إعادة الإعمار… “أفق مظلم” في القرى الحدودية

أكثر من سنتين على انهيار الأمن والأمان في الجنوب اللبناني. فمنذ 8 تشرين الأول 2023، يفتقد أهالي القرى الحدودية ترابهم وبيوتهم التي سوّاها العدوّ الإسرائيلي أرضاً. وبالرغم من تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام على أنّ الدولة حاضرة في الجنوب وتعمل على ثلاثة مسارات متكاملة للتخفيف من وطأة النزوح وتحضيراً لإعادة الإعمار، وذلك عبر “استمرار الإغاثة، إعادة الإعمار، توفير شروط التعافي والإنماء الاقتصادي والاجتماعي”، إلاّ أنّ “الأفق مظلم” بالنسبة للأهالي الذين ينظرون بإيجابية إلى الجولة التي قام بها سلام على القرى الحدودية بدءاً من مدينة صور وصولاً إلى بلدة رميش وعيترون مروراً ببلدات شمع، طيرحرفا، يارين ومدينة بنت جبيل.
وبالنسبة للأهالي، فإنّ الأمن وإعادة الإعمار هما الركيزتان الأساسيّتان. ولأنّ تحقيقهما لا يزال بعيداً، فالأفق يبقى مظلماً، لا سيّما أنّ لا شيء يعينهم على الانتظار في ظل غياب التعويضات المالية.
زيارة إيجابية
آتون من بيروت وصيدا وجوارها ومن مدينة صور، رافق أبناء القرى الحدودية رئيس الحكومة في موكب كبير، معبّرين بذلك عن نظرتهم الإيجابية للزيارة التي “تأخّرت قليلاً، لكنّها تأتي في مكانها الصحيح”، وفق ما يقوله أحد أبناء بلدة مروحين الذي يؤكّد لـِ “المدن” أنّ “الزيارة مطلوبة والترحيب بسلام كبير جداً في القرى الحدودية”. وعبَّرَ الجنوبيون عن ترحيبهم بوجود سلام بينهم، عبر نثر الورد والأرزّ في ساحة بلدة يارين المدمّرة بالكامل، حيث رفعت الأعلام اللبنانية تحت رقابة العدوّ المتمركز في موقع الجرداح وعلى مقربة من موقع بلاط في بلدة مروحين المجاورة. على أنّ “ما يكسر إيجابية الزيارة هو الضغط الدولي الذي يمنع إعادة الإعمار، فلا يبقى لنا سوى الوعود التي تتزايد منذ أكثر من عام، والمترافقة مع وعودٍ بدفع تعويضات ومساعدات وأموال تحت مختلف المسمّيات، ولا شيء يتحقّق منها. ولذلك، إذا كان لا بدّ من رسالة لتوجيهها إلى رئيس الحكومة والدولة عموماً، هي الإسراع في تأمين المساعدات للنازحين من القرى الحدودية، بالتوازي مع البحث في عملية إعادة الإعمار”.
بدلات الإيواء والأثاث
واكبت أميمة أبو دلّة من بلدة يارين، زيارة سلام، وتنقّلت بسيّارتها وترجّلت منها مراراً، علّها تصل إلى سلام فيسمع صرختها. لكن مسعاها لم يصل إلى نتيجة، فكان أملها بإيصال صوتها عبر “المدن”. تقول أبو دلّة أنّها كانت تنتظر زيارة المسؤولين السياسيين إلى القرى الحدودية، فكانت زيارة سلام بمثابة التفاتة جميلة. على أنّ “الوجع الأساسي الذي على رئيس الحكومة سماعه، هو حاجة أبناء القرى الحدودية للعودة السريعة إلى بيوتهم وأراضيهم، وإلى إعطائهم التعويضات اللازمة بدءاً من بدلات الإيواء والأثاث التي لم نحصل عليها منذ فترة الإسناد وخلال الحرب وصولاً إلى اليوم”. وتلفت أبو دلّة النظر إلى أنّ “الكثير من أبناء القرى الحدودية وغير الحدودية قبضوا مستحقات مالية تحت مختلف المسمّيات، فيما الكثير غيرهم لم يقبضوا شيئاً”. وتسألت عن مصير تلك الأموال وعمَّن قبضها؟.
وبالتوازي، يستغرب ابن بلدة مروحين، عطا غنّام، التمييز في دفع بدلات الإيواء. ويشرح في حديث لـِ “المدن”، أنّه “خلال فترة الإسناد والحرب، انتظر أبناء قرى يارين، الضهيرة، البستان، الزلوطية ومروحين، قبض بدل الإيواء، ليأتي الجواب بأنّ بعضهم لا يستحقّ ذلك، بحجّة أنّ لديه منزلاً يأويه خارج القرى الحدودية. لكن في هذا التبرير ظالم، لأنّنا وإن كان لدينا منزلاً آخر، إلاّ أنّ منزلنا في مروحين دُمِّر، وخسرنا الأثاث والكثير من الممتلكات داخله”. علماً أنّ “الكثير من أبناء القرى الأخرى، ممّن حالتهم مطابقة، قبضوا بدل إيواء وبدل أثاث، مع أنّهم يعيشون في منازل ضمن مناطق آمنة”.
متخطّياً البدلات، وَسَّعَ سلام دائرة الحديث، ليؤكّد لأبناء القرى الحدودية أنّ مشاريع “إعادة تأهيل الطرقات، مدّ شبكات المياه والاتصالات والكهرباء ودعم القطاع الزراعي، آتية”. ومذكّراً أنّ مشاريع إعادة الإعمار تنتظر “توفّر التمويل سواء من الموازنة العامة أو من خلال تأمين 250 مليون دولار كقروض ميسرة من البنك الدولي، إضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، وكذلك 35 مليون يورو منحة من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والدنمارك لدعم التعافي الاقتصادي”. وإلى حين بدء عملية إعادة الإعمار، يبقى أهل القرى الحدودية أبناء الدولة التي “لا تنظر إلى أبناء هذه المنطقة كأطراف، بل كأهلها وأبنائها”، وفق سلام الذي اعتبر أنّ “بسط سلطة الدولة لا يكتمل إلا بإعادة الإعمار وعودة الخدمات”.
تنقَّلَ سلام بين مختلف القرى الحدودية، مطلقاً وعده بـِ “زيارة ثانية إلى الجنوب لمتابعة تنفيذ المشاريع”، وينتظر أبناء الجنوب انتهاء محنتهم التي “عليها أن تمرّ عاجلاً أم آجلاً. فهذه ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها تهجيرنا من قرانا”، على حدّ تعبير غنّام الذي ذكَّر بأنّ “التهجير هذه المرّة كان الأصعب، خصوصاً أنّنا عدنا بعد التحرير في العام 2000 وزرعنا أرضنا وعمّرنا بيوتنا، ودفعنا ثمناً كبيراً في حرب تموز 2006، إلاّ أن خسارتنا في هذه الحرب هائلة في الممتلكات والبشر. واليوم نأتي إلى قرانا لنتذكّر ما كانت عليه، لا أكثر”.
إعادة الإعمار… “أفق مظلم” في القرى الحدودية

أكثر من سنتين على انهيار الأمن والأمان في الجنوب اللبناني. فمنذ 8 تشرين الأول 2023، يفتقد أهالي القرى الحدودية ترابهم وبيوتهم التي سوّاها العدوّ الإسرائيلي أرضاً. وبالرغم من تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام على أنّ الدولة حاضرة في الجنوب وتعمل على ثلاثة مسارات متكاملة للتخفيف من وطأة النزوح وتحضيراً لإعادة الإعمار، وذلك عبر “استمرار الإغاثة، إعادة الإعمار، توفير شروط التعافي والإنماء الاقتصادي والاجتماعي”، إلاّ أنّ “الأفق مظلم” بالنسبة للأهالي الذين ينظرون بإيجابية إلى الجولة التي قام بها سلام على القرى الحدودية بدءاً من مدينة صور وصولاً إلى بلدة رميش وعيترون مروراً ببلدات شمع، طيرحرفا، يارين ومدينة بنت جبيل.
وبالنسبة للأهالي، فإنّ الأمن وإعادة الإعمار هما الركيزتان الأساسيّتان. ولأنّ تحقيقهما لا يزال بعيداً، فالأفق يبقى مظلماً، لا سيّما أنّ لا شيء يعينهم على الانتظار في ظل غياب التعويضات المالية.
زيارة إيجابية
آتون من بيروت وصيدا وجوارها ومن مدينة صور، رافق أبناء القرى الحدودية رئيس الحكومة في موكب كبير، معبّرين بذلك عن نظرتهم الإيجابية للزيارة التي “تأخّرت قليلاً، لكنّها تأتي في مكانها الصحيح”، وفق ما يقوله أحد أبناء بلدة مروحين الذي يؤكّد لـِ “المدن” أنّ “الزيارة مطلوبة والترحيب بسلام كبير جداً في القرى الحدودية”. وعبَّرَ الجنوبيون عن ترحيبهم بوجود سلام بينهم، عبر نثر الورد والأرزّ في ساحة بلدة يارين المدمّرة بالكامل، حيث رفعت الأعلام اللبنانية تحت رقابة العدوّ المتمركز في موقع الجرداح وعلى مقربة من موقع بلاط في بلدة مروحين المجاورة. على أنّ “ما يكسر إيجابية الزيارة هو الضغط الدولي الذي يمنع إعادة الإعمار، فلا يبقى لنا سوى الوعود التي تتزايد منذ أكثر من عام، والمترافقة مع وعودٍ بدفع تعويضات ومساعدات وأموال تحت مختلف المسمّيات، ولا شيء يتحقّق منها. ولذلك، إذا كان لا بدّ من رسالة لتوجيهها إلى رئيس الحكومة والدولة عموماً، هي الإسراع في تأمين المساعدات للنازحين من القرى الحدودية، بالتوازي مع البحث في عملية إعادة الإعمار”.
بدلات الإيواء والأثاث
واكبت أميمة أبو دلّة من بلدة يارين، زيارة سلام، وتنقّلت بسيّارتها وترجّلت منها مراراً، علّها تصل إلى سلام فيسمع صرختها. لكن مسعاها لم يصل إلى نتيجة، فكان أملها بإيصال صوتها عبر “المدن”. تقول أبو دلّة أنّها كانت تنتظر زيارة المسؤولين السياسيين إلى القرى الحدودية، فكانت زيارة سلام بمثابة التفاتة جميلة. على أنّ “الوجع الأساسي الذي على رئيس الحكومة سماعه، هو حاجة أبناء القرى الحدودية للعودة السريعة إلى بيوتهم وأراضيهم، وإلى إعطائهم التعويضات اللازمة بدءاً من بدلات الإيواء والأثاث التي لم نحصل عليها منذ فترة الإسناد وخلال الحرب وصولاً إلى اليوم”. وتلفت أبو دلّة النظر إلى أنّ “الكثير من أبناء القرى الحدودية وغير الحدودية قبضوا مستحقات مالية تحت مختلف المسمّيات، فيما الكثير غيرهم لم يقبضوا شيئاً”. وتسألت عن مصير تلك الأموال وعمَّن قبضها؟.
وبالتوازي، يستغرب ابن بلدة مروحين، عطا غنّام، التمييز في دفع بدلات الإيواء. ويشرح في حديث لـِ “المدن”، أنّه “خلال فترة الإسناد والحرب، انتظر أبناء قرى يارين، الضهيرة، البستان، الزلوطية ومروحين، قبض بدل الإيواء، ليأتي الجواب بأنّ بعضهم لا يستحقّ ذلك، بحجّة أنّ لديه منزلاً يأويه خارج القرى الحدودية. لكن في هذا التبرير ظالم، لأنّنا وإن كان لدينا منزلاً آخر، إلاّ أنّ منزلنا في مروحين دُمِّر، وخسرنا الأثاث والكثير من الممتلكات داخله”. علماً أنّ “الكثير من أبناء القرى الأخرى، ممّن حالتهم مطابقة، قبضوا بدل إيواء وبدل أثاث، مع أنّهم يعيشون في منازل ضمن مناطق آمنة”.
متخطّياً البدلات، وَسَّعَ سلام دائرة الحديث، ليؤكّد لأبناء القرى الحدودية أنّ مشاريع “إعادة تأهيل الطرقات، مدّ شبكات المياه والاتصالات والكهرباء ودعم القطاع الزراعي، آتية”. ومذكّراً أنّ مشاريع إعادة الإعمار تنتظر “توفّر التمويل سواء من الموازنة العامة أو من خلال تأمين 250 مليون دولار كقروض ميسرة من البنك الدولي، إضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، وكذلك 35 مليون يورو منحة من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والدنمارك لدعم التعافي الاقتصادي”. وإلى حين بدء عملية إعادة الإعمار، يبقى أهل القرى الحدودية أبناء الدولة التي “لا تنظر إلى أبناء هذه المنطقة كأطراف، بل كأهلها وأبنائها”، وفق سلام الذي اعتبر أنّ “بسط سلطة الدولة لا يكتمل إلا بإعادة الإعمار وعودة الخدمات”.
تنقَّلَ سلام بين مختلف القرى الحدودية، مطلقاً وعده بـِ “زيارة ثانية إلى الجنوب لمتابعة تنفيذ المشاريع”، وينتظر أبناء الجنوب انتهاء محنتهم التي “عليها أن تمرّ عاجلاً أم آجلاً. فهذه ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها تهجيرنا من قرانا”، على حدّ تعبير غنّام الذي ذكَّر بأنّ “التهجير هذه المرّة كان الأصعب، خصوصاً أنّنا عدنا بعد التحرير في العام 2000 وزرعنا أرضنا وعمّرنا بيوتنا، ودفعنا ثمناً كبيراً في حرب تموز 2006، إلاّ أن خسارتنا في هذه الحرب هائلة في الممتلكات والبشر. واليوم نأتي إلى قرانا لنتذكّر ما كانت عليه، لا أكثر”.










