فضيحة أبي عمر… كما ترويها “الفايننشيل تايمز”

“هي قصّة مذهلة تدلّ على مدى هشاشة النخبة السياسيّة اللبنانيّة ومدى سهولة التلاعب بها”، هكذا وصفت صحيفة “فايننشيل تايمز” البريطانيّة قصّة “أبي عمر”، الشخص الذي ادّعى أنّه أمير سعوديّ وتمكّن من خداع بعضٍ من أقوى الشخصيّات السياسيّة في لبنان، فكشف في الوقت نفسه عن مواطن ضعفٍ عميقةٍ في النظام السياسيّ للبلاد، الذي يتأثّر بشدّة بالانقسامات الطائفيّة والاعتماد على الرعاية والدعم الخارجيَّين.
تعيد مراسلة الصحيفة المقيمة في بيروت، ملايكا كنعان تابر، التي تغطّي أخبار لبنان وغزّة وسوريا منذ عام 2024، رواية قصّة “الأمير السعوديّ الوهميّ” على النحو الآتي:
“بدأت الفضيحة بالظهور عندما تبيّن أنّه، قبل ساعاتٍ فقط من تصويت البرلمان اللبنانيّ على اختيار رئيس وزراء جديد العام الماضي، تلقّى عدد من النواب اتّصالاً هاتفيّاً من شخص ادّعى أنّه من العائلة المالكة السعوديّة. خلال المكالمة، التي وُضعت على مكبّر الصوت، حذّر المتّصل النوّاب من تسمية رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، قائلاً إنّ هذه التعليمات صادرة مباشرة عن الديوان الملكيّ السعوديّ. أكّد أحد النوّاب لزملائه أنّه يتحدّث كثيراً مع هذا “الأمير”، وهو ما منح المكالمة صدقيّة إضافيّة.
بحسب النائب أحمد الخير، الذي كان حاضراً، ساهم هذا التدخّل في إقناع بعض النوّاب بتغيير تصويتهم لمصلحة نوّاف سلام، الذي أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء (مع أنّه كان سيفوز على أيّ حال). لكن اتّضح لاحقاً أنّ المتّصل لم يكن أميراً من العائلة المالكة السعوديّة على الإطلاق، بل كان عاملاً فقيراً في الأربعينيّات من عمره من شمال لبنان يعمل في تصليح السيّارات، وقام بتحريضٍ من شيخٍ محلّيّ نافذٍ باحتيال سياسيّ جريء أذهل البلاد.
مرشّح أهداه سيّارة
على مدى عدّة أشهر، يبدو أنّ هذا الأمير الوهميّ قد خدع شريحة واسعة من النخبة السياسيّة اللبنانيّة. اقتنع بعض السياسيّين بشدّة بنفوذ أبي عمر إلى درجة أنّه يُقال إنّ أحد المرشّحين للنيابة أهدى ابن الشيخ سيّارة، معتقداً أنّ ذلك سيعزّز حظوظه، قبل أن يستعيدها لاحقاً. كما يُزعم أنّ سياسيّاً آخر طلب من “الأمير أبي عمر” مساعدة ابنه على الفوز بميداليّات في الفروسيّة في السعوديّة. حاول الأمير المزيّف أيضاً التأثير على عدّة كتل برلمانيّة قبل التصويت، وفقاً لرسائل اطّلعت عليها صحيفة “فايننشيل تايمز”.
لكنّ الخدعة انكشفت في نهاية المطاف وأثارت عاصفة إعلاميّة وسخرية واسعة بين اللبنانيّين، الذين أُصيبوا بالذهول من سهولة خداع قادتهم. في الوقت نفسه، أثارت القضيّة غضباً وإحراجاً كبيرين، إذ سلّطت الضوء على مدى استعداد السياسيّين لتلقّي التعليمات من مبعوث أجنبيّ مزعوم لم يسبق لهم لقاؤه.
يقول محلّلون إنّ الفضيحة تكشف عن مشكلة أعمق في الثقافة السياسيّة اللبنانيّة. يرى سامي عطا الله، المدير المؤسّس لمركز “مبادرة السياسة” للأبحاث في بيروت، أنّ هذه القضيّة تُظهر مدى اعتماد النخبة السياسيّة اللبنانيّة على القوى الأجنبيّة. يقول إنّ السياسيّين متلهّفون بشدّة للحصول على إشارات وتوجيهات من دول مثل السعوديّة، حتّى إنّهم لا يتحقّقون من صدقيّة وصحّة الإشارات أو التعليمات التي يعتقدون أنّها صادرة من هذه الدول.
أوضح أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة، عماد سلامة، أنّ الخدعة استغلّت النظام السياسيّ الطائفيّ في لبنان، حيث تتنافس القوى السنّيّة والشيعيّة والمسيحيّة على كسب دعم دول خارجيّة لتعزيز نفوذها الداخليّ. ويفتخر العديد من السياسيّين بوجود داعمين خارجيّين أقوياء، مثل السعوديّة أو إيران أو الولايات المتّحدة، ويستخدمون هذا الدعم لفرض نفوذهم داخل طوائفهم أوّلاً، ثمّ في مواجهة الطوائف الأخرى. وقد سهّلت هذه البيئة على وسيط خارجيّ مزيّف اكتساب الصدقيّة.
كانت السعوديّة تاريخيّاً داعماً أساسيّاً لعدد من أبرز السياسيّين السنّة في لبنان، ولذا كان ادّعاء وجود تدخّل من الديوان الملكيّ السعوديّ أمراً مقنعاً للكثيرين. في قلب الخدعة كان شخصان من منطقة عكّار المهمّشة في شمال لبنان: مصطفى الحسيان، المتّهم بانتحال صفة الأمير “أبي عمر”، والشيخ خلدون عريمط، وهو رجل دين سنّيّ في السبعينيّات من عمره كان قد بنى شبكة علاقات واسعة داخل المؤسّسات السنّيّة ومع رجال أعمال في الخليج.
استخدم رقماً بريطانيّاً
وفقاً لمصادر أمنيّة وسياسيّة تحدّثت إلى “فايننشيل تايمز”، كان الشيخ عريمط يقوم بتعريف السياسيّين إلى “أبي عمر” عبر الهاتف. ثمّ كان الحسيان يتحدّث إليهم من رقم بريطانيّ، منتحلاً صفة الأمير، من دون أن يلتقي بهم شخصيّاً، ويناقش معهم خلال هذه المكالمات الشأن اللبنانيّ، ويقترح أحياناً مرشّحين لدعمهم أو لقائهم.
لا تزال دوافع هذه العمليّة غامضة. يعتقد مراقبون أنّها كانت مدفوعة بمزيج من المصالح والمكاسب الماليّة والرغبة في النفوذ السياسيّ. قال محامي أحد المرشّحين البرلمانيّين الذين وقعوا ضحية الاحتيال إنّ “أبا عمر” اقترح على موكّله “الاهتمام” بالشيخ عريمط، بما في ذلك التبرّع لمنظّمات مرتبطة به. أكّد محامو الحسيان أنّ السياسيّين شُجّعوا على دعم الشيخ، لكنّهم زعموا أنّ الحسيان لم يطلب المال لنفسه بشكل مباشر.
تمّ توقيف كلّ من الحسيان وعريمط، ووُجّهت إليهما تهم الاحتيال والابتزاز وانتحال الصفة والتأثير على قرارات وتصويت السياسيّين، والإضرار بالعلاقات اللبنانيّة – السعوديّة. وتمّ استدعاء عدد من السياسيّين للإدلاء بشهاداتهم، واتُّهم شيخ آخر بالإدلاء بشهادة كاذبة. ولم تبدأ المحاكمة بعد، ولا يزال من غير الواضح وجود متورّطين آخرين.
من أكثر الجوانب إثارة للدهشة كيفيّة تمكّن الحسيان، القادم من منطقة وادي خالد النائية قرب الحدود السوريّة، من انتحال شخصيّة أحد أفراد العائلة المالكة السعوديّة ببراعة، من حيث تقليد اللهجة السعوديّة وإقناع كبار المسؤولين بأنّه أمير. يقول البعض إنّ لهجته المحليّة تشبه اللهجة السعوديّة إلى حدّ ما، وهو ما ساعده على الخداع. أصبح مرتبطاً بشخصيّة أبي عمر حتّى إنّ محامييه أنفسهم يستخدمون هذا الاسم للإشارة إليه.
تعرّض للضّرب
أصدرت عائلة الحسيان بياناً مصوّراً زعمت فيه أنّه يعيش حياة بسيطة ولا تتجاوز علاقاته دائرته الضيّقة، وأنّه ربّما كان ضحيّة تلاعب واستغلال. وفقاً للمحامين، تعرّف الحسيان إلى الشيخ عريمط أثناء تلقّيه مساعدات غذائيّة منه، وأصبح ضيفاً دائماً عليه، ثمّ بدأ عريمط يطلب منه إجراء مكالمات باسم “أبي عمر”، مكتفياً بتعويضه بـ”مساعدات” فقط، بما في ذلك تكاليف علاج طبّي. يدّعي محامو الحسيان أنّه تعرّض للضرب على يد معاوني أحد المرشّحين السياسيّين الساخطين بعد اكتشاف الاحتيال.
من جهته، أقرّ محامي عريمط، وهو ابنه أيضاً، بأنّ الشيخ عرّف السياسيّين إلى أبي عمر، لكن لاعتقاده بأنّه عضو حقيقيّ في البلاط الملكيّ السعوديّ. قال إنّ والده ينفي تورّطه في هذه العمليّة الاحتياليّة أو سعيه وراء مكاسب ماليّة، وزعم أنّ عريمط نفسه تعرّف إلى أبي عمر عن طريق شيخ آخر. أضاف أنّ والده يعتقد أنّ الحسيان لا يمكن أن يكون الصوت الذي يقف وراء أبي عمر لأنّه “بحسب ما قاله والدي، [أبو عمر] شخصيّة مثقّفة للغاية، مطّلعة على الشؤون اللبنانيّة والخليجيّة، ومن المستحيل أن يكون هو نفسه مصطفى الحسيان، مستحيل”.
لم يقتصر خداع الأمير المزيّف على الوافدين الجدد إلى الساحة السياسيّة، بل شمل أيضاً شخصيّات سياسيّة بارزة. من بين التساؤلات العديدة التي لا تزال مطروحة عن هذه العمليّة، الدافع الحقيقيّ وراءها. لكنّ المراقبين يرون أنّ المحتالين مدفوعون، على ما يبدو، بمزيج من المكاسب الماليّة والرغبة الجامحة في السلطة.
غير أنّ هذه الفضيحة أصبحت في نهاية المطاف رمزاً لهشاشة النخبة السياسيّة اللبنانيّة ولمدى سهولة التلاعب بها. وفقاً لسلامة، الضحايا الحقيقيّون هم الشعب اللبنانيّ، الذي يحكمه سياسيّون يعتمدون اعتماداً كبيراً على موافقة جهات خارجيّة، إلى درجة أنّه قد يُضلِّلهم أيّ شخص يدّعي تمثيل قوى ومصالح خارجيّة نافذة.
فضيحة أبي عمر… كما ترويها “الفايننشيل تايمز”

“هي قصّة مذهلة تدلّ على مدى هشاشة النخبة السياسيّة اللبنانيّة ومدى سهولة التلاعب بها”، هكذا وصفت صحيفة “فايننشيل تايمز” البريطانيّة قصّة “أبي عمر”، الشخص الذي ادّعى أنّه أمير سعوديّ وتمكّن من خداع بعضٍ من أقوى الشخصيّات السياسيّة في لبنان، فكشف في الوقت نفسه عن مواطن ضعفٍ عميقةٍ في النظام السياسيّ للبلاد، الذي يتأثّر بشدّة بالانقسامات الطائفيّة والاعتماد على الرعاية والدعم الخارجيَّين.
تعيد مراسلة الصحيفة المقيمة في بيروت، ملايكا كنعان تابر، التي تغطّي أخبار لبنان وغزّة وسوريا منذ عام 2024، رواية قصّة “الأمير السعوديّ الوهميّ” على النحو الآتي:
“بدأت الفضيحة بالظهور عندما تبيّن أنّه، قبل ساعاتٍ فقط من تصويت البرلمان اللبنانيّ على اختيار رئيس وزراء جديد العام الماضي، تلقّى عدد من النواب اتّصالاً هاتفيّاً من شخص ادّعى أنّه من العائلة المالكة السعوديّة. خلال المكالمة، التي وُضعت على مكبّر الصوت، حذّر المتّصل النوّاب من تسمية رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، قائلاً إنّ هذه التعليمات صادرة مباشرة عن الديوان الملكيّ السعوديّ. أكّد أحد النوّاب لزملائه أنّه يتحدّث كثيراً مع هذا “الأمير”، وهو ما منح المكالمة صدقيّة إضافيّة.
بحسب النائب أحمد الخير، الذي كان حاضراً، ساهم هذا التدخّل في إقناع بعض النوّاب بتغيير تصويتهم لمصلحة نوّاف سلام، الذي أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء (مع أنّه كان سيفوز على أيّ حال). لكن اتّضح لاحقاً أنّ المتّصل لم يكن أميراً من العائلة المالكة السعوديّة على الإطلاق، بل كان عاملاً فقيراً في الأربعينيّات من عمره من شمال لبنان يعمل في تصليح السيّارات، وقام بتحريضٍ من شيخٍ محلّيّ نافذٍ باحتيال سياسيّ جريء أذهل البلاد.
مرشّح أهداه سيّارة
على مدى عدّة أشهر، يبدو أنّ هذا الأمير الوهميّ قد خدع شريحة واسعة من النخبة السياسيّة اللبنانيّة. اقتنع بعض السياسيّين بشدّة بنفوذ أبي عمر إلى درجة أنّه يُقال إنّ أحد المرشّحين للنيابة أهدى ابن الشيخ سيّارة، معتقداً أنّ ذلك سيعزّز حظوظه، قبل أن يستعيدها لاحقاً. كما يُزعم أنّ سياسيّاً آخر طلب من “الأمير أبي عمر” مساعدة ابنه على الفوز بميداليّات في الفروسيّة في السعوديّة. حاول الأمير المزيّف أيضاً التأثير على عدّة كتل برلمانيّة قبل التصويت، وفقاً لرسائل اطّلعت عليها صحيفة “فايننشيل تايمز”.
لكنّ الخدعة انكشفت في نهاية المطاف وأثارت عاصفة إعلاميّة وسخرية واسعة بين اللبنانيّين، الذين أُصيبوا بالذهول من سهولة خداع قادتهم. في الوقت نفسه، أثارت القضيّة غضباً وإحراجاً كبيرين، إذ سلّطت الضوء على مدى استعداد السياسيّين لتلقّي التعليمات من مبعوث أجنبيّ مزعوم لم يسبق لهم لقاؤه.
يقول محلّلون إنّ الفضيحة تكشف عن مشكلة أعمق في الثقافة السياسيّة اللبنانيّة. يرى سامي عطا الله، المدير المؤسّس لمركز “مبادرة السياسة” للأبحاث في بيروت، أنّ هذه القضيّة تُظهر مدى اعتماد النخبة السياسيّة اللبنانيّة على القوى الأجنبيّة. يقول إنّ السياسيّين متلهّفون بشدّة للحصول على إشارات وتوجيهات من دول مثل السعوديّة، حتّى إنّهم لا يتحقّقون من صدقيّة وصحّة الإشارات أو التعليمات التي يعتقدون أنّها صادرة من هذه الدول.
أوضح أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة، عماد سلامة، أنّ الخدعة استغلّت النظام السياسيّ الطائفيّ في لبنان، حيث تتنافس القوى السنّيّة والشيعيّة والمسيحيّة على كسب دعم دول خارجيّة لتعزيز نفوذها الداخليّ. ويفتخر العديد من السياسيّين بوجود داعمين خارجيّين أقوياء، مثل السعوديّة أو إيران أو الولايات المتّحدة، ويستخدمون هذا الدعم لفرض نفوذهم داخل طوائفهم أوّلاً، ثمّ في مواجهة الطوائف الأخرى. وقد سهّلت هذه البيئة على وسيط خارجيّ مزيّف اكتساب الصدقيّة.
كانت السعوديّة تاريخيّاً داعماً أساسيّاً لعدد من أبرز السياسيّين السنّة في لبنان، ولذا كان ادّعاء وجود تدخّل من الديوان الملكيّ السعوديّ أمراً مقنعاً للكثيرين. في قلب الخدعة كان شخصان من منطقة عكّار المهمّشة في شمال لبنان: مصطفى الحسيان، المتّهم بانتحال صفة الأمير “أبي عمر”، والشيخ خلدون عريمط، وهو رجل دين سنّيّ في السبعينيّات من عمره كان قد بنى شبكة علاقات واسعة داخل المؤسّسات السنّيّة ومع رجال أعمال في الخليج.
استخدم رقماً بريطانيّاً
وفقاً لمصادر أمنيّة وسياسيّة تحدّثت إلى “فايننشيل تايمز”، كان الشيخ عريمط يقوم بتعريف السياسيّين إلى “أبي عمر” عبر الهاتف. ثمّ كان الحسيان يتحدّث إليهم من رقم بريطانيّ، منتحلاً صفة الأمير، من دون أن يلتقي بهم شخصيّاً، ويناقش معهم خلال هذه المكالمات الشأن اللبنانيّ، ويقترح أحياناً مرشّحين لدعمهم أو لقائهم.
لا تزال دوافع هذه العمليّة غامضة. يعتقد مراقبون أنّها كانت مدفوعة بمزيج من المصالح والمكاسب الماليّة والرغبة في النفوذ السياسيّ. قال محامي أحد المرشّحين البرلمانيّين الذين وقعوا ضحية الاحتيال إنّ “أبا عمر” اقترح على موكّله “الاهتمام” بالشيخ عريمط، بما في ذلك التبرّع لمنظّمات مرتبطة به. أكّد محامو الحسيان أنّ السياسيّين شُجّعوا على دعم الشيخ، لكنّهم زعموا أنّ الحسيان لم يطلب المال لنفسه بشكل مباشر.
تمّ توقيف كلّ من الحسيان وعريمط، ووُجّهت إليهما تهم الاحتيال والابتزاز وانتحال الصفة والتأثير على قرارات وتصويت السياسيّين، والإضرار بالعلاقات اللبنانيّة – السعوديّة. وتمّ استدعاء عدد من السياسيّين للإدلاء بشهاداتهم، واتُّهم شيخ آخر بالإدلاء بشهادة كاذبة. ولم تبدأ المحاكمة بعد، ولا يزال من غير الواضح وجود متورّطين آخرين.
من أكثر الجوانب إثارة للدهشة كيفيّة تمكّن الحسيان، القادم من منطقة وادي خالد النائية قرب الحدود السوريّة، من انتحال شخصيّة أحد أفراد العائلة المالكة السعوديّة ببراعة، من حيث تقليد اللهجة السعوديّة وإقناع كبار المسؤولين بأنّه أمير. يقول البعض إنّ لهجته المحليّة تشبه اللهجة السعوديّة إلى حدّ ما، وهو ما ساعده على الخداع. أصبح مرتبطاً بشخصيّة أبي عمر حتّى إنّ محامييه أنفسهم يستخدمون هذا الاسم للإشارة إليه.
تعرّض للضّرب
أصدرت عائلة الحسيان بياناً مصوّراً زعمت فيه أنّه يعيش حياة بسيطة ولا تتجاوز علاقاته دائرته الضيّقة، وأنّه ربّما كان ضحيّة تلاعب واستغلال. وفقاً للمحامين، تعرّف الحسيان إلى الشيخ عريمط أثناء تلقّيه مساعدات غذائيّة منه، وأصبح ضيفاً دائماً عليه، ثمّ بدأ عريمط يطلب منه إجراء مكالمات باسم “أبي عمر”، مكتفياً بتعويضه بـ”مساعدات” فقط، بما في ذلك تكاليف علاج طبّي. يدّعي محامو الحسيان أنّه تعرّض للضرب على يد معاوني أحد المرشّحين السياسيّين الساخطين بعد اكتشاف الاحتيال.
من جهته، أقرّ محامي عريمط، وهو ابنه أيضاً، بأنّ الشيخ عرّف السياسيّين إلى أبي عمر، لكن لاعتقاده بأنّه عضو حقيقيّ في البلاط الملكيّ السعوديّ. قال إنّ والده ينفي تورّطه في هذه العمليّة الاحتياليّة أو سعيه وراء مكاسب ماليّة، وزعم أنّ عريمط نفسه تعرّف إلى أبي عمر عن طريق شيخ آخر. أضاف أنّ والده يعتقد أنّ الحسيان لا يمكن أن يكون الصوت الذي يقف وراء أبي عمر لأنّه “بحسب ما قاله والدي، [أبو عمر] شخصيّة مثقّفة للغاية، مطّلعة على الشؤون اللبنانيّة والخليجيّة، ومن المستحيل أن يكون هو نفسه مصطفى الحسيان، مستحيل”.
لم يقتصر خداع الأمير المزيّف على الوافدين الجدد إلى الساحة السياسيّة، بل شمل أيضاً شخصيّات سياسيّة بارزة. من بين التساؤلات العديدة التي لا تزال مطروحة عن هذه العمليّة، الدافع الحقيقيّ وراءها. لكنّ المراقبين يرون أنّ المحتالين مدفوعون، على ما يبدو، بمزيج من المكاسب الماليّة والرغبة الجامحة في السلطة.
غير أنّ هذه الفضيحة أصبحت في نهاية المطاف رمزاً لهشاشة النخبة السياسيّة اللبنانيّة ولمدى سهولة التلاعب بها. وفقاً لسلامة، الضحايا الحقيقيّون هم الشعب اللبنانيّ، الذي يحكمه سياسيّون يعتمدون اعتماداً كبيراً على موافقة جهات خارجيّة، إلى درجة أنّه قد يُضلِّلهم أيّ شخص يدّعي تمثيل قوى ومصالح خارجيّة نافذة.










