أوهام ما بين النهرين

تابعتُ بدقة ذلك المشهد الاحترافي الذي أدّاه وزير الإعلام بول مرقص وهو يجيب على الأسئلة عقب جلسة الحكومة. كان أداءً ينمّ عن مهارة فائقة في “هندسة الكلام”، حيث تُنحت المفردات بدقة مجهرية بعد تلاوة بيانٍ مُدبّج بعناية، وكأن الغاية هي الاستعراض اللغوي لا التوضيح السياسي. لكن هذا الاحتراف لم يكن في جوهره سوى ستارٍ كثيف يخفي في طياته الحقيقة المُرّة: غياب القرار الواضح، أو بعبارة أدق، التهرب الممنهج من الإجابة على السؤال المركزي الذي يتردد في أذهان اللبنانيين: هل استسلمت الدولة كليًا للأمر الواقع الذي فرضه “حزب الله”، واختارت الجلوس في قاعة الانتظار ترقبًا لعاصفة قد تقتلع الجميع؟
اليوم، تبدو الجغرافيا اللبنانية في عين العاصفة، ولم يعد هناك فرق جوهري أو عسكري بين “جنوب الليطاني” وما بين “الليطاني والأولي”. فالمساحات التي كانت تُصنف ضمن توازنات دولية وقرارات أممية، باتت مجرد مسرح لعمليات مكشوفة وقواعد اشتباك محطمة. إسرائيل، من جهتها، لا تتوقف عن بث الأفلام المصورة التي توثق مواقع وتحصينات جنوب النهر، وهي من خلال هذا الضخ الإعلامي والميداني، لا تكتفي بالتهديد، بل تقصف فعليًا ما “بين النهرين” وصولًا إلى عمق البقاع، مع مؤشرات توحي بأن دائرة النار لن تستثني الضاحية أو أي نقطة أخرى، طالما أن الدولة اللبنانية الرسمية لا تزال تراقب المشهد من بعيد.
في المقابل، تقف الدولة على “رصيف الانتظار”، تمارس دور المراقب السلبي الذي يكتفي بإحصاء الضربات وتنميق البيانات الوزارية. إن هذا الانكفاء الرسمي ليس مجرد عجز تقني أو لوجستي، بل هو تنازل سيادي طوعي لصالح “دولة الظل”. فبينما تشتعل الجبهات وتتغير خرائط النفوذ والسيطرة تحت وطأة القصف الممنهج، تكتفي السلطة بمناورات لفظية تهدف إلى شراء الوقت وتبريد الرؤوس، دون امتلاك جرأة المصارحة حول هوية الطرف الذي يقبض فعليًا على صاعق الحرب والسلم.
إن عبارة “ما بين النهرين” لم تعد تشير في قاموسنا إلى حضارة غابرة، بل باتت تصف اليوم واقعًا لبنانيًا تائهًا بين ضفتي العجز والارتهان. إن الاستمرار في سياسة “البيانات المدبجة” التي يتقنها مرقص وغيره لن يحمي الجنوب ولا البقاع ولا الضاحية، طالما أن الدولة ترفض الخروج من قوقعة الانتظار لتأخذ مكانها الطبيعي كصاحبة القرار الوحيد. نحن أمام مشهد سريالي: إسرائيل تصوّر وتقصف، وقوى أمر واقع تدير الميدان، ودولة “محترفة” في صياغة الجمل، لكنها غائبة تمامًا عن حماية الأرض من عاصفة توشك أن تهب على الجميع.
أوهام ما بين النهرين

تابعتُ بدقة ذلك المشهد الاحترافي الذي أدّاه وزير الإعلام بول مرقص وهو يجيب على الأسئلة عقب جلسة الحكومة. كان أداءً ينمّ عن مهارة فائقة في “هندسة الكلام”، حيث تُنحت المفردات بدقة مجهرية بعد تلاوة بيانٍ مُدبّج بعناية، وكأن الغاية هي الاستعراض اللغوي لا التوضيح السياسي. لكن هذا الاحتراف لم يكن في جوهره سوى ستارٍ كثيف يخفي في طياته الحقيقة المُرّة: غياب القرار الواضح، أو بعبارة أدق، التهرب الممنهج من الإجابة على السؤال المركزي الذي يتردد في أذهان اللبنانيين: هل استسلمت الدولة كليًا للأمر الواقع الذي فرضه “حزب الله”، واختارت الجلوس في قاعة الانتظار ترقبًا لعاصفة قد تقتلع الجميع؟
اليوم، تبدو الجغرافيا اللبنانية في عين العاصفة، ولم يعد هناك فرق جوهري أو عسكري بين “جنوب الليطاني” وما بين “الليطاني والأولي”. فالمساحات التي كانت تُصنف ضمن توازنات دولية وقرارات أممية، باتت مجرد مسرح لعمليات مكشوفة وقواعد اشتباك محطمة. إسرائيل، من جهتها، لا تتوقف عن بث الأفلام المصورة التي توثق مواقع وتحصينات جنوب النهر، وهي من خلال هذا الضخ الإعلامي والميداني، لا تكتفي بالتهديد، بل تقصف فعليًا ما “بين النهرين” وصولًا إلى عمق البقاع، مع مؤشرات توحي بأن دائرة النار لن تستثني الضاحية أو أي نقطة أخرى، طالما أن الدولة اللبنانية الرسمية لا تزال تراقب المشهد من بعيد.
في المقابل، تقف الدولة على “رصيف الانتظار”، تمارس دور المراقب السلبي الذي يكتفي بإحصاء الضربات وتنميق البيانات الوزارية. إن هذا الانكفاء الرسمي ليس مجرد عجز تقني أو لوجستي، بل هو تنازل سيادي طوعي لصالح “دولة الظل”. فبينما تشتعل الجبهات وتتغير خرائط النفوذ والسيطرة تحت وطأة القصف الممنهج، تكتفي السلطة بمناورات لفظية تهدف إلى شراء الوقت وتبريد الرؤوس، دون امتلاك جرأة المصارحة حول هوية الطرف الذي يقبض فعليًا على صاعق الحرب والسلم.
إن عبارة “ما بين النهرين” لم تعد تشير في قاموسنا إلى حضارة غابرة، بل باتت تصف اليوم واقعًا لبنانيًا تائهًا بين ضفتي العجز والارتهان. إن الاستمرار في سياسة “البيانات المدبجة” التي يتقنها مرقص وغيره لن يحمي الجنوب ولا البقاع ولا الضاحية، طالما أن الدولة ترفض الخروج من قوقعة الانتظار لتأخذ مكانها الطبيعي كصاحبة القرار الوحيد. نحن أمام مشهد سريالي: إسرائيل تصوّر وتقصف، وقوى أمر واقع تدير الميدان، ودولة “محترفة” في صياغة الجمل، لكنها غائبة تمامًا عن حماية الأرض من عاصفة توشك أن تهب على الجميع.










