زيارة سلام للجنوب… “العودة الى بيت الطاعة”

لم يتأخر رئيس الحكومة نواف سلام في “ردة الرِجل” لـ “الثنائي الشيعي”، الذي حال دون سقوط حكومته بالنقاط في جلسة إقرار الموازنة العامة، فكانت زيارته للجنوب وللوعود التي أطلقها، وبالأخصّ لجهة إعادة إعمار ما هدّمته إسرائيل، وإعادة البلدات والقرى المهدمة إلى ما كانت عليه في السابق، بل أجمل مما كانت عليه.
وفي رأي أهل الجنوب أنفسهم، الذين استمعوا إلى خطابات سلام في صور ويارين وطير حرفا، أن ما وعد به من التزامات لا تخرج عن كونها “مسرحية إعلامية” لا أكثر ولا أقل، خصوصًا أن صاحب هذه الوعود غير قادر عمليًا على الإيفاء بهذه الالتزامات والوعود الفضفاضة، لأنهم يدركون أن مسألة إعادة إعمار الجنوب معقدّة وشائكة، وهي تتخطّى قدرة الحكومة، التي لا تستطيع حتى تلبية مطالب المتقاعدين من القوى العسكرية ومن الإدارات العامة بزيادة خمسين في المئة على رواتبهم من أساس ما كان عليه راتبهم الأساسي قبل 2019.
والسؤال الذي يسأله أهل الجنوب المدّمرة قراهم والمشرّدون منذ سنتين تقريبًا من دون مأوى، وهو سؤال جوهري وأساسي: من أين سيأتي نواف سلام بـ 11 مليار دولار لإعادة إعمار ما يقارب 139 بلدة وقرية جنوبية مهدّمة بالكامل؟
فهذه الزيارة ليست حدثًا إنمائيًا بقدر ما كانت استعراضًا سياسيًا محسوبًا بدقة. الرجل ذهب محمّلًا بوعود ضخمة يعرف قبل غيره أنها تتجاوز قدرة حكومته، وتتجاوز قدرة الدولة نفسها. والحديث عن إعادة إعمار شاملة، وعن قرى “أجمل مما كانت عليه”، ليس خطة عمل، بل خطاب تعويضي لحكومة تعيش على توازنات هشة وتحتاج إلى جرعات دعم سياسية متكررة.
الواقع أكثر قسوة من من الخطابات والكلمات الفارغة من أي مضمون عملي. فالدولة العاجزة عن تأمين الحد الأدنى من العدالة لمتقاعديها، وعن تثبيت سعر صرف مستقر، وعن إدارة خدماتها الأساسية، لا تستطيع فجأة أن تتحول إلى ورشة إعمار بـ 11 مليار دولار. هذه ليست مسألة تشاؤم، بل حسابات بعقل بارد. فالحكومة تعرف ذلك، ومع ذلك تبيع الناس سردية إنقاذ غير موجودة إلا في الخطابات غير الرنانة.
أهل الجنوب لم يطلبوا بلاغة. طلبوا أجوبة عن أسئلة كثيرة تتلخص عن طريقة التمويل ومن هي الجهات التي ستمول مشروع إعادة الاعمار، متى ستبدأ ورشة الإعمار، ما هي الآلية، ما هي الضمانات؟
وبدلًا من أن يحصلوا على أجوبة تروي غليلهم، حصلوا على عرض سياسي يهدف إلى تثبيت صورة الحكومة لا إلى إعادة بيوتهم أجمل مما كانت عليه. والأسوأ أن رفع سقف التوقعات بلا قدرة تنفيذية هو شكل من أشكال الانكار السياسي. لأن الإحباط الذي يلي الوعود الفارغة أشد تدميرًا من الصمت والعجز.
لكن المشكلة لا تقف عند حدود العجز المالي. الجنوب اليوم ليس مجرد ملف إنمائي، بل عقدة إقليمية. فأي عملية لإعادة الإعمار تمر تلقائيًا عبر شبكة مصالح دولية متشابكة بين واشنطن وطهران ودول الخليج العربي والمؤسسات الدولية، في الوقت الذي نسمع فيه رئيس الحكومة يتحدث وكأن القرار الأول والأخير بيده أو بيد حكومته وحدها، بينما الجميع يعرف أن التمويل، إن أتى، سيكون مشروطًا سياسيًا. ومع ذلك تُقدَّم الوعود للناس كأنها قرار سيادي جاهز للتنفيذ.
هنا يتحول المشهد إلى مفارقة فاقعة بلونها الرمادي، أي أننا أمام حكومة لا تملك المال ولا القرار الكامل، لكنها تملك فائض خطاب. وبدلًا من مصارحة اللبنانيين بحقيقة الوضع، تختار الطريق الأسهل عن طريق تضخيم الوعود وتأجيل الصدمة. وكأن المطلوب إدارة الانطباع لا إدارة الدولة.
فزيارة سلام هي محاولة لملء فراغ سياسي، لا لملء ثغرة في جدار الإعمار. كانت رسالة داخلية أكثر منها مشروعًا وطنيًا. أما الجنوب، فبقي كما هو: ساحة مفتوحة على صراع إقليمي أكبر من الحكومة، وأكبر من قدرتها على الفعل. وبين المسرح السياسي والركام الحقيقي، يعيش الناس على وعود تعرف السلطة نفسها أنها بلا رصيد.
الدولة لا تُقاس بقدرتها على الكلام، بل بقدرتها على الدفع. وعندما تصبح الوعود بديلًا عن القدرة، نكون أمام سلطة تدير التوقعات لا الأزمات. الجنوب لا يحتاج إلى خطابات إضافية، بل يحتاج إلى حكومة تقول الحقيقة، حتى لو كانت موجعة: لا مال، لا خطة جاهزة، ولا إعمار قريب بلا تسوية إقليمية. وكل ما عدا ذلك فمجرد كلام على حساب وجع الناس، ودفعة على حساب سياسي، وشيك سياسي بلا رصيد.
في الخلاصة فان زيارة رئيس الحكومة الى الجنوب لا تتعدى كونها عودة الى “بيت الطاعة”،بعدما شكل تصويت “الثنائي الشيعي”في جلسات الموازنة رافعة حالت دون سقوط الحكومة . وتتحدث أوساط مسؤول أوروبي زار لبنان اخيرا ان الضيف كان في حديثه يوصي الرئيس نبيه بري بالحكومة فقاطعه بري قائلا “لولا دعمنا للحكومة لما كانت مستمرة”. كما حرصت مصادر “حزب الله” على تعمية اجواء ليل امس مفادها” ان هدف سلام من الزيارة الاستماع الى مطالب الجنوبيين وهو موضع ترحيب من الحزب وترجم بحفاوة الاستقبال”.
زيارة سلام للجنوب… “العودة الى بيت الطاعة”

لم يتأخر رئيس الحكومة نواف سلام في “ردة الرِجل” لـ “الثنائي الشيعي”، الذي حال دون سقوط حكومته بالنقاط في جلسة إقرار الموازنة العامة، فكانت زيارته للجنوب وللوعود التي أطلقها، وبالأخصّ لجهة إعادة إعمار ما هدّمته إسرائيل، وإعادة البلدات والقرى المهدمة إلى ما كانت عليه في السابق، بل أجمل مما كانت عليه.
وفي رأي أهل الجنوب أنفسهم، الذين استمعوا إلى خطابات سلام في صور ويارين وطير حرفا، أن ما وعد به من التزامات لا تخرج عن كونها “مسرحية إعلامية” لا أكثر ولا أقل، خصوصًا أن صاحب هذه الوعود غير قادر عمليًا على الإيفاء بهذه الالتزامات والوعود الفضفاضة، لأنهم يدركون أن مسألة إعادة إعمار الجنوب معقدّة وشائكة، وهي تتخطّى قدرة الحكومة، التي لا تستطيع حتى تلبية مطالب المتقاعدين من القوى العسكرية ومن الإدارات العامة بزيادة خمسين في المئة على رواتبهم من أساس ما كان عليه راتبهم الأساسي قبل 2019.
والسؤال الذي يسأله أهل الجنوب المدّمرة قراهم والمشرّدون منذ سنتين تقريبًا من دون مأوى، وهو سؤال جوهري وأساسي: من أين سيأتي نواف سلام بـ 11 مليار دولار لإعادة إعمار ما يقارب 139 بلدة وقرية جنوبية مهدّمة بالكامل؟
فهذه الزيارة ليست حدثًا إنمائيًا بقدر ما كانت استعراضًا سياسيًا محسوبًا بدقة. الرجل ذهب محمّلًا بوعود ضخمة يعرف قبل غيره أنها تتجاوز قدرة حكومته، وتتجاوز قدرة الدولة نفسها. والحديث عن إعادة إعمار شاملة، وعن قرى “أجمل مما كانت عليه”، ليس خطة عمل، بل خطاب تعويضي لحكومة تعيش على توازنات هشة وتحتاج إلى جرعات دعم سياسية متكررة.
الواقع أكثر قسوة من من الخطابات والكلمات الفارغة من أي مضمون عملي. فالدولة العاجزة عن تأمين الحد الأدنى من العدالة لمتقاعديها، وعن تثبيت سعر صرف مستقر، وعن إدارة خدماتها الأساسية، لا تستطيع فجأة أن تتحول إلى ورشة إعمار بـ 11 مليار دولار. هذه ليست مسألة تشاؤم، بل حسابات بعقل بارد. فالحكومة تعرف ذلك، ومع ذلك تبيع الناس سردية إنقاذ غير موجودة إلا في الخطابات غير الرنانة.
أهل الجنوب لم يطلبوا بلاغة. طلبوا أجوبة عن أسئلة كثيرة تتلخص عن طريقة التمويل ومن هي الجهات التي ستمول مشروع إعادة الاعمار، متى ستبدأ ورشة الإعمار، ما هي الآلية، ما هي الضمانات؟
وبدلًا من أن يحصلوا على أجوبة تروي غليلهم، حصلوا على عرض سياسي يهدف إلى تثبيت صورة الحكومة لا إلى إعادة بيوتهم أجمل مما كانت عليه. والأسوأ أن رفع سقف التوقعات بلا قدرة تنفيذية هو شكل من أشكال الانكار السياسي. لأن الإحباط الذي يلي الوعود الفارغة أشد تدميرًا من الصمت والعجز.
لكن المشكلة لا تقف عند حدود العجز المالي. الجنوب اليوم ليس مجرد ملف إنمائي، بل عقدة إقليمية. فأي عملية لإعادة الإعمار تمر تلقائيًا عبر شبكة مصالح دولية متشابكة بين واشنطن وطهران ودول الخليج العربي والمؤسسات الدولية، في الوقت الذي نسمع فيه رئيس الحكومة يتحدث وكأن القرار الأول والأخير بيده أو بيد حكومته وحدها، بينما الجميع يعرف أن التمويل، إن أتى، سيكون مشروطًا سياسيًا. ومع ذلك تُقدَّم الوعود للناس كأنها قرار سيادي جاهز للتنفيذ.
هنا يتحول المشهد إلى مفارقة فاقعة بلونها الرمادي، أي أننا أمام حكومة لا تملك المال ولا القرار الكامل، لكنها تملك فائض خطاب. وبدلًا من مصارحة اللبنانيين بحقيقة الوضع، تختار الطريق الأسهل عن طريق تضخيم الوعود وتأجيل الصدمة. وكأن المطلوب إدارة الانطباع لا إدارة الدولة.
فزيارة سلام هي محاولة لملء فراغ سياسي، لا لملء ثغرة في جدار الإعمار. كانت رسالة داخلية أكثر منها مشروعًا وطنيًا. أما الجنوب، فبقي كما هو: ساحة مفتوحة على صراع إقليمي أكبر من الحكومة، وأكبر من قدرتها على الفعل. وبين المسرح السياسي والركام الحقيقي، يعيش الناس على وعود تعرف السلطة نفسها أنها بلا رصيد.
الدولة لا تُقاس بقدرتها على الكلام، بل بقدرتها على الدفع. وعندما تصبح الوعود بديلًا عن القدرة، نكون أمام سلطة تدير التوقعات لا الأزمات. الجنوب لا يحتاج إلى خطابات إضافية، بل يحتاج إلى حكومة تقول الحقيقة، حتى لو كانت موجعة: لا مال، لا خطة جاهزة، ولا إعمار قريب بلا تسوية إقليمية. وكل ما عدا ذلك فمجرد كلام على حساب وجع الناس، ودفعة على حساب سياسي، وشيك سياسي بلا رصيد.
في الخلاصة فان زيارة رئيس الحكومة الى الجنوب لا تتعدى كونها عودة الى “بيت الطاعة”،بعدما شكل تصويت “الثنائي الشيعي”في جلسات الموازنة رافعة حالت دون سقوط الحكومة . وتتحدث أوساط مسؤول أوروبي زار لبنان اخيرا ان الضيف كان في حديثه يوصي الرئيس نبيه بري بالحكومة فقاطعه بري قائلا “لولا دعمنا للحكومة لما كانت مستمرة”. كما حرصت مصادر “حزب الله” على تعمية اجواء ليل امس مفادها” ان هدف سلام من الزيارة الاستماع الى مطالب الجنوبيين وهو موضع ترحيب من الحزب وترجم بحفاوة الاستقبال”.









