لبنان يقف على برميل بارود

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
25 شباط 2026

ما نقلته المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة جينين هينيس بلاسخارت، التي  زارت إسرائيل مؤخراً، إلى المسؤولين اللبنانيين عن أجواء غير مريحة تدعو للقلق، ولا يمكن الاستخفاف بها أو عدم التعاطي معها بجدية، ذكرّ بما كان ينقله الموفد الأميركي آموس هوكشتاين من أجواء تشاؤمية ومن تحذيرات جدّية عن تصميم تل أبيب على توجيه ضربة موجعة إلى لبنان على خلفية إدخاله من قِبل “حزب الله” بحرب غير متكافئة الموازين، أدّت إلى تكبّده خسائر بشرية ومادية، وبالأخص في القرى والبلدات الجنوبية، التي كانت هدفًا مباشرًا لاعتداءات واسعة النطاق لم تتوقف على رغم القبول بوقف لإطلاق النار لم يكن لمصلحة “المقاومة الإسلامية”، وكان آخر هذه الاعتداءات ما شهده البقاع قبل أيام.

وفي اعتقاد أكثر من مصدر أمني أن ما تقوم به إسرائيل من خرق متواصل لاتفاق 27 تشرين الثاني انما الهدف منه استدراج “حزب الله” إلى ردّ قد تتخذه ذريعة إضافية لتوسيع رقعة اعتداءاتها، اعتقادًا منها بأن عدم الردّ على هذا التمادي الوقح من شأنه تأليب البيئة الحاضنة لـ “الحزب”، الذي يبدو أنه قد أصبح على أهبة الاستعداد للانخراط في حرب اسناد جديدة مؤازرة لإيران في حال تعرّضها لحرب يكثر الحديث عن احتمال وقوعها في المدى المنظور.

غير أنّ القراءة الأعمق للمشهد لا تقف عند حدود التكتيك الميداني. فإسرائيل، التي تدرك حجم الإنهاك الذي أصاب الداخل اللبناني سياسيًا واقتصاديًا، تراهن على لحظة إقليمية مفصلية قد تتيح لها إعادة رسم قواعد اشتباك جديدة، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بملفات أكثر إلحاحًا، ومن غياب مظلة ردع واضحة المعالم بعد اهتزاز صورة “توازن الرعب” التي سادت منذ عام 2006.

في المقابل، لا يبدو “حزب الله” في وارد الانجرار إلى مواجهة شاملة ما لم تُفرض عليه فرضًا. فـ “الحزب”، وفق معطيات ديبلوماسية متقاطعة، يفضّل إبقاء الوضع الراهن مضبوطًا بسقف إقليمي، في انتظار اتضاح مسار التوتر الأميركي – الإيراني، ذلك أنّ أي حرب واسعة اليوم لن تكون نسخة عن حرب سابقة، بل مواجهة مفتوحة على احتمالات تدمير أوسع للبنية التحتية اللبنانية، في ظل عجز الدولة عن احتواء تداعياتها أو تأمين شبكة أمان مالية أو إنسانية.

ثمة من يعتقد أن تل أبيب تسعى إلى اختبار معادلة جديدة، وهي تستند إلى منظومة من الضربات الموضعية الموجعة، وإلى استنزاف تدريجي، ورسائل نارية محسوبة، من دون الذهاب فورًا إلى حرب شاملة. لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة عالية، إذ إن خطأً واحدًا في الحسابات، أو سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين في ضربة من هذا النوع قد يدفع الأمور إلى انفلات غير قابل للضبط.

أما داخليًا، فإن استمرار هذا الوضع الرمادي يضع السلطة اللبنانية أمام امتحان مزدوج. فإما أن تنجح في إعادة تفعيل قنوات التواصل الدولية لتثبيت وقف النار فعليًا، وإما أن تبقى رهينة ميزان قوى لا تملك مفاتيحه. فالمجتمع الدولي، وإن أبدى تعاطفًا لفظيًا مع لبنان، يربط أي اندفاعة دعم فعلية بقدرة الدولة على بسط سيادتها واحتكار قرار السلم والحرب.

أمّا التوقعات للمرحلة المقبلة، وفق أكثر من قراءة سياسية، فتشير إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:

الأول، استمرار حالة الاستنزاف التي تمارسها اسرائيل، مع ضربات متقطعة تبقي التوتر قائمًا من دون انفجار شامل.

الثاني، انزلاق غير محسوب إلى مواجهة واسعة إذا ما تزامنت جبهة الجنوب مع تطور دراماتيكي في الملف الإيراني.

الثالث، تسوية موضعية برعاية دولية تعيد تثبيت الهدنة مقابل ترتيبات أمنية أشد صرامة جنوبًا، وهو خيار يبدو الأقل احتمالًا في المدى القريب، لكنه ليس مستحيلًا إذا توافرت إرادة دولية ضاغطة.

في الخلاصة القائمة على توقعات واستنتاجات دولية وإقليمية ومحلية، فإن لبنان يقف مجددًا على حافة معادلة خطرة تتمثّل بمدى ذهاب إسرائيل في اختبار حدود الردع، فيما يوازن “حزب الله” بين مقتضيات البيئة الحاضنة وحسابات الإقليم. أمّا الحكومة فتكتفي بأن تتفرّج من موقع العاجز.

وفي ضوء النصائح العربية والغربية، التي كانت أُسديت لـ “حزب الله” مباشرة أو بالواسطة بعدم التدخل، على خلفية تهديد أمينه العام، الشيخ نعيم قاسم، بعدم وقوفه على الحياد، وإن كان لم يحدد طبيعة هذا التدخّل، فُتحت قنوات التواصل بين القيادة السياسية في “حارة حريك” ورئيس الجمهورية العماد جوزيف عون. وكان محور هذه الاتصالات ما حرصت بلاسخارت على نقله من أجواء تشاؤمية إلى أركان الدولة، والتي تنطوي على إنذارات جدية لا تقتصر على التحذيرات، وخلاصتها أنها لن تسمح لـ “حزب الله” بالتدخل إسناداً لإيران، وأن الرد عليه سيكون مكلفاً له وللبلد على كافة المستويات.

وبين الاستفزاز والاستدراج، يبقى السؤال الأهم: هل المطلوب مجرد رسائل نارية متبادلة، أم أن المنطقة تتجه فعلًا إلى إعادة رسم خرائط نفوذ بالقوة؟

لبنان يقف على برميل بارود

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
25 شباط 2026

ما نقلته المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة جينين هينيس بلاسخارت، التي  زارت إسرائيل مؤخراً، إلى المسؤولين اللبنانيين عن أجواء غير مريحة تدعو للقلق، ولا يمكن الاستخفاف بها أو عدم التعاطي معها بجدية، ذكرّ بما كان ينقله الموفد الأميركي آموس هوكشتاين من أجواء تشاؤمية ومن تحذيرات جدّية عن تصميم تل أبيب على توجيه ضربة موجعة إلى لبنان على خلفية إدخاله من قِبل “حزب الله” بحرب غير متكافئة الموازين، أدّت إلى تكبّده خسائر بشرية ومادية، وبالأخص في القرى والبلدات الجنوبية، التي كانت هدفًا مباشرًا لاعتداءات واسعة النطاق لم تتوقف على رغم القبول بوقف لإطلاق النار لم يكن لمصلحة “المقاومة الإسلامية”، وكان آخر هذه الاعتداءات ما شهده البقاع قبل أيام.

وفي اعتقاد أكثر من مصدر أمني أن ما تقوم به إسرائيل من خرق متواصل لاتفاق 27 تشرين الثاني انما الهدف منه استدراج “حزب الله” إلى ردّ قد تتخذه ذريعة إضافية لتوسيع رقعة اعتداءاتها، اعتقادًا منها بأن عدم الردّ على هذا التمادي الوقح من شأنه تأليب البيئة الحاضنة لـ “الحزب”، الذي يبدو أنه قد أصبح على أهبة الاستعداد للانخراط في حرب اسناد جديدة مؤازرة لإيران في حال تعرّضها لحرب يكثر الحديث عن احتمال وقوعها في المدى المنظور.

غير أنّ القراءة الأعمق للمشهد لا تقف عند حدود التكتيك الميداني. فإسرائيل، التي تدرك حجم الإنهاك الذي أصاب الداخل اللبناني سياسيًا واقتصاديًا، تراهن على لحظة إقليمية مفصلية قد تتيح لها إعادة رسم قواعد اشتباك جديدة، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بملفات أكثر إلحاحًا، ومن غياب مظلة ردع واضحة المعالم بعد اهتزاز صورة “توازن الرعب” التي سادت منذ عام 2006.

في المقابل، لا يبدو “حزب الله” في وارد الانجرار إلى مواجهة شاملة ما لم تُفرض عليه فرضًا. فـ “الحزب”، وفق معطيات ديبلوماسية متقاطعة، يفضّل إبقاء الوضع الراهن مضبوطًا بسقف إقليمي، في انتظار اتضاح مسار التوتر الأميركي – الإيراني، ذلك أنّ أي حرب واسعة اليوم لن تكون نسخة عن حرب سابقة، بل مواجهة مفتوحة على احتمالات تدمير أوسع للبنية التحتية اللبنانية، في ظل عجز الدولة عن احتواء تداعياتها أو تأمين شبكة أمان مالية أو إنسانية.

ثمة من يعتقد أن تل أبيب تسعى إلى اختبار معادلة جديدة، وهي تستند إلى منظومة من الضربات الموضعية الموجعة، وإلى استنزاف تدريجي، ورسائل نارية محسوبة، من دون الذهاب فورًا إلى حرب شاملة. لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة عالية، إذ إن خطأً واحدًا في الحسابات، أو سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين في ضربة من هذا النوع قد يدفع الأمور إلى انفلات غير قابل للضبط.

أما داخليًا، فإن استمرار هذا الوضع الرمادي يضع السلطة اللبنانية أمام امتحان مزدوج. فإما أن تنجح في إعادة تفعيل قنوات التواصل الدولية لتثبيت وقف النار فعليًا، وإما أن تبقى رهينة ميزان قوى لا تملك مفاتيحه. فالمجتمع الدولي، وإن أبدى تعاطفًا لفظيًا مع لبنان، يربط أي اندفاعة دعم فعلية بقدرة الدولة على بسط سيادتها واحتكار قرار السلم والحرب.

أمّا التوقعات للمرحلة المقبلة، وفق أكثر من قراءة سياسية، فتشير إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:

الأول، استمرار حالة الاستنزاف التي تمارسها اسرائيل، مع ضربات متقطعة تبقي التوتر قائمًا من دون انفجار شامل.

الثاني، انزلاق غير محسوب إلى مواجهة واسعة إذا ما تزامنت جبهة الجنوب مع تطور دراماتيكي في الملف الإيراني.

الثالث، تسوية موضعية برعاية دولية تعيد تثبيت الهدنة مقابل ترتيبات أمنية أشد صرامة جنوبًا، وهو خيار يبدو الأقل احتمالًا في المدى القريب، لكنه ليس مستحيلًا إذا توافرت إرادة دولية ضاغطة.

في الخلاصة القائمة على توقعات واستنتاجات دولية وإقليمية ومحلية، فإن لبنان يقف مجددًا على حافة معادلة خطرة تتمثّل بمدى ذهاب إسرائيل في اختبار حدود الردع، فيما يوازن “حزب الله” بين مقتضيات البيئة الحاضنة وحسابات الإقليم. أمّا الحكومة فتكتفي بأن تتفرّج من موقع العاجز.

وفي ضوء النصائح العربية والغربية، التي كانت أُسديت لـ “حزب الله” مباشرة أو بالواسطة بعدم التدخل، على خلفية تهديد أمينه العام، الشيخ نعيم قاسم، بعدم وقوفه على الحياد، وإن كان لم يحدد طبيعة هذا التدخّل، فُتحت قنوات التواصل بين القيادة السياسية في “حارة حريك” ورئيس الجمهورية العماد جوزيف عون. وكان محور هذه الاتصالات ما حرصت بلاسخارت على نقله من أجواء تشاؤمية إلى أركان الدولة، والتي تنطوي على إنذارات جدية لا تقتصر على التحذيرات، وخلاصتها أنها لن تسمح لـ “حزب الله” بالتدخل إسناداً لإيران، وأن الرد عليه سيكون مكلفاً له وللبلد على كافة المستويات.

وبين الاستفزاز والاستدراج، يبقى السؤال الأهم: هل المطلوب مجرد رسائل نارية متبادلة، أم أن المنطقة تتجه فعلًا إلى إعادة رسم خرائط نفوذ بالقوة؟

مزيد من الأخبار