استياءُ الخماسية من قرار الحكومة

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
19 شباط 2026

تراقب الأوساط اللبنانية، ولا سيما منها الرسمية، الإشارات المتناقضة الصادرة عن التطورات المتعلقة بالمفاوضات بين واشنطن وطهران. وذلك لإدراكها أنّ المأزق الصعب الذي يمرّ فيه لبنان، والمتعلق باستكمال خطة الجيش عبر الإنتقال إلى المرحلة الأصعب والأخطر والمحدّدة بالمرحلة الثانية، قد يكون مفتاح الفرج موجود في ما ستؤول إليه نتائج هذه المفاوضات. مع الإشارة هنا إلى أنّ الرسائل التي تعمل إيران على توزيعها بكثرة وعلى مستويات عدة، تشمل الساحة اللبنانية، من خلال المواقف المتلاحقة التي يطلقها الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم.

تتضارب القراءات المتعلقة بالمسار التفاوضي بين واشنطن وطهران. ففي الوقت الذي يعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن تحقيق تقدّم مهم إثر الجولة الثانية من المفاوضات، وهو ما يوافق عليه الجانب الأميركي، تتصاعد لغة الرسائل الحربية والتهديدات المتبادلة والحديث عن اقتراب ساعة الصفر لإطلاق العملية العسكرية. وتعتمد واشنطن كما طهران، أسلوب المزج بين التمسك بالمسار التفاوضي الشائك وبين التلويح بأدوات الضغط العسكري. وإذا كانت الجلسة الأولى التي عُقدت في مسقط هدفت إلى جسّ نبض الفريق المقابل، فإنّ الجلسة الثانية في جنيف جاءت لتثبيت الخطوط الحمر لكلا الجانبين. ولكن إلى جانب الحركة التفاوضية، كانت الرسائل العسكرية تتطاير في كل الإتجاهات، ربما بهدف تعزيز الموقع التفاوضي لكلا الجانبين.

 

وإلى جانب المناورات المنفردة التي نفّذتها إيران خلال اليومين الماضيين في مضيق هرمز، والذي يمرّ عبره يومياً نحو 20% من حركة النفط العالمية، عملت طهران على تكثيف تنسيقها العسكري مع موسكو وبكين، عبر مناورات مشتركة وصفقات تسليحية وتسلُّم شحنات عسكرية، في رسالة واضحة إلى واشنطن وتل أبيب. لكن هذه الرسائل لا تعني نية الصين وروسيا الدخول مباشرة في أي مواجهة عسكرية إلى جانب إيران، فهذا اعتقاد غير واقعي، بمقدار ما هي إشارات ترمز إلى وقوفهما إلى جانب إيران، وعدم رغبتهما رؤية إيران تتعرّض للإضعاف أو الإنهيار. مع الإشارة إلى أنّ المناورة العسكرية الإيرانية ـ الروسية تحصل في خليج عمان، حيث تتمركز حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لينكولن” مع مجموعتها الحربية. كذلك فإنّ التلويح الإيراني بورقة مضيق هرمز هو بمثابة استعداد إيران للعب على حافة الهاوية، وهي رسالة ليست موجّهة فقط إلى واشنطن وإنما أيضاً إلى دول الخليج العربي، ومفادها أنّ الحرب ستطاول مباشرة إقتصاد دول هذه المنطقة واستقرارها. وهو ما يعني أن تستخدم هذه الدول نفوذها لدى واشنطن لمنع أي تحرك حربي أميركي، أي زيادة أوراق الضغط التفاوضية على الجانب الأميركي.

 

ووفق الكواليس الديبلوماسية، فإنّ طهران كانت قد رفضت الإقتراح الأميركي بعقد الجلسة الثانية من المفاوضات في إيطاليا بسبب “المواقف العدائية للإتحاد الأوروبي، وإدراجه الحرس الثوري على لائحة الإرهاب”، واقترحت سويسرا في اعتبارها دولة أوروبية خارج عضوية الإتحاد الأوروبي، كما أنّها وسيط رسمي بين طهران وواشنطن، وهي تتولّى أيضاً رعاية المصالح الأميركية في إيران.

 

وفي المقابل، فإنّ واشنطن استمرت في تحشيد قواتها العسكرية في المنطقة، وهي أرسلت حاملة الطائرات الثانية والأكثر تطوراً في العالم إلى المنطقة. وأرفقت ذلك برفع مستوى التهديدات. فخلال وجوده في تل أبيب، اعتبر السيناتور الأميركي ليندسي غراهام والمعروف بقربه الشديد من الرئيس الأميركي، أنّ قرار ضرب إيران بات وشيكاً، وعلى بُعد أسابيع وليس أشهراً. وعلّل ذلك بقوله، إنّه إذا لم تتمّ الإطاحة بخامنئي فسيشكّل ذلك انتصاراً استراتيجياً للجمهورية الإسلامية. وأضاف، أنّ هنالك مسارين واضحين، أحدهما ديبلوماسي والآخر عسكري، وكلاهما يهدفان إلى إيجاد سبيل لإنهاء هذا النظام.

 

وفي هذا الوقت، نفّذ الجيش الأميركي حركة غامضة تمثلت بخفض عديد قواته في سوريا والعراق، وانسحابه الكامل من قواعد كانت تصنّف في خانة الأهمية الإستراتيجية. فبعد إخلاء قاعدة التنف عند المثلث السوري ـ الأردني ـ العراقي، عمدت قيادة الـ”سينتكوم” إلى خفض عديدها في العراق إلى أكثر من النصف، وسحب المعدات والأسلحة الهجومية والإبقاء على المعدات الدفاعية. وسُجّل إخلاء القوات الأميركية لقاعدة “عين الأسد” أكبر القواعد في العراق، حيث حلّ مكانها الجيش العراقي. وبات الحضور العسكري في العراق يقارب نحو الـ1000 جندي فقط موزعين بين أربيل وفي السفارة الأميركية في “المنطقة الخضراء” في بغداد وبالقرب من المطار. مع التذكير هنا بأنّ الهجوم الصاروخي الذي نفّذته إيران انتقاماً لاغتيال قاسم سليماني في كانون الثاني 2020 طاول يومها قاعدة “عين الأسد”. وفي تقييم أولي، فإنّ الإنسحابات الأميركية شملت مناطق تُعتبر رخوة أو سهلة الإستهداف، وهي تقع ضمن مدى الردّ الإيراني. وهو ما يؤشر في قراءة أولية إلى أنّ قيادة “سينتكوم” تعمل على تحضير الساحة لاستيعاب الردّ الإيراني على الضربة العسكرية التي تلوّح بها واشنطن. وهو ما يرجح فرضية حصول الضربة، أو ربما الإيحاء بذلك لأغراض تعزيز الموقع التفاوضي.

 

لكن هنالك من يعتبر أنّ التفاؤل الذي صدر بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات مضلّل، وقد يقود إلى قراءات خاطئة للمسار الفعلي للتطورات. فصحيح أنّ التحشيد الأميركي الضخم يتمّ توظيفه في الملعب التفاوضي، لكن انفلات الوضع في اتجاه الحرب بات قابلاً للحصول في لحظة مفاجئة. وتدرك طهران، وكذلك واشنطن، أنّ الضربة المواجهة ستكون شاملة، ولن تقتصر على الضربات الجوية فقط، بل ستكون مزيجاً من عمليات جوية وبحرية وبرية وأيضاً إستخباراتية، إلى جانب إثارة تمرّد داخلي قد يكون مسلحاً هذه المرّة، وما حصل الشهر الماضي في إيران قد يشكّل مؤشراً مبكراً في هذا الإتجاه.

 

ووسط هذا التضارب في الرؤية، فإنّ أوساطاً ديبلوماسية مراقبة تقرأ في رسائل التصعيد العسكري مؤشرات تسوية. فهي ترى أنّ صورة التحدّي الجاري إبرازها تهدف إلى منح الشارع “إنتصاراً” شكلياً، بهدف تأمين مناخ مساعد لتنازلات في الجوهر لاحقاً. ووفق هذه الأوساط الديبلوماسية الأوروبية الواسعة الإطلاع، فإنّ الخلافات حول الملف النووي باتت ضيّقة، بحيث انّ قبول واشنطن بتخصيب إيران لنسبة منخفضة من اليورانيوم تُستخدم للأغراض السلمية، في مقابل قبول طهران برقابة أميركية دائمة على عملية التخصيب. وفي وقت ترفض إيران أي تراجع في ملف الصواريخ، تمّ طرح إقتراح لا يزال غير واضح التفاصيل، ويقضي بالمقايضة بين ملفي الصواريخ والنفوذ الإيراني في المنطقة، أو ما بات يُعرف بالأذرع. ولفت في هذا المجال، ما بدأ يتسرّب من العراق حول وجود بوادر لإجهاض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة.

 

وسط هذا المناخ الإقليمي المتشابك والمعقّد، يعمد لبنان إلى محاولة إمرار المرحلة. ولا بدّ أن تكون واشنطن قد قرأت جيداً الرسائل الإيرانية التصعيدية من خلال إطلالات الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم المتلاحقة. وفي وقت كرّر قاسم عدم استعداد “حزب الله” لتسليم السلاح، كانت قيادة الحزب تُبلغ إلى المسؤولين اللبنانيين على المستويين السياسي والعسكري، وقف التعاون في موضوع المرحلة الثانية من خطة الجيش، وأنّ الخطة انتهت مع انتهاء مرحلتها الأولى، وأنّ “حزب الله” لن يقبل بتسليم أي قطعة سلاح بعد الآن. وفي موازاة ذلك، تمّ تجميد عملية التواصل التي كانت قائمة على المستوى المركزي، ولو أنّها بقيت قائمة على مستوى مسؤولي المناطق. وهذا الموقف وضع الحكومة في موقع حرج، وهي التي تعوّل على مؤتمر باريس والمخصص لدعم الجيش. فالدول المشاركة كانت اشترطت، وإن بشكل غير معلن، نتائج ملموسة حول موضوع السلاح من خلال تحديد الحكومة لبرنامج زمني واضح يتعلق بالمرحلة الثانية. ولذلك عَمَد مجلس الوزراء إلى الخروج بحل على الطريقة اللبنانية، أي ما تمّ إعلانه عن تنفيذ خلال أربعة أشهر قد تتمدّد إلى الثمانية وربما أكثر من ذلك. في الواقع هذا القرار هو على الطريقة “اللبنانية”، لكن العواصم المعنية بملف مؤتمر دعم الجيش لم تأخذ به، لا بل استاءت منه.

 

وخلال اجتماع سفراء “الخماسية” في السفارة المصرية، تعاطى الجميع بسلبية مع ما صدر، وكان الأكثر سلبية وتشدّداً الموقفان الأميركي والسعودي. فالإنطباع الغالب كان أنّ السلطة اللبنانية ومن خلال سلوكها، تمنح الوقت الثمين لـ”حزب الله” ليتابع عملية إعادة بناء قدراته العسكرية، وأنّ إسرائيل لن تقبل بالإنسحاب من أي موقع في ظل عمل الحزب على استعادة قوته العسكرية. وتمّ التوافق على اللقاء مع قائد الجيش للوقوف على الخلفية الحقيقية للقرار. لكنه بات واضحاً أنّ مؤتمر دعم الجيش في باريس في الخامس من الشهر المقبل، لن يشهد نتائج مهمّة. لا بل فإنّ مستوى المشاركة سيكون مخفوضاً. وكانت هنالك مساعٍ لتأجيل انعقاده، لكن تمسّك الرئيس الفرنسي به حتّم انعقاده ولو على مستوى مخفوض. وسبب إصرار ماكرون يعود في أحد جوانبه إلى تأمين ما يمكن تأمينه للجيش ولو بالحدّ الأدنى، لكن الجانب الأهم له يعود للتمسك بموقع فرنسا ودورها في لبنان وفي لجنة “الميكانيزم” تحديداً، بعد ظهور مخاوف من سعي واشنطن لإخراج باريس من هذه اللجنة. وبذلك يشكّل الدور الفرنسي من خلال المؤتمر عاملاً مساعداً لمنع إخراج فرنسا من الملعب اللبناني. والإجتماع التحضيري لمؤتمر باريس الذي سيُعقد في القاهرة سيكون محدوداً بعض الشيء، مع مشاركة أقل من 10 دول. فإضافة إلى دول “الخماسية” ستحضر ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا إضافة إلى ممثل عن الإتحاد الأوروبي. وهو ما يعطي صورة مسبقة عن النتائج التي سيخرج بها مؤتمر دعم الجيش في باريس، في وقت كانت الترجيحات تتحدث سابقاً عن نحو مليار دولار سنوياً، كما أوحى مؤتمر روما سابقاً.

 

ولكن ثمة ما هو أسوأ. ففي إطار الموقف الأميركي المتشدّد، تمّ إدراج اقتراح يقضي بالإنتظار حتى مطلع الصيف، أي مع انقضاء مهلة الأربعة أشهر التي أشار إليها مجلس الوزراء اللبناني، وإذا لم تحصل خطوات جدّية فهنالك من يدعو إلى خفض مستوى المساعدات القائمة حالياً والجاري تقديمها للجيش، والتي مصدرها الولايات المتحدة في شكل رئيسي إضافة الى قطر. صحيح أنّ المروحيات الأميركية وعددها 8 والمقدّمة من ضمن المساعدات الأميركية للجيش قد وصلت إلى لبنان، ويتمّ العمل على تركيبها ودهنها وتحضيرها تمهيداً للإعلان رسمياً عن تسلّمها وإدخالها مجال العمل، إلّا أنّها تدخل في إطار البرمجة المسبقة. وتتمسك واشنطن بالمرحلة الثانية لاعتبارها أنّها المرحلة الأهم، خصوصاً أنّ المنطقة المعنية تختزن قدرات هجومية كبيرة ومهمّة وقادرة على إعادة قلب كل الوضع جنوب الليطاني في مدة زمنية قصيرة جداً. كما أنّها تُعتبر خزان دعم ورفد دائمين للمنطقة الجنوبية.

 

ولأنّ السلطة اللبنانية رسمت خطاً أحمر لها، ويقضي بعدم الذهاب إلى أي صدام داخلي، وسط إصرار “حزب الله” على مواجهة أي محاولة للإقتراب من سلاحه شمال الليطاني، فإنّ واشنطن والتي تخوض مفاوضات صعبة مع إيران حول نفوذها العسكري الإقليمي وخصوصاً في لبنان، تعمل على الضغط أكثر في اتجاه بيروت لإضعاف ورقة إيران التفاوضية في لبنان، خصوصاً تحت ضغوط نتنياهو المحشور داخلياً والداعي إلى حلول حربية مع إيران، تؤدي إلى تغيير وجه المنطقة إلى الأبد، وهو ما دأب على التبشير به منذ عملية السابع من أكتوبر.

استياءُ الخماسية من قرار الحكومة

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
19 شباط 2026

تراقب الأوساط اللبنانية، ولا سيما منها الرسمية، الإشارات المتناقضة الصادرة عن التطورات المتعلقة بالمفاوضات بين واشنطن وطهران. وذلك لإدراكها أنّ المأزق الصعب الذي يمرّ فيه لبنان، والمتعلق باستكمال خطة الجيش عبر الإنتقال إلى المرحلة الأصعب والأخطر والمحدّدة بالمرحلة الثانية، قد يكون مفتاح الفرج موجود في ما ستؤول إليه نتائج هذه المفاوضات. مع الإشارة هنا إلى أنّ الرسائل التي تعمل إيران على توزيعها بكثرة وعلى مستويات عدة، تشمل الساحة اللبنانية، من خلال المواقف المتلاحقة التي يطلقها الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم.

تتضارب القراءات المتعلقة بالمسار التفاوضي بين واشنطن وطهران. ففي الوقت الذي يعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن تحقيق تقدّم مهم إثر الجولة الثانية من المفاوضات، وهو ما يوافق عليه الجانب الأميركي، تتصاعد لغة الرسائل الحربية والتهديدات المتبادلة والحديث عن اقتراب ساعة الصفر لإطلاق العملية العسكرية. وتعتمد واشنطن كما طهران، أسلوب المزج بين التمسك بالمسار التفاوضي الشائك وبين التلويح بأدوات الضغط العسكري. وإذا كانت الجلسة الأولى التي عُقدت في مسقط هدفت إلى جسّ نبض الفريق المقابل، فإنّ الجلسة الثانية في جنيف جاءت لتثبيت الخطوط الحمر لكلا الجانبين. ولكن إلى جانب الحركة التفاوضية، كانت الرسائل العسكرية تتطاير في كل الإتجاهات، ربما بهدف تعزيز الموقع التفاوضي لكلا الجانبين.

 

وإلى جانب المناورات المنفردة التي نفّذتها إيران خلال اليومين الماضيين في مضيق هرمز، والذي يمرّ عبره يومياً نحو 20% من حركة النفط العالمية، عملت طهران على تكثيف تنسيقها العسكري مع موسكو وبكين، عبر مناورات مشتركة وصفقات تسليحية وتسلُّم شحنات عسكرية، في رسالة واضحة إلى واشنطن وتل أبيب. لكن هذه الرسائل لا تعني نية الصين وروسيا الدخول مباشرة في أي مواجهة عسكرية إلى جانب إيران، فهذا اعتقاد غير واقعي، بمقدار ما هي إشارات ترمز إلى وقوفهما إلى جانب إيران، وعدم رغبتهما رؤية إيران تتعرّض للإضعاف أو الإنهيار. مع الإشارة إلى أنّ المناورة العسكرية الإيرانية ـ الروسية تحصل في خليج عمان، حيث تتمركز حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لينكولن” مع مجموعتها الحربية. كذلك فإنّ التلويح الإيراني بورقة مضيق هرمز هو بمثابة استعداد إيران للعب على حافة الهاوية، وهي رسالة ليست موجّهة فقط إلى واشنطن وإنما أيضاً إلى دول الخليج العربي، ومفادها أنّ الحرب ستطاول مباشرة إقتصاد دول هذه المنطقة واستقرارها. وهو ما يعني أن تستخدم هذه الدول نفوذها لدى واشنطن لمنع أي تحرك حربي أميركي، أي زيادة أوراق الضغط التفاوضية على الجانب الأميركي.

 

ووفق الكواليس الديبلوماسية، فإنّ طهران كانت قد رفضت الإقتراح الأميركي بعقد الجلسة الثانية من المفاوضات في إيطاليا بسبب “المواقف العدائية للإتحاد الأوروبي، وإدراجه الحرس الثوري على لائحة الإرهاب”، واقترحت سويسرا في اعتبارها دولة أوروبية خارج عضوية الإتحاد الأوروبي، كما أنّها وسيط رسمي بين طهران وواشنطن، وهي تتولّى أيضاً رعاية المصالح الأميركية في إيران.

 

وفي المقابل، فإنّ واشنطن استمرت في تحشيد قواتها العسكرية في المنطقة، وهي أرسلت حاملة الطائرات الثانية والأكثر تطوراً في العالم إلى المنطقة. وأرفقت ذلك برفع مستوى التهديدات. فخلال وجوده في تل أبيب، اعتبر السيناتور الأميركي ليندسي غراهام والمعروف بقربه الشديد من الرئيس الأميركي، أنّ قرار ضرب إيران بات وشيكاً، وعلى بُعد أسابيع وليس أشهراً. وعلّل ذلك بقوله، إنّه إذا لم تتمّ الإطاحة بخامنئي فسيشكّل ذلك انتصاراً استراتيجياً للجمهورية الإسلامية. وأضاف، أنّ هنالك مسارين واضحين، أحدهما ديبلوماسي والآخر عسكري، وكلاهما يهدفان إلى إيجاد سبيل لإنهاء هذا النظام.

 

وفي هذا الوقت، نفّذ الجيش الأميركي حركة غامضة تمثلت بخفض عديد قواته في سوريا والعراق، وانسحابه الكامل من قواعد كانت تصنّف في خانة الأهمية الإستراتيجية. فبعد إخلاء قاعدة التنف عند المثلث السوري ـ الأردني ـ العراقي، عمدت قيادة الـ”سينتكوم” إلى خفض عديدها في العراق إلى أكثر من النصف، وسحب المعدات والأسلحة الهجومية والإبقاء على المعدات الدفاعية. وسُجّل إخلاء القوات الأميركية لقاعدة “عين الأسد” أكبر القواعد في العراق، حيث حلّ مكانها الجيش العراقي. وبات الحضور العسكري في العراق يقارب نحو الـ1000 جندي فقط موزعين بين أربيل وفي السفارة الأميركية في “المنطقة الخضراء” في بغداد وبالقرب من المطار. مع التذكير هنا بأنّ الهجوم الصاروخي الذي نفّذته إيران انتقاماً لاغتيال قاسم سليماني في كانون الثاني 2020 طاول يومها قاعدة “عين الأسد”. وفي تقييم أولي، فإنّ الإنسحابات الأميركية شملت مناطق تُعتبر رخوة أو سهلة الإستهداف، وهي تقع ضمن مدى الردّ الإيراني. وهو ما يؤشر في قراءة أولية إلى أنّ قيادة “سينتكوم” تعمل على تحضير الساحة لاستيعاب الردّ الإيراني على الضربة العسكرية التي تلوّح بها واشنطن. وهو ما يرجح فرضية حصول الضربة، أو ربما الإيحاء بذلك لأغراض تعزيز الموقع التفاوضي.

 

لكن هنالك من يعتبر أنّ التفاؤل الذي صدر بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات مضلّل، وقد يقود إلى قراءات خاطئة للمسار الفعلي للتطورات. فصحيح أنّ التحشيد الأميركي الضخم يتمّ توظيفه في الملعب التفاوضي، لكن انفلات الوضع في اتجاه الحرب بات قابلاً للحصول في لحظة مفاجئة. وتدرك طهران، وكذلك واشنطن، أنّ الضربة المواجهة ستكون شاملة، ولن تقتصر على الضربات الجوية فقط، بل ستكون مزيجاً من عمليات جوية وبحرية وبرية وأيضاً إستخباراتية، إلى جانب إثارة تمرّد داخلي قد يكون مسلحاً هذه المرّة، وما حصل الشهر الماضي في إيران قد يشكّل مؤشراً مبكراً في هذا الإتجاه.

 

ووسط هذا التضارب في الرؤية، فإنّ أوساطاً ديبلوماسية مراقبة تقرأ في رسائل التصعيد العسكري مؤشرات تسوية. فهي ترى أنّ صورة التحدّي الجاري إبرازها تهدف إلى منح الشارع “إنتصاراً” شكلياً، بهدف تأمين مناخ مساعد لتنازلات في الجوهر لاحقاً. ووفق هذه الأوساط الديبلوماسية الأوروبية الواسعة الإطلاع، فإنّ الخلافات حول الملف النووي باتت ضيّقة، بحيث انّ قبول واشنطن بتخصيب إيران لنسبة منخفضة من اليورانيوم تُستخدم للأغراض السلمية، في مقابل قبول طهران برقابة أميركية دائمة على عملية التخصيب. وفي وقت ترفض إيران أي تراجع في ملف الصواريخ، تمّ طرح إقتراح لا يزال غير واضح التفاصيل، ويقضي بالمقايضة بين ملفي الصواريخ والنفوذ الإيراني في المنطقة، أو ما بات يُعرف بالأذرع. ولفت في هذا المجال، ما بدأ يتسرّب من العراق حول وجود بوادر لإجهاض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة.

 

وسط هذا المناخ الإقليمي المتشابك والمعقّد، يعمد لبنان إلى محاولة إمرار المرحلة. ولا بدّ أن تكون واشنطن قد قرأت جيداً الرسائل الإيرانية التصعيدية من خلال إطلالات الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم المتلاحقة. وفي وقت كرّر قاسم عدم استعداد “حزب الله” لتسليم السلاح، كانت قيادة الحزب تُبلغ إلى المسؤولين اللبنانيين على المستويين السياسي والعسكري، وقف التعاون في موضوع المرحلة الثانية من خطة الجيش، وأنّ الخطة انتهت مع انتهاء مرحلتها الأولى، وأنّ “حزب الله” لن يقبل بتسليم أي قطعة سلاح بعد الآن. وفي موازاة ذلك، تمّ تجميد عملية التواصل التي كانت قائمة على المستوى المركزي، ولو أنّها بقيت قائمة على مستوى مسؤولي المناطق. وهذا الموقف وضع الحكومة في موقع حرج، وهي التي تعوّل على مؤتمر باريس والمخصص لدعم الجيش. فالدول المشاركة كانت اشترطت، وإن بشكل غير معلن، نتائج ملموسة حول موضوع السلاح من خلال تحديد الحكومة لبرنامج زمني واضح يتعلق بالمرحلة الثانية. ولذلك عَمَد مجلس الوزراء إلى الخروج بحل على الطريقة اللبنانية، أي ما تمّ إعلانه عن تنفيذ خلال أربعة أشهر قد تتمدّد إلى الثمانية وربما أكثر من ذلك. في الواقع هذا القرار هو على الطريقة “اللبنانية”، لكن العواصم المعنية بملف مؤتمر دعم الجيش لم تأخذ به، لا بل استاءت منه.

 

وخلال اجتماع سفراء “الخماسية” في السفارة المصرية، تعاطى الجميع بسلبية مع ما صدر، وكان الأكثر سلبية وتشدّداً الموقفان الأميركي والسعودي. فالإنطباع الغالب كان أنّ السلطة اللبنانية ومن خلال سلوكها، تمنح الوقت الثمين لـ”حزب الله” ليتابع عملية إعادة بناء قدراته العسكرية، وأنّ إسرائيل لن تقبل بالإنسحاب من أي موقع في ظل عمل الحزب على استعادة قوته العسكرية. وتمّ التوافق على اللقاء مع قائد الجيش للوقوف على الخلفية الحقيقية للقرار. لكنه بات واضحاً أنّ مؤتمر دعم الجيش في باريس في الخامس من الشهر المقبل، لن يشهد نتائج مهمّة. لا بل فإنّ مستوى المشاركة سيكون مخفوضاً. وكانت هنالك مساعٍ لتأجيل انعقاده، لكن تمسّك الرئيس الفرنسي به حتّم انعقاده ولو على مستوى مخفوض. وسبب إصرار ماكرون يعود في أحد جوانبه إلى تأمين ما يمكن تأمينه للجيش ولو بالحدّ الأدنى، لكن الجانب الأهم له يعود للتمسك بموقع فرنسا ودورها في لبنان وفي لجنة “الميكانيزم” تحديداً، بعد ظهور مخاوف من سعي واشنطن لإخراج باريس من هذه اللجنة. وبذلك يشكّل الدور الفرنسي من خلال المؤتمر عاملاً مساعداً لمنع إخراج فرنسا من الملعب اللبناني. والإجتماع التحضيري لمؤتمر باريس الذي سيُعقد في القاهرة سيكون محدوداً بعض الشيء، مع مشاركة أقل من 10 دول. فإضافة إلى دول “الخماسية” ستحضر ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا إضافة إلى ممثل عن الإتحاد الأوروبي. وهو ما يعطي صورة مسبقة عن النتائج التي سيخرج بها مؤتمر دعم الجيش في باريس، في وقت كانت الترجيحات تتحدث سابقاً عن نحو مليار دولار سنوياً، كما أوحى مؤتمر روما سابقاً.

 

ولكن ثمة ما هو أسوأ. ففي إطار الموقف الأميركي المتشدّد، تمّ إدراج اقتراح يقضي بالإنتظار حتى مطلع الصيف، أي مع انقضاء مهلة الأربعة أشهر التي أشار إليها مجلس الوزراء اللبناني، وإذا لم تحصل خطوات جدّية فهنالك من يدعو إلى خفض مستوى المساعدات القائمة حالياً والجاري تقديمها للجيش، والتي مصدرها الولايات المتحدة في شكل رئيسي إضافة الى قطر. صحيح أنّ المروحيات الأميركية وعددها 8 والمقدّمة من ضمن المساعدات الأميركية للجيش قد وصلت إلى لبنان، ويتمّ العمل على تركيبها ودهنها وتحضيرها تمهيداً للإعلان رسمياً عن تسلّمها وإدخالها مجال العمل، إلّا أنّها تدخل في إطار البرمجة المسبقة. وتتمسك واشنطن بالمرحلة الثانية لاعتبارها أنّها المرحلة الأهم، خصوصاً أنّ المنطقة المعنية تختزن قدرات هجومية كبيرة ومهمّة وقادرة على إعادة قلب كل الوضع جنوب الليطاني في مدة زمنية قصيرة جداً. كما أنّها تُعتبر خزان دعم ورفد دائمين للمنطقة الجنوبية.

 

ولأنّ السلطة اللبنانية رسمت خطاً أحمر لها، ويقضي بعدم الذهاب إلى أي صدام داخلي، وسط إصرار “حزب الله” على مواجهة أي محاولة للإقتراب من سلاحه شمال الليطاني، فإنّ واشنطن والتي تخوض مفاوضات صعبة مع إيران حول نفوذها العسكري الإقليمي وخصوصاً في لبنان، تعمل على الضغط أكثر في اتجاه بيروت لإضعاف ورقة إيران التفاوضية في لبنان، خصوصاً تحت ضغوط نتنياهو المحشور داخلياً والداعي إلى حلول حربية مع إيران، تؤدي إلى تغيير وجه المنطقة إلى الأبد، وهو ما دأب على التبشير به منذ عملية السابع من أكتوبر.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار