2019  نقدًا بالدولار الـ “فريش”على أن ترتفع سنويًا إلى 55 % ثم 65 % ثم 70 % نسبة الزيادة لتصل التعرفة في نهاية العام 2024 إلى نسبة 100 %، أي إلى ما كانت عليه  التسعيرة في العام 2019 . إلا أن شركات التأمين لم تستجب العام الماضي لإضافة نسبة 15 %، وبالتالي فإن قيمة التسعيرة التعاقدية بين المستشفيات وشركات التأمين كما أوضح نقيب أصحاب المستشفيات الطبيب بيار يارد لـ “نداء الوطن” لا تزال عند 70 % من التعرفات المعتمدة في العام 2019 للفواتير التي تغطى داخل المستشفى و50 % من تعرفة الـ 2019 للصور والفحوصات الخارجية التي تحصل خارج المستشفى، في حين أن شركات التأمين عادت في تسعيرة أقساط التأمين إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة المالية”.

أضاف: “يأتي ذلك في وقت ارتفعت فيه التكلفة الإستشفائية، سيما تكلفة الكهرباء والفيول، وتضخمت أسعار المستلزمات الطبّية عمّا كانت عليه منذ 6 سنوات، عدا عن عودة رواتب الأجراء في المستشفيات إلى ما كانت عليه في 2019 وحتى أكثر، من هنا في ظلّ التضخم الحاصل خلال السنوات الست الماضية، فإن زيادة التعرفات يجب أن تتراوح بين 20 و 30 %”.

خصوصية المستشفيات الجامعية

حول تقاضي المستشفيات الجامعية فواتير كبيرة ومضخمة من شركات التأمين، قال يارد : “إن تكاليف المستشفيات الجامعية تفوق تلك التي تتكبدها المستشفيات الصغيرة فهي مستشفيات تعليمية تستقبل الطلاب… عدا طبعًا عن استحداثها أحدث التقنيات الطبية وهي مكلفة… ولدى شركات التأمين مراقبون ممثلون لشركات التأمين داخل كل المستشفيات والذين يتابعون ملفات كل المرضى المؤمنين لديهم ولهم الصلاحية برفض فحوصات مطلوبة من الأطباء”.

في ظلّ هذا الواقع يرى يارد أن المطلوب ليس فرض زيادة بنسبة 15 % لكل المستشفيات وإنما يمكن زيادة نسبة 10 أو 12 %، على سبيل المثال، للمستشفيات الجامعية”.

بالنسبة ليارد، المسألة الأهمّ تكمن في الجلوس إلى طاولة واحدة والتوافق على ضرورة زيادة التعرفة المعتمدة بين المستشفيات وشركات التأمين، ويمكن أن تكون تدريجية وليست دفعة واحدة”.

وهنا يُطرح السؤال التالي: بين حماية المواطن ومصالح المستشفيات: أين الخلل في معادلة التأمين؟

لجنة مراقبة هيئات الضمان

يكشف موقف لجنة مراقبة هيئات الضمان التابعة لوزارة الاقتصاد عن مقاربة مختلفة للنزاع القائم بين المستشفيات وشركات التأمين، مقاربة لا تنطلق من منطق الصراع القطاعي، بل من زاوية التأثير المباشر على المواطن. فرفض نسبة الـ 15 % لا يبدو قرارًا تقنيًا أو إداريًا فحسب، بل يحمل بُعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا واضحًا، في ظل واقع معيشي ضاغط لم يعد يحتمل أي زيادات إضافية على أقساط التأمين الصحي.

ما يلفت في موقف اللجنة، كما عبّر عنه رئيسها نديم حدّاد لـ”نداء الوطن”، أنه “لا يضع جميع المستشفيات في سلّة واحدة، بل يميّز بين نموذجين مختلفين في الواقع الاستشفائي اللبناني. من جهة، هناك المستشفيات الجامعية الكبرى التي باتت تسعيرتها – وفق المعطيات – مرتفعة إلى حدّ المبالغة، بحيث تتجاوز تسعيرة غيرها من المستشفيات بنسبة تصل إلى 40 %، ما يجعل العلاقة مع شركات التأمين غير متوازنة، ويحوّل المواطن إلى الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن عبر ارتفاع الأقساط وتراجع القدرة على الوصول إلى التغطية الصحية.

الأخطر في هذا السياق هو بلوغ مؤشر الـ loss ratio مستويات “الخطر”، ما يعني عمليًا أن جزءًا كبيرًا من أقساط المؤمنين يُستهلك في التعويضات، من دون هامش استقرار مالي حقيقي لشركات التأمين، وهو مسار إذا استمر، قد يهدّد استدامة القطاع ككل، لا مجرد توازناته الآنية”.

فضلًا عن ذلك، يعتبر حدّاد أنه “لا يمكن فصل هذا النقاش عن التدهور البنيوي الذي أصاب قطاع التأمين نفسه. فقد تراجعت ربحية هذا القطاع من نحو 1.4 مليار دولار قبل الأزمة المالية في عام 2019 إلى حوالى 900 مليون دولار حاليًا، بالتوازي مع انخفاض عدد المؤمنين من قرابة 900 ألف مؤمَّن إلى نحو 400 ألف فقط. هذا الانكماش لا يعكس أزمة أرقام فحسب، بل يكشف خللًا عميقًا في التوازن بين كلفة الخدمات الصحية، وتسعير الاستشفاء، وقدرة المواطن على تحمّل الأقساط، ما يجعل أي زيادة عشوائية في العقود الاستشفائية خطوة خطرة تهدّد ما تبقى من استقرار في هذا القطاع الحيوي”.

في المقابل، يختصر حداد موقف لجنة الرقابة، بالقول إن المطلوب “قراءة أكثر عدالة للواقع في المناطق الطرفية، إذ تعاني المستشفيات الصغيرة وغير الجامعية من تسعيرات مجحفة في عقودها مع شركات التأمين، ما يضعف قدرتها على الاستمرار والتطوير وتقديم خدمات لائقة للمواطنين في الأرياف والمناطق البعيدة. وهنا، تصبح إعادة النظر في تسعير هذه العقود مطلبًا مشروعًا، لا عبئًا إضافيًا، بل خطوة تصحيحية في اتجاه العدالة الصحية.

الرسالة الضمنية في هذا الموقف واضحة: الأزمة ليست في “مبدأ الزيادة” في حدّ ذاته، بل في غياب العدالة في توزيعها. أي زيادات عشوائية وشاملة تعمّق الخلل بدل معالجته، فيما المقاربة التفاضلية – التي تميّز بين مستشفى وآخر وفق معايير واقعية – تشكّل مدخلًا عقلانيًا لإصلاح القطاع”.

هكذا، يتحوّل النقاش من صراع مصالح بين قطاعات، إلى سؤال أكبر: كيف يمكن بناء نظام صحي متوازن، لا يُرهق المواطن، ولا ينهار فيه التأمين، ولا تُظلم فيه المستشفيات أو أي طرف آخر في المعادلة، وعلى رأسها المواطن؟ الجواب لا يكون بنسب مئوية عامة، بل بسياسات ذكية، عادلة، وتفاضلية، تعالج الخلل بدل أن تعيد إنتاجه.

المطالبات السابقة

وهنا لا بدّ من التذكير بأنه في نهاية العام 2024 طالبت نقابة المستشفيات في لبنان جمعية شركات الضمان في لبنان بزيادة بنسبة 15 % في العام 2025 على التعرفات التي تسدّدها شركات التأمين للمستشفيات وذلك بسبب زيادة الشركات الأقساط في العام 2024 ولأن التعرفات المتعاقد عليها ما زالت دون الأسعار التي كان معمولاً بها عام 2019 ، إلا أن شركات التأمين لم ترض بتلك الزيادة ووافقت على نسبة تتراوح بين 2 و4 % .

والنسبة نفسها أي 15 % طالب بها أصحاب المستشفيات شركات التأمين في العام 2026، ما طرح مجدّدًا إشكالية تداعيات تلك الزيادة، إذ بدورها سترفع شركات التأمين أقساط البوالص الصحية على المؤمنين لديها، علمًا أن أقساط التأمين زادت لتصل إلى ما كانت عليه في العام 2019 ولا يحتمل المواطنون المزيد من الارتفاع .

في حال أصرّت شركات التأمين على رفضها يوم الأربعاء المقبل زيادة تعرفة الـ 15 %، فإن المسشتفيات لن تتراجع بدورها عن مطلبها، بل ستحاول الضغط والتفاوض والاقتراح بأن تكون الزيادة تدريجية كما أوضح يارد كأن تكون 7 أو 8 % في الأشهر الستة الأولى من السنة وأن تفرض النسبة المتبقية في النصف الثاني من السنة. وفي حال الإصرار على عدم القبول بأي تصحيح للتسعيرة، ستعقد نقابة المستشفيات جمعية عمومية لتحديد موقفها، وبالتالي سيكون الفريقان أمام مواجهة حقيقية، في حين أن المواطن، المعني الأول في هذه المواجهة، ينتظر مصير ضمانه الصحي، بلا حول ولا قوة.

“بُشرى” الـ2026: زيادة تعرفة الاستشفاء 15%

الكاتب: باتريسيا جلاد | المصدر: نداء الوطن
24 كانون الثاني 2026

أطلّت المستشفيات مع بداية العام 2026 على غرار العام السابق، وفي جعبتها مطلب زيادة تسعيرة الفواتير الاستشفائية المتعاقد عليها مع شركات التأمين بنسبة 15 %. وكما في كلّ مرّة يستتبع هذا المطلب إشكالية بين الفريقين، وسط احتدام وجهات النظر بين الطرفين،علمت “نداء الوطن” أن اجتماعًا سيُعقد الأربعاء المقبل بين جمعية شركات الضمان ونقابة أصحاب المستشفيات، في محاولة للتوصّل الى اتفاق.

يبدو أن جمعية شركات الضمان في لبنان، ونقابة أصحاب المستشفيات، يتمسّك كل منهما في قراره ولن يتراجع عنه. نقابة المستشفيات تعتبر أن لا مناص من زيادة التعرفة الاستشفائية التي تترتب على شركات التأمين بسبب تفاقم كلفة الاستشفاء، والتزامًا بالزيادة التدريجية المتفق عليها إلى حين التوصل إلى نسبة 100 % من التعرفة المعمول بها قبل أزمة 2019، في حين أن شركات التأمين تعتبر أن تسعيرة المستشفيات وصلت إلى ما كانت عليه في العام 2019 وأيّ زيادة على البوالص الاستشفائية ستنعكس على المؤمّنين الذين سيكونون الضحيّة.

قبل الغوص في تفاصيل الاجتماع مع الجهات المعنية لا بدّ من العودة إلى الأعوام السابقة والتذكير بأنه بُعيد اندلاع الأزمة المالية، انهارت العملة الوطنية فتوقفت الجهات الضامنة عن التغطية الاستشفائية بنسبة 80 و 90 %، أما شركات التأمين فباتت تتقاضى جزءًا من أقساط البوليصة التأمينية بالدولار النقدي حتى أنها باتت تحصر التغطية التأمينية بنسبة 100 % بمن يسدّد بوليصته بالدولار النقدي وليس باللولار أو الليرة الوطنية.

تزامنًا، وتحديدًا في العامين 2021-2022 في خضمّ الأزمة، اتفقت نقابة أصحاب المستشفيات مع شركات التأمين على تسديد نسبة 50 % من تعرفة العام 2019  نقدًا بالدولار الـ “فريش”على أن ترتفع سنويًا إلى 55 % ثم 65 % ثم 70 % نسبة الزيادة لتصل التعرفة في نهاية العام 2024 إلى نسبة 100 %، أي إلى ما كانت عليه  التسعيرة في العام 2019 . إلا أن شركات التأمين لم تستجب العام الماضي لإضافة نسبة 15 %، وبالتالي فإن قيمة التسعيرة التعاقدية بين المستشفيات وشركات التأمين كما أوضح نقيب أصحاب المستشفيات الطبيب بيار يارد لـ “نداء الوطن” لا تزال عند 70 % من التعرفات المعتمدة في العام 2019 للفواتير التي تغطى داخل المستشفى و50 % من تعرفة الـ 2019 للصور والفحوصات الخارجية التي تحصل خارج المستشفى، في حين أن شركات التأمين عادت في تسعيرة أقساط التأمين إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة المالية”.

أضاف: “يأتي ذلك في وقت ارتفعت فيه التكلفة الإستشفائية، سيما تكلفة الكهرباء والفيول، وتضخمت أسعار المستلزمات الطبّية عمّا كانت عليه منذ 6 سنوات، عدا عن عودة رواتب الأجراء في المستشفيات إلى ما كانت عليه في 2019 وحتى أكثر، من هنا في ظلّ التضخم الحاصل خلال السنوات الست الماضية، فإن زيادة التعرفات يجب أن تتراوح بين 20 و 30 %”.

خصوصية المستشفيات الجامعية

حول تقاضي المستشفيات الجامعية فواتير كبيرة ومضخمة من شركات التأمين، قال يارد : “إن تكاليف المستشفيات الجامعية تفوق تلك التي تتكبدها المستشفيات الصغيرة فهي مستشفيات تعليمية تستقبل الطلاب… عدا طبعًا عن استحداثها أحدث التقنيات الطبية وهي مكلفة… ولدى شركات التأمين مراقبون ممثلون لشركات التأمين داخل كل المستشفيات والذين يتابعون ملفات كل المرضى المؤمنين لديهم ولهم الصلاحية برفض فحوصات مطلوبة من الأطباء”.

في ظلّ هذا الواقع يرى يارد أن المطلوب ليس فرض زيادة بنسبة 15 % لكل المستشفيات وإنما يمكن زيادة نسبة 10 أو 12 %، على سبيل المثال، للمستشفيات الجامعية”.

بالنسبة ليارد، المسألة الأهمّ تكمن في الجلوس إلى طاولة واحدة والتوافق على ضرورة زيادة التعرفة المعتمدة بين المستشفيات وشركات التأمين، ويمكن أن تكون تدريجية وليست دفعة واحدة”.

وهنا يُطرح السؤال التالي: بين حماية المواطن ومصالح المستشفيات: أين الخلل في معادلة التأمين؟

لجنة مراقبة هيئات الضمان

يكشف موقف لجنة مراقبة هيئات الضمان التابعة لوزارة الاقتصاد عن مقاربة مختلفة للنزاع القائم بين المستشفيات وشركات التأمين، مقاربة لا تنطلق من منطق الصراع القطاعي، بل من زاوية التأثير المباشر على المواطن. فرفض نسبة الـ 15 % لا يبدو قرارًا تقنيًا أو إداريًا فحسب، بل يحمل بُعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا واضحًا، في ظل واقع معيشي ضاغط لم يعد يحتمل أي زيادات إضافية على أقساط التأمين الصحي.

ما يلفت في موقف اللجنة، كما عبّر عنه رئيسها نديم حدّاد لـ”نداء الوطن”، أنه “لا يضع جميع المستشفيات في سلّة واحدة، بل يميّز بين نموذجين مختلفين في الواقع الاستشفائي اللبناني. من جهة، هناك المستشفيات الجامعية الكبرى التي باتت تسعيرتها – وفق المعطيات – مرتفعة إلى حدّ المبالغة، بحيث تتجاوز تسعيرة غيرها من المستشفيات بنسبة تصل إلى 40 %، ما يجعل العلاقة مع شركات التأمين غير متوازنة، ويحوّل المواطن إلى الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن عبر ارتفاع الأقساط وتراجع القدرة على الوصول إلى التغطية الصحية.

الأخطر في هذا السياق هو بلوغ مؤشر الـ loss ratio مستويات “الخطر”، ما يعني عمليًا أن جزءًا كبيرًا من أقساط المؤمنين يُستهلك في التعويضات، من دون هامش استقرار مالي حقيقي لشركات التأمين، وهو مسار إذا استمر، قد يهدّد استدامة القطاع ككل، لا مجرد توازناته الآنية”.

فضلًا عن ذلك، يعتبر حدّاد أنه “لا يمكن فصل هذا النقاش عن التدهور البنيوي الذي أصاب قطاع التأمين نفسه. فقد تراجعت ربحية هذا القطاع من نحو 1.4 مليار دولار قبل الأزمة المالية في عام 2019 إلى حوالى 900 مليون دولار حاليًا، بالتوازي مع انخفاض عدد المؤمنين من قرابة 900 ألف مؤمَّن إلى نحو 400 ألف فقط. هذا الانكماش لا يعكس أزمة أرقام فحسب، بل يكشف خللًا عميقًا في التوازن بين كلفة الخدمات الصحية، وتسعير الاستشفاء، وقدرة المواطن على تحمّل الأقساط، ما يجعل أي زيادة عشوائية في العقود الاستشفائية خطوة خطرة تهدّد ما تبقى من استقرار في هذا القطاع الحيوي”.

في المقابل، يختصر حداد موقف لجنة الرقابة، بالقول إن المطلوب “قراءة أكثر عدالة للواقع في المناطق الطرفية، إذ تعاني المستشفيات الصغيرة وغير الجامعية من تسعيرات مجحفة في عقودها مع شركات التأمين، ما يضعف قدرتها على الاستمرار والتطوير وتقديم خدمات لائقة للمواطنين في الأرياف والمناطق البعيدة. وهنا، تصبح إعادة النظر في تسعير هذه العقود مطلبًا مشروعًا، لا عبئًا إضافيًا، بل خطوة تصحيحية في اتجاه العدالة الصحية.

الرسالة الضمنية في هذا الموقف واضحة: الأزمة ليست في “مبدأ الزيادة” في حدّ ذاته، بل في غياب العدالة في توزيعها. أي زيادات عشوائية وشاملة تعمّق الخلل بدل معالجته، فيما المقاربة التفاضلية – التي تميّز بين مستشفى وآخر وفق معايير واقعية – تشكّل مدخلًا عقلانيًا لإصلاح القطاع”.

هكذا، يتحوّل النقاش من صراع مصالح بين قطاعات، إلى سؤال أكبر: كيف يمكن بناء نظام صحي متوازن، لا يُرهق المواطن، ولا ينهار فيه التأمين، ولا تُظلم فيه المستشفيات أو أي طرف آخر في المعادلة، وعلى رأسها المواطن؟ الجواب لا يكون بنسب مئوية عامة، بل بسياسات ذكية، عادلة، وتفاضلية، تعالج الخلل بدل أن تعيد إنتاجه.

المطالبات السابقة

وهنا لا بدّ من التذكير بأنه في نهاية العام 2024 طالبت نقابة المستشفيات في لبنان جمعية شركات الضمان في لبنان بزيادة بنسبة 15 % في العام 2025 على التعرفات التي تسدّدها شركات التأمين للمستشفيات وذلك بسبب زيادة الشركات الأقساط في العام 2024 ولأن التعرفات المتعاقد عليها ما زالت دون الأسعار التي كان معمولاً بها عام 2019 ، إلا أن شركات التأمين لم ترض بتلك الزيادة ووافقت على نسبة تتراوح بين 2 و4 % .

والنسبة نفسها أي 15 % طالب بها أصحاب المستشفيات شركات التأمين في العام 2026، ما طرح مجدّدًا إشكالية تداعيات تلك الزيادة، إذ بدورها سترفع شركات التأمين أقساط البوالص الصحية على المؤمنين لديها، علمًا أن أقساط التأمين زادت لتصل إلى ما كانت عليه في العام 2019 ولا يحتمل المواطنون المزيد من الارتفاع .

في حال أصرّت شركات التأمين على رفضها يوم الأربعاء المقبل زيادة تعرفة الـ 15 %، فإن المسشتفيات لن تتراجع بدورها عن مطلبها، بل ستحاول الضغط والتفاوض والاقتراح بأن تكون الزيادة تدريجية كما أوضح يارد كأن تكون 7 أو 8 % في الأشهر الستة الأولى من السنة وأن تفرض النسبة المتبقية في النصف الثاني من السنة. وفي حال الإصرار على عدم القبول بأي تصحيح للتسعيرة، ستعقد نقابة المستشفيات جمعية عمومية لتحديد موقفها، وبالتالي سيكون الفريقان أمام مواجهة حقيقية، في حين أن المواطن، المعني الأول في هذه المواجهة، ينتظر مصير ضمانه الصحي، بلا حول ولا قوة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار