خاص- إنهيار الدولة في طرابلس

مما لا شك فيه أن الكارثة الإنسانية التي حلت بطرابلس نتيجة انهيار مبنى متصدّع فوق رؤوس قاطنيه لم تكن مفاجئة، بل أنها كانت متوقعة في مدينة أثبتت الكشوفات الميدانية أنها تضم أكثر من ستمائة مبنى متصدّع بعضها آيل للسقوط، من بينها نحو ثمانية مدارس تضم آلاف التلاميذ. انهيار المبنى في طرابلس لم يكن الحادث الأول من نوعه، إلا أنه كان الأبشع والأكثر دلالة ربما على ما ينتظر سكان مئات المباني من مصير محتوم إذا لم تتحرّك المراجع المعنية بشكل فوري وعاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
يتساءل البعض: هل هي صدفة أن تضم المدينة الأفقر على شواطئ المتوسط أثرى أثرياء لبنان؟ الجواب: كلا. فهؤلاء الأثرياء هم جزء من الدولة العميقة الفاسدة في لبنان، الذين لا همّ لهم سوى زيادة ثرواتهم على حساب الدولة والشعب، غير آبهين بالتأكيد بفقر الفقراء ومعاناة المحتاجين، مبرّرين آثامهم برحلات العمرة والحج حيث يصلّون ويضحّون ويرجمون الشيطان، غير مدركين أن الشيطان الحقيقي في داخلهم وليس في مكان آخر.
بالمعنى الديني والإنساني، هؤلاء الأثرياء مسؤولون أخلاقيًا عن مآسي أبناء منطقتهم المحرومين من كل متطلبات الحياة الكريمة. إلا أن المفارقة أن هؤلاء المحرومين لم يحاسبوا يومًا من أعطوهم ثقتهم، فتراهم يجددون البيعة لهم عند كل استحقاق انتخابي مقابل فتات من رشوات مكشوفة لا تسمن ولا تغني من جوع. فالفقر ليس إذًا فقر المال فقط، لأن هؤلاء الفقراء لو كانوا قد حاسبوا نوابهم وزعماءهم على أفعالهم لكانت أحوالهم قد تغيّرت بالتأكيد. فلو أعطوا صوتهم لمن أمّن لهم عملًا أو ساعدهم في تعليم أبنائهم وتطبيبهم، أو حتى في إصلاح مساكنهم المتصدّعة، ما كانوا ليموتوا اليوم تحت ركام هذه المنازل.
أما المسؤولية الأساسية فتقع بالتأكيد على الدولة بوزاراتها وإداراتها ومؤسساتها، هذه الدولة التي أُدخِلت مرغمة منذ عشرات السنين في “محور” لم يجلب لمواطنيه سوى الفقر والموت والدمار، وهي تصارع اليوم للتخلص من هذا السرطان والبقاء على قيد الحياة. إنها الدولة الخانعة التي ارتضت تحويل لبنان الى مشروع حرب دائمة، وتحويل اقتصاده من اقتصاد منتج ناجح يؤمن الرفاهية للمواطن، الى اقتصاد حربي آخر همه التنمية الاقتصادية والتطوّر والإنسان عمومًا. فمليارات الدولارات التي صُرفت على إعادة الإعمار بعد حرب “لو كنت أعلم” عام 2006، بالإضافة الى المليارات التي ضاعت على الدولة جراء فلتان الحدود وسيطرة “حزب الله” على المرافئ والمرافق والمعابر، إضافة الى المليارات التي نُهِبت بحجة الدعم ومشتقاته، أوصلت الوطن الى الانهيار الاقتصادي الكبير والمواطن الى الفقر والحرمان.
بالإضافة الى ذلك عمل “المحور” على شل جميع مؤسسات الدولة لتقع تحت سيطرته، فكان له ما أراد، وعمّ الخراب على جميع المستويات. ومن نتائج هذه السياسة السيطرة على المؤسسة التشريعية بغط النظر عن الأغلبية النيابية، بموازاة السيطرة على القضاء، فكان القانون الضحية الأولى.
وبالعودة الى مسؤولية الدولة عن الوضع في طرابلس، فلو كان مجلس النواب قد أقر قانونًا عادلًا للإيجارات في الوقت المناسب، لكان ألزم أصحاب الأبنية المتصدعة بإصلاح أبنيتهم وجنّب المستأجرين خطر الموت تحت الأنقاض. إلا أن قانون الإيجار البالي الذي ظل ساريًا حتى تاريخ تعديله عام 2014 ساوى بين المالك والمستأجر في الفقر، وجعل الإثنين عاجزنين عن منع الكارثة المحتّمة.
إلا أن الكارثة التي لم تقع بعد في طرابلس وفي لبنان كله ستقع بالتأكيد في نهاية شباط المقبل، تاريخ سريان المرحلة الأولى من قانون الإيجارات السكنية الذي يسمح للمالك باستعادة مأجوره. فإذا كانت العائلة الطرابلسية المنكوبة التي أخلت المبنى المنهار قبل ساعات من انهياره عادت مرغمة الى منزلها متجاهلة الخطر المحدق بها لا لسبب إلا لأنها لم تجد مأوى لها، فكيف ستجد عشرات آلاف العائلات مأوى لها بعد أسابيع؟
ليس مبنى سكنيًا هو الذي انهار في طرابلس. إنه انعكاس لصورة دولة منهارة لا يمكن أن تقوم إلا على حطام دويلة أوصلت لبنان إلى ما وصل إليه.
خاص- إنهيار الدولة في طرابلس

مما لا شك فيه أن الكارثة الإنسانية التي حلت بطرابلس نتيجة انهيار مبنى متصدّع فوق رؤوس قاطنيه لم تكن مفاجئة، بل أنها كانت متوقعة في مدينة أثبتت الكشوفات الميدانية أنها تضم أكثر من ستمائة مبنى متصدّع بعضها آيل للسقوط، من بينها نحو ثمانية مدارس تضم آلاف التلاميذ. انهيار المبنى في طرابلس لم يكن الحادث الأول من نوعه، إلا أنه كان الأبشع والأكثر دلالة ربما على ما ينتظر سكان مئات المباني من مصير محتوم إذا لم تتحرّك المراجع المعنية بشكل فوري وعاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
يتساءل البعض: هل هي صدفة أن تضم المدينة الأفقر على شواطئ المتوسط أثرى أثرياء لبنان؟ الجواب: كلا. فهؤلاء الأثرياء هم جزء من الدولة العميقة الفاسدة في لبنان، الذين لا همّ لهم سوى زيادة ثرواتهم على حساب الدولة والشعب، غير آبهين بالتأكيد بفقر الفقراء ومعاناة المحتاجين، مبرّرين آثامهم برحلات العمرة والحج حيث يصلّون ويضحّون ويرجمون الشيطان، غير مدركين أن الشيطان الحقيقي في داخلهم وليس في مكان آخر.
بالمعنى الديني والإنساني، هؤلاء الأثرياء مسؤولون أخلاقيًا عن مآسي أبناء منطقتهم المحرومين من كل متطلبات الحياة الكريمة. إلا أن المفارقة أن هؤلاء المحرومين لم يحاسبوا يومًا من أعطوهم ثقتهم، فتراهم يجددون البيعة لهم عند كل استحقاق انتخابي مقابل فتات من رشوات مكشوفة لا تسمن ولا تغني من جوع. فالفقر ليس إذًا فقر المال فقط، لأن هؤلاء الفقراء لو كانوا قد حاسبوا نوابهم وزعماءهم على أفعالهم لكانت أحوالهم قد تغيّرت بالتأكيد. فلو أعطوا صوتهم لمن أمّن لهم عملًا أو ساعدهم في تعليم أبنائهم وتطبيبهم، أو حتى في إصلاح مساكنهم المتصدّعة، ما كانوا ليموتوا اليوم تحت ركام هذه المنازل.
أما المسؤولية الأساسية فتقع بالتأكيد على الدولة بوزاراتها وإداراتها ومؤسساتها، هذه الدولة التي أُدخِلت مرغمة منذ عشرات السنين في “محور” لم يجلب لمواطنيه سوى الفقر والموت والدمار، وهي تصارع اليوم للتخلص من هذا السرطان والبقاء على قيد الحياة. إنها الدولة الخانعة التي ارتضت تحويل لبنان الى مشروع حرب دائمة، وتحويل اقتصاده من اقتصاد منتج ناجح يؤمن الرفاهية للمواطن، الى اقتصاد حربي آخر همه التنمية الاقتصادية والتطوّر والإنسان عمومًا. فمليارات الدولارات التي صُرفت على إعادة الإعمار بعد حرب “لو كنت أعلم” عام 2006، بالإضافة الى المليارات التي ضاعت على الدولة جراء فلتان الحدود وسيطرة “حزب الله” على المرافئ والمرافق والمعابر، إضافة الى المليارات التي نُهِبت بحجة الدعم ومشتقاته، أوصلت الوطن الى الانهيار الاقتصادي الكبير والمواطن الى الفقر والحرمان.
بالإضافة الى ذلك عمل “المحور” على شل جميع مؤسسات الدولة لتقع تحت سيطرته، فكان له ما أراد، وعمّ الخراب على جميع المستويات. ومن نتائج هذه السياسة السيطرة على المؤسسة التشريعية بغط النظر عن الأغلبية النيابية، بموازاة السيطرة على القضاء، فكان القانون الضحية الأولى.
وبالعودة الى مسؤولية الدولة عن الوضع في طرابلس، فلو كان مجلس النواب قد أقر قانونًا عادلًا للإيجارات في الوقت المناسب، لكان ألزم أصحاب الأبنية المتصدعة بإصلاح أبنيتهم وجنّب المستأجرين خطر الموت تحت الأنقاض. إلا أن قانون الإيجار البالي الذي ظل ساريًا حتى تاريخ تعديله عام 2014 ساوى بين المالك والمستأجر في الفقر، وجعل الإثنين عاجزنين عن منع الكارثة المحتّمة.
إلا أن الكارثة التي لم تقع بعد في طرابلس وفي لبنان كله ستقع بالتأكيد في نهاية شباط المقبل، تاريخ سريان المرحلة الأولى من قانون الإيجارات السكنية الذي يسمح للمالك باستعادة مأجوره. فإذا كانت العائلة الطرابلسية المنكوبة التي أخلت المبنى المنهار قبل ساعات من انهياره عادت مرغمة الى منزلها متجاهلة الخطر المحدق بها لا لسبب إلا لأنها لم تجد مأوى لها، فكيف ستجد عشرات آلاف العائلات مأوى لها بعد أسابيع؟
ليس مبنى سكنيًا هو الذي انهار في طرابلس. إنه انعكاس لصورة دولة منهارة لا يمكن أن تقوم إلا على حطام دويلة أوصلت لبنان إلى ما وصل إليه.











