هل تنجح المعارضة الشيعية في بعلبك – الهرمل بكسر الاحتكار؟

تشكّل محافظة بعلبك الهرمل التي تضم 365108 ناخبين بينهم نحو 255 ألف ناخب شيعي، واحدة من أكثر الساحات حساسيةً في المشهد الشيعي اللبناني، حيث يختلط الماضي بالحاضر ويمتزج البعد السياسي بالأبعاد الأمنية والاجتماعية والدينية، ويتداخل الولاء الحزبي مع البنية العائلية والعشائرية. الانتخابات هنا لا تقاس بفارق الأصوات فقط، بل تصل إلى إعادة تعريف مفهوم التمثيل داخل بيئة اعتادت أحادية القرار والتمثيل.
محاولات لم تكتمل
خلال السنوات الماضية برزت محاولات عدّة تهدف إلى تشكيل معارضة شيعية في وجه الثنائي التقليدي. لكن هذه المحاولات اصطدمت بحائط صد مرتفع من الضبط السياسي والأمني والمالي والاجتماعي. اليوم ومع دعوة الهيئات الناخبة للاستحقاق النيابي تعود الأسئلة نفسها، فهل المعارضة الشيعية في البقاع الشمالي حالة اعتراضية شكلية عابرة أم مشروع سياسي قابل للحياة؟ وهل مشاركتها في الانتخابات تعني القدرة على التأثير فعلاً؟
في حديثٍ إلى “المدن” يفتح الشيخ عباس يزبك هامش النقد داخل البيئة الشيعية، مقدّماً مقاربة تتجاوز الاعتراض الأخلاقي على الفساد وسوء الإدارة إلى موقفٍ سياسي واضح يدعو “إلى إعادة الاعتبار للدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للسلاح وقراري السلم والحرب”. يزبك الذي يتجنّب الغوص في الخصومة العقائدية يضع إشكالية السلاح كنقطة انطلاق، معتبراً أن تحوّلات ما بعد العام 2000 أفضت إلى تداخلٍ عميق بين القوة العسكرية والمنظومة السياسية ما حمّل البيئة نفسها أثماناً باهظة.
وحول الاستحقاق الانتخابي القادم يشير يزبك إلى ضرورة “تماسك الأصوات الشيعية المعارضة وتنسيق جهودها ضمن رؤية سياسية واضحة”، وأن لا تكتفي برفع الاعتراض بل “تسعى إلى بلورة بديل وطني جامع”. فبالنسبة إليه “أي نقدٍ من الداخل يفقد جدواه إذا بقي متفرّقاً أو أسير مبادرات فردية” فيما المرحلة تتطلّب خطاباً منظّماً يعيد وصل البيئة الشيعية بمفهوم الدولة ومؤسساتها.
بهذا المعنى لا يكتفي يزبك بتسجيل موقف بل يطرح تحدّيًا مزدوجًا، اختبار قدرة البيئة الشيعية على تقبّل نقد ذاتي صريح، واختبار قدرة المعارضة الشيعية على التحوّل من حالة احتجاجية شكلية إلى إطار سياسي عملي متماسك، قادر على خوض نقاش الدولة والسلاح ومحاربة الفساد من داخلها لا من خارجها.
الخديعة وغياب التنمية
في المقابل، يشير رئيس تجمع أبناء بعلبك الهرمل المهندس علي صبري حمادة إلى ” خديعة الناس بإجراء الانتخابات، فبعدما كان الحديث يدور عن تأجيلها ما بين ثلاثة أشهر وسنة، جرت دعوة الهيئات الناخبة بشكلٍ مفاجئ” وهذا بحسب حمادة “خدمة مجانية للثنائي الجاهز من كل النواحي” بوجه معارضيه غير الجاهزين.
حمادة الذي ينتقد التقصير الإنمائي المزمن لنواب ووزراء الثنائي خلال العقود الماضية، يرى أنّ تحويل بعلبك الهرمل إلى “خزان بشري عسكري انتخابي” بدل أن تكون مساحة استثمار وتنمية يشكّل خطرًا على “الدور والهوية الوطنية للجماعة الشيعية في لبنان” والحاقها بالخارج “كجالية” وهنا جوهر الخلاف السياسي مع الثنائي.
أما بخصوص الانتخابات المقبلة فيشير حمادة إلى “غياب ترف الاختيارات” فالمعارضة الشيعية إذا ارادت تحقيق نتيجة سياسية أو انتخابية، فهي ملزمة بالتحالف مع القوى السنية “رغم ضبابية الموقف السني حتى الآن” وكذلك مع القوة المسيحية الأولى في المنطقة “وهي محصورة بحزب القوات اللبنانية”.
العشائر والدور المغيَّب
تاريخيًا شكّلت العشائر في البقاع الشمالي رافعة اجتماعية وسياسية أساسية، لم يكن دورها مقتصرًا على الانتماءات العائلية أو الروابط التقليدية والمصالحات، بل امتد ليشمل توجيه الناخبين، ويؤسّس تحالفات كبرى وشبكات خدمات وزعامات محلية.
هذا الدور تعرّض “لسطو سياسي” وفق تعبير الشيخ ياسين علي حمد جعفر في حديث إلى “المدن”، فمنذ أول عملية انتخابية بعد الطائف بدأت “عملية ممنهجة لإخراج أبناء العشائر العربية من الندوة النيابية ومقاعد الوزارة لاحقا” عازيًا السبب في ذلك إلى “سهولة تطويع باقي الشخصيات”.
جعفر يتمسّك بهوية العشائر “فهي عشائر عربية تاريخية، ليست شيعية ولا سنية ولا مسيحية” مركزًا على “ضرورة الولوج إلى الدولة كهوية وانتماء، وإلى إعادة الاعتبار لمؤسساتها الرسمية خاصة العسكرية منها عبر حصر السلاح بيدها فقط”.
ويلفت إلى أنّ وصول الدولة عبر مشاريع التنمية إلى البقاع الشمالي تمَّ “حين ألقى الطفار السلاح ودخلت العشائر راضية في كنف الدولة” وانطلقت حينها محاولات وضع المنطقة ضمن سياق سياسي أوسع يقوم على الحقوق والعدالة الاجتماعية. متسائلًا عن “جدوى الخروج على العشائر والدولة معًا”.
أما الانتخابات المقبلة فهي “فرصة نادرة” لأبناء العشائر بحسب جعفر في سبيل استعادة دورهم عبر “بناء تحالفات تتجاوز الانقسامات والمنافسات المحلية، والوصول إلى مشروع سياسي بديل ومتكامل” لأن نار الإقليم قد تصل إلينا في أي لحظة “وقد نحترق إذا لم ننتج بدائل”.
يظهر جلياً أن العشائر ليست مجرد خلفية اجتماعية، بل ربما تشكّل ركنًا أساسيًا في خيارات المعارضة الشيعية السياسية وتحديد أهدافها. وأيّ تغيير سياسي في البقاع الشمالي لا يمكن تحقيقه من دون استيعاب هذا الواقع.
كسر احتكار أم تثبيت توازن
مشاركة المعارضة الشيعية في بعلبك الهرمل، لا تعني حكماً خرقاً نيابياً بقدر ما تمثل اختباراً لحجم الاعتراض الصامت. أرقام الاستحقاقات السابقة أظهرت كتلة ناخبة شيعية غير راضية، لكنها لم ترتق إلى مستوى حالة اعتراض وازنة، لذلك تبقى شكوى بيئة الثنائي أسيرة شبكة أمان خدماتية سياسية تجعل من التصويت خيار استقرار أكثر مما هو تعبير عن قناعة سياسية.
التحدي لا يقتصر على المزاج الشعبي بل يطال بنية المعارضة نفسها، فتشتت اللوائح وتعدد المرجعيات أضعفا قدرتها على حشد الأصوات، لا سيما في دائرة واسعة ذات حاصل مرتفع، فيصبح لأي انقسام كلفة مباشرة على أي محاولة خرق ويشير الشيخ يزبك إلى أنّ “عملية تشتيت الأصوات وتفريقها تكاد تكون اختصاصًا متقنًا لدى الحزب”.
الرهان الفعلي يتجاوز عدد المقاعد إلى تكريس هوية المعارضة الشيعية ودورها، فهل هي حالة اعتراض على الخيارات الإقليمية، أم على الأداء الداخلي، أم هي مشروع لإعادة وصل المنطقة بالدولة كمرجعية؟
في بعلبك – الهرمل، الصراع ليس انتخابياً فحسب، بل على تمثيل وجع الناس بلغتهم ولأجلهم. فمن دون إدارة وتنظيم ومن دون برنامج سياسي واضح وتحالفات صلبة، ستبقى المعارضة الشيعية في البقاع الشمالي رقماً احتجاجياً لا مشروعاً سياسيًا. أما إذا نجحت في تحويل الاعتراض إلى إطار منظم، فقد تتحول المعركة من كسر احتكار إلى إعادة صياغة توازن داخل البيئة نفسها.
هل تنجح المعارضة الشيعية في بعلبك – الهرمل بكسر الاحتكار؟

تشكّل محافظة بعلبك الهرمل التي تضم 365108 ناخبين بينهم نحو 255 ألف ناخب شيعي، واحدة من أكثر الساحات حساسيةً في المشهد الشيعي اللبناني، حيث يختلط الماضي بالحاضر ويمتزج البعد السياسي بالأبعاد الأمنية والاجتماعية والدينية، ويتداخل الولاء الحزبي مع البنية العائلية والعشائرية. الانتخابات هنا لا تقاس بفارق الأصوات فقط، بل تصل إلى إعادة تعريف مفهوم التمثيل داخل بيئة اعتادت أحادية القرار والتمثيل.
محاولات لم تكتمل
خلال السنوات الماضية برزت محاولات عدّة تهدف إلى تشكيل معارضة شيعية في وجه الثنائي التقليدي. لكن هذه المحاولات اصطدمت بحائط صد مرتفع من الضبط السياسي والأمني والمالي والاجتماعي. اليوم ومع دعوة الهيئات الناخبة للاستحقاق النيابي تعود الأسئلة نفسها، فهل المعارضة الشيعية في البقاع الشمالي حالة اعتراضية شكلية عابرة أم مشروع سياسي قابل للحياة؟ وهل مشاركتها في الانتخابات تعني القدرة على التأثير فعلاً؟
في حديثٍ إلى “المدن” يفتح الشيخ عباس يزبك هامش النقد داخل البيئة الشيعية، مقدّماً مقاربة تتجاوز الاعتراض الأخلاقي على الفساد وسوء الإدارة إلى موقفٍ سياسي واضح يدعو “إلى إعادة الاعتبار للدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للسلاح وقراري السلم والحرب”. يزبك الذي يتجنّب الغوص في الخصومة العقائدية يضع إشكالية السلاح كنقطة انطلاق، معتبراً أن تحوّلات ما بعد العام 2000 أفضت إلى تداخلٍ عميق بين القوة العسكرية والمنظومة السياسية ما حمّل البيئة نفسها أثماناً باهظة.
وحول الاستحقاق الانتخابي القادم يشير يزبك إلى ضرورة “تماسك الأصوات الشيعية المعارضة وتنسيق جهودها ضمن رؤية سياسية واضحة”، وأن لا تكتفي برفع الاعتراض بل “تسعى إلى بلورة بديل وطني جامع”. فبالنسبة إليه “أي نقدٍ من الداخل يفقد جدواه إذا بقي متفرّقاً أو أسير مبادرات فردية” فيما المرحلة تتطلّب خطاباً منظّماً يعيد وصل البيئة الشيعية بمفهوم الدولة ومؤسساتها.
بهذا المعنى لا يكتفي يزبك بتسجيل موقف بل يطرح تحدّيًا مزدوجًا، اختبار قدرة البيئة الشيعية على تقبّل نقد ذاتي صريح، واختبار قدرة المعارضة الشيعية على التحوّل من حالة احتجاجية شكلية إلى إطار سياسي عملي متماسك، قادر على خوض نقاش الدولة والسلاح ومحاربة الفساد من داخلها لا من خارجها.
الخديعة وغياب التنمية
في المقابل، يشير رئيس تجمع أبناء بعلبك الهرمل المهندس علي صبري حمادة إلى ” خديعة الناس بإجراء الانتخابات، فبعدما كان الحديث يدور عن تأجيلها ما بين ثلاثة أشهر وسنة، جرت دعوة الهيئات الناخبة بشكلٍ مفاجئ” وهذا بحسب حمادة “خدمة مجانية للثنائي الجاهز من كل النواحي” بوجه معارضيه غير الجاهزين.
حمادة الذي ينتقد التقصير الإنمائي المزمن لنواب ووزراء الثنائي خلال العقود الماضية، يرى أنّ تحويل بعلبك الهرمل إلى “خزان بشري عسكري انتخابي” بدل أن تكون مساحة استثمار وتنمية يشكّل خطرًا على “الدور والهوية الوطنية للجماعة الشيعية في لبنان” والحاقها بالخارج “كجالية” وهنا جوهر الخلاف السياسي مع الثنائي.
أما بخصوص الانتخابات المقبلة فيشير حمادة إلى “غياب ترف الاختيارات” فالمعارضة الشيعية إذا ارادت تحقيق نتيجة سياسية أو انتخابية، فهي ملزمة بالتحالف مع القوى السنية “رغم ضبابية الموقف السني حتى الآن” وكذلك مع القوة المسيحية الأولى في المنطقة “وهي محصورة بحزب القوات اللبنانية”.
العشائر والدور المغيَّب
تاريخيًا شكّلت العشائر في البقاع الشمالي رافعة اجتماعية وسياسية أساسية، لم يكن دورها مقتصرًا على الانتماءات العائلية أو الروابط التقليدية والمصالحات، بل امتد ليشمل توجيه الناخبين، ويؤسّس تحالفات كبرى وشبكات خدمات وزعامات محلية.
هذا الدور تعرّض “لسطو سياسي” وفق تعبير الشيخ ياسين علي حمد جعفر في حديث إلى “المدن”، فمنذ أول عملية انتخابية بعد الطائف بدأت “عملية ممنهجة لإخراج أبناء العشائر العربية من الندوة النيابية ومقاعد الوزارة لاحقا” عازيًا السبب في ذلك إلى “سهولة تطويع باقي الشخصيات”.
جعفر يتمسّك بهوية العشائر “فهي عشائر عربية تاريخية، ليست شيعية ولا سنية ولا مسيحية” مركزًا على “ضرورة الولوج إلى الدولة كهوية وانتماء، وإلى إعادة الاعتبار لمؤسساتها الرسمية خاصة العسكرية منها عبر حصر السلاح بيدها فقط”.
ويلفت إلى أنّ وصول الدولة عبر مشاريع التنمية إلى البقاع الشمالي تمَّ “حين ألقى الطفار السلاح ودخلت العشائر راضية في كنف الدولة” وانطلقت حينها محاولات وضع المنطقة ضمن سياق سياسي أوسع يقوم على الحقوق والعدالة الاجتماعية. متسائلًا عن “جدوى الخروج على العشائر والدولة معًا”.
أما الانتخابات المقبلة فهي “فرصة نادرة” لأبناء العشائر بحسب جعفر في سبيل استعادة دورهم عبر “بناء تحالفات تتجاوز الانقسامات والمنافسات المحلية، والوصول إلى مشروع سياسي بديل ومتكامل” لأن نار الإقليم قد تصل إلينا في أي لحظة “وقد نحترق إذا لم ننتج بدائل”.
يظهر جلياً أن العشائر ليست مجرد خلفية اجتماعية، بل ربما تشكّل ركنًا أساسيًا في خيارات المعارضة الشيعية السياسية وتحديد أهدافها. وأيّ تغيير سياسي في البقاع الشمالي لا يمكن تحقيقه من دون استيعاب هذا الواقع.
كسر احتكار أم تثبيت توازن
مشاركة المعارضة الشيعية في بعلبك الهرمل، لا تعني حكماً خرقاً نيابياً بقدر ما تمثل اختباراً لحجم الاعتراض الصامت. أرقام الاستحقاقات السابقة أظهرت كتلة ناخبة شيعية غير راضية، لكنها لم ترتق إلى مستوى حالة اعتراض وازنة، لذلك تبقى شكوى بيئة الثنائي أسيرة شبكة أمان خدماتية سياسية تجعل من التصويت خيار استقرار أكثر مما هو تعبير عن قناعة سياسية.
التحدي لا يقتصر على المزاج الشعبي بل يطال بنية المعارضة نفسها، فتشتت اللوائح وتعدد المرجعيات أضعفا قدرتها على حشد الأصوات، لا سيما في دائرة واسعة ذات حاصل مرتفع، فيصبح لأي انقسام كلفة مباشرة على أي محاولة خرق ويشير الشيخ يزبك إلى أنّ “عملية تشتيت الأصوات وتفريقها تكاد تكون اختصاصًا متقنًا لدى الحزب”.
الرهان الفعلي يتجاوز عدد المقاعد إلى تكريس هوية المعارضة الشيعية ودورها، فهل هي حالة اعتراض على الخيارات الإقليمية، أم على الأداء الداخلي، أم هي مشروع لإعادة وصل المنطقة بالدولة كمرجعية؟
في بعلبك – الهرمل، الصراع ليس انتخابياً فحسب، بل على تمثيل وجع الناس بلغتهم ولأجلهم. فمن دون إدارة وتنظيم ومن دون برنامج سياسي واضح وتحالفات صلبة، ستبقى المعارضة الشيعية في البقاع الشمالي رقماً احتجاجياً لا مشروعاً سياسيًا. أما إذا نجحت في تحويل الاعتراض إلى إطار منظم، فقد تتحول المعركة من كسر احتكار إلى إعادة صياغة توازن داخل البيئة نفسها.











