عدالة مؤجلة ما بين سوريا الأسد ولبنان… زلزال رفيق الحريري

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
16 شباط 2026

شكل اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري في الـ14 من فبراير 2005 لحظة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، إذ لم يكن مجرد جريمة سياسية، بل كان حدثاً زلزالياً أسقط الوصاية السورية العسكرية من دون أن ينتج دولة قادرة، فالاغتيال فتح الباب أمام انقسام داخلي حاد، قبل أن ينتقل لبنان من هيمنة مباشرة إلى هيمنة مركبة عنوانها السلاح خارج الدولة وازدواجية الشرعية.

في الجزئين الأول والثاني من سلسلة “عدالة مؤجلة بين سوريا الأسد ولبنان”، كانت الاغتيالات الدموية التي حصلت خلال الحرب الأهلية وصولاً إلى 2002، تشبه بعضها إلى حد كبير، إن لناحية طبيعة الاغتيال، الشخصية المستهدفة، مسار التحقيق ونتيجته، وصولاً إلى تأثير عملية الاغتيال نفسها على الداخل اللبناني، إذ بقيت من دون تغيير جذري ومحاسبة حقيقية.

لكن اغتيالاً واحداً بعد تلك المرحلة بسنوات، كان كفيلاً بأن يقلب المشهد اللبناني رأساً على عقب، وفي القول هذا لا توجد أية مبالغة.

لم يكن الـ14 من فبراير (شباط) 2005 يوماً عادياً في تاريخ لبنان، بل لحظة زلزالية قلبت توازنات البلاد رأساً على عقب، وأطلقت مساراً سياسياً – أمنياً لا تزال ارتداداته قائمة حتى اليوم. اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري لم يكن مجرد تصفية سياسية لشخصية محورية، بل صاعقة أصابت الكيان في عمقه وكسرت قواعد كانت سائدة منذ “اتفاق الطائف”، وفتحت الباب أمام تحول استراتيجي في موقع لبنان داخل صراعات الإقليم.

في ثوانٍ قليلة، انتقل البلد من منطق “الوصاية المدارة” إلى منطق “الصدمة المفتوحة”: انفجار ضخم على الكورنيش البحري قرب فندق “سان جورج” (بيروت)، خلف حفرة هائلة ودماراً واسعاً، مقتل الحريري ومعه ما لا يقل عن 21 شخصاً من مرافقيه ومدنيين صودف وجودهم في المكان، وصدمة سياسية تماثل الضربة الأمنية في حجمها.

الحريري كان رمزاً لإعادة إعمار ما بعد الحرب، وواجهة لتوازن عربي – دولي، وشخصية قادرة، عبر التسويات، على موازنة النفوذ السوري لنظام الأسد المتغلغل في الدولة، لذلك لم يقرأ اغتياله كجريمة جنائية منفصلة، بل كحدث سياسي وظيفي، وقع في لحظة كان فيها الصدام مع دمشق قد بلغ ذروته على خلفية التمديد القسري حينها لرئيس الجمهورية المنتهية ولايته الرسمية إميل لحود عام 2004، ومعه اشتباك أوسع بدأ يتشكل بعد غزو العراق عام 2003، وتناقض المشاريع بين واشنطن وطهران، وبين دمشق وحلفائها من جهة، وعواصم عربية وغربية من جهة أخرى.

في هذا السياق تحديداً صدر قرار مجلس الأمن رقم 1559 في سبتمبر (أيلول) عام 2004 داعياً إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان، وهنا القصد الجيش السوري، وإلى مسار انتخابي حر، واضعاً، للمرة الأولى، سقف الوصاية السورية في موضع المساءلة الدولية العلنية.

بعد القرار، وبعد استقالة الحريري من رئاسة الحكومة في الشهر التالي احتجاجاً على المسار المفروض، بدا لبنان على شفير انفجار سياسي يسبق الانفجار الأمني، ثم جاء الـ14 من فبراير ليحول كل شيء إلى واقع جديد: ليس فقط لأن الاغتيال أنهى عملياً مرحلة الوصاية السورية العسكرية المباشرة التي امتدت بعد “الطائف” حتى عام 2005، بل لأنه أثبت في الوقت نفسه أن إسقاط الوصاية لا يعني تلقائياً إنتاج دولة.

خرج الجيش السوري في أبريل (نيسان) عام 2005 تحت ضغط الشارع والقرار الدولي والمناخ الإقليمي، لكن الدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تملك قضاء قادراً على التنفيذ تبقى ناقصة السيادة، حتى لو رفعت شعارات الاستقلال.

وهنا تتجسد مفارقة لبنان: اغتيال الحريري أسقط وصاية، لكنه لم يدخل لبنان في دولة، بل مهد تدريجاً، وبهدوء قاتل، لانتقال البلد من هيمنة أمنية مباشرة إلى هيمنة مركبة أكثر تعقيداً وأقل قابلية للمساءلة، عنوانها ميزان السلاح الذي راكمه “حزب الله” بوصفه قوة فوق الدولة وارتباطه العضوي بمحور تقوده إيران.

“ثورة الأرز” وأمل اللبنانيين

في الأسابيع التالية انفجرت بيروت ومدن أخرى بانتفاضة مدنية غير مسبوقة عرفت بـ”ثورة الأرز”. مئات الآلاف نزلوا إلى الشارع مطالبين بانسحاب الجيش السوري وبمحاسبة قتلة الحريري وباستعادة القرار الوطني. هذه الحركة الشعبية لم تكن مجرد انفعال عاطفي على مأساة، بل لحظة سياسية أجبرت دمشق على الانسحاب، ومع الانسحاب نتج انقسام سياسي جديد بين معسكري “قوى 14 آذار” (تبنى خطاب السيادة والاستقلال وإنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان)، و”8 آذار” (كان في مواجهة سياسية مع تحالف قوى 14 آذار)، وعاد لاعبون أساسيون إلى الساحة، وتشكلت حكومات أكثر استقلالاً نسبياً عن القرار السوري المباشر، لكن من دون أن يتبدل ميزان القوة الحاسم.

عقب الاغتيال فتحت الأمم المتحدة تحقيقاً دولياً، ثم أُسست المحكمة الخاصة بلبنان بقرار مجلس الأمن رقم 1757 عام 2007 للنظر في جريمة الـ14 من فبراير وما يتصل بها. ومع مرور الأعوام وصلت المحكمة إلى لوائح اتهام طاولت أفراداً من “حزب الله”، وتقدم اسم سليم سلام عياش كمنسق أساس في العملية وفق تحليل شبكات الاتصالات، الذي دانته رسمياً المحكمة في حكم صدر في 18 أغسطس (آب) 2020.

“حزب الله” رفض الاعتراف بالمحكمة بالأساس واتهمها بأنها مؤامرة عليه، ودفع باتجاه فرضية أن إسرائيل اخترقت شبكات الاتصالات اللبنانية، ثم جاء موقف الأمين العام للحزب السابق حسن نصرالله أكثر حدة حين أعلن رفض الاتهامات واعتبارها “باطلة”، والتعامل مع المحكمة كاستهداف سياسي، بالتوازي مع تأكيدات في الإعلام أن الحزب لن يسلم المتهمين.

“ازدواجية الشرعية”

في السياق قرأ الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية مروان شرف اغتيال رفيق الحريري بوصفه لحظة تأسيسية لأزمة سيادية عميقة، لا مجرد جريمة سياسية كبرى، ففي تحليله “شكل الاغتيال صدمة لمفهوم الدولة اللبنانية نفسه، إذ كشف بصورة فجة أن الكيان الذي خرج من الحرب الأهلية باتفاق الطائف لم ينجح في بناء سلطة قادرة على احتكار العنف المشروع ولا على حماية رموزه السياسية”، واعتبر شرف أن ما جرى في الـ14 من فبراير 2005 أعاد طرح سؤال جوهري: هل الدولة اللبنانية كيان سيادي فعلي أم إطار إداري هش قابل للاختراق؟

وربط بين الاغتيال ونشوء ما سماه “ازدواجية الشرعية”، إذ باتت المؤسسات الدستورية قائمة شكلياً فيما القرار الأمني الحقيقي ظل خارجها، “هذه الازدواجية عطلت المسار الطبيعي لتحويل لحظة الـ14 من مارس (آذار) إلى مشروع دولة مكتمل، وجعلت العدالة رهينة ميزان القوة، فالدولة التي تعجز عن كشف قتلة رئيس حكومة سابق، أو تنفيذ أحكام دولية صدرت باسمها، لا تستطيع أن تفرض منطق القانون على مجتمعها السياسي”.

من هذا المنطلق لفت شرف “إلى أن العدالة الدولية، على رغم رمزيتها، لم تستطع كسر هذه الحلقة، لأن العدالة غير القابلة للتنفيذ تبقى ناقصة الأثر. وهكذا لم ينتج اغتيال الحريري دولة أقوى، بل كشف هشاشتهاhov البنيوية، وترك جرحاً مفتوحاً في معنى السيادة اللبنانية لا يزال ينزف حتى اليوم”.

صراع المشاريع

في حين وضع أستاذ تاريخ وسياسات الشرق الأوسط زياد بارودي اغتيال رفيق الحريري “في قلب صراع إقليمي – استراتيجي يتجاوز الإطار اللبناني الضيق، لم يكن الحريري مستهدفاً بصفته رئيس حكومة سابقاً فحسب، بل بوصفه حاملاً مشروعاً سياسياً – اقتصادياً يربط لبنان بالفضاء العربي والدولي، ويحد من تحوله إلى ساحة مفتوحة لصراعات المحاور. من هنا، الاغتيال شكل ضربة مباشرة لمشروع الدولة الوسيطة التي تسعى إلى التوازن، لمصلحة مشروع إدماج لبنان في محور إقليمي أكثر صلابة وأقل اكتراثاً بالحدود السيادية التقليدية”، وأولى بارودي أهمية خاصة لتوقيت الاغتيال، معتبراً أنه جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، “ما بعد غزو العراق، تصاعد النفوذ الإيراني في المشرق، وبدأت إعادة رسم خرائط النفوذ عبر أدوات غير تقليدية، من بينها الاغتيالات السياسية. في هذا السياق، خروج الجيش السوري من لبنان لا كنهاية للنفوذ، بل كبداية لمرحلة جديدة من السيطرة غير المباشرة، تدار عبر حلفاء محليين يمتلكون قوة عسكرية فائقة مقارنة بالدولة”، ورأى “أن مسلسل الاغتيالات الذي تلا اغتيال الحريري (أودى بحاية جورج حاوي، جبران تويني، سمير قصير، وغيرهم) أدى وظيفة سياسية واضحة، بغض النظر عن الجهة المنفذة: إعادة ضبط المجال العام، وتحديد سقف الفعل السياسي، ومنع تحويل لحظة الـ14 من آذار إلى قطيعة نهائية مع منطق المحاور.

توظيف سياسي

في المقابل، قدم الباحث في الشؤون الإقليمية قاسم قصير رواية دفاعية واضحة عن “حزب الله” في ما يتعلق باغتيال رفيق الحريري ومسلسل الاغتيالات اللاحق، وانطلق قصير من رفض توصيف الاغتيال كجريمة سياسية منسوبة إلى الحزب، معتبراً “أن هذا الاتهام بني، منذ اللحظة الأولى، على توظيف سياسي لا على مسار قضائي حاسم، والمحكمة الدولية نفسها، على رغم حكمها في حق أفراد، لم تدن ’حزب الله‘ كتنظيم”، وهو ما يستخدمه قصير كعنصر مركزي في تفنيد الاتهامات، وركز على ما اعتبره ثغرات جوهرية في منهجية التحقيق، ولا سيما الاعتماد الكثيف على تحليل داتا الاتصالات في بلد ثبت، بحسب قوله، تعرضه لاختراقات إسرائيلية واسعة، وفي هذا السياق، تبنى قصير الرواية التي تقول إن إسرائيل تملك الدافع والقدرة التقنية على التلاعب بالمعطيات، خصوصاً أن اغتيال الحريري أدى إلى تدويل القضية وضرب الاستقرار اللبناني، وهو ما يخدم، وفق هذا المنطق، المصالح الإسرائيلية أكثر مما يخدم “حزب الله”.

الاتهام موجه نحو دمشق

منذ اغتيال الحريري، وُجهت أصابع الاتهام سياسياً وإعلامياً إلى دمشق، بوصفها القوة الأكثر نفوذاً في لبنان آنذاك عبر أجهزتها وحلفائها. وترسخت هذه الاتهامات مع روايات متداولة عن لقاء “متوتر” جمع الحريري بالرئيس السوري بشار الأسد في دمشق عام 2004، في ذروة الخلاف حول التمديد لإميل لحود، حيث تقول شهادات وروايات منشورة إن الحريري خرج من الاجتماع منزعجاً ومحملاً بإنذارات سياسية قاسية، وجرى تداول مضمون اللقاء لاحقاً على نطاق واسع بوصفه محطة مفصلية سبقت الاغتيال بأشهر.

أما لناحية الشق التحقيقي الذي عزز الشبهات آنذاك جاء مع عمل لجنة التحقيق الدولية المستقلة برئاسة ديتليف ميليس، إذ تحدث الأخير أمام مجلس الأمن عن أدلة متقاطعة تشير إلى تورطٍ سوري، في سياق سرد شبكة علاقات أمنية- سياسية لبنانية سورية كانت تتحكم بمفاصل القرار، فضلاً عن معطيات تقنية مثل أنماط اتصالات وهواتف مدفوعة مسبقاً ربطت دوائر قريبة من مسرح الجريمة بتحركات سبقت التفجير وتلته.

أما الدوافع التي تُطرح عادةً في السرديات السياسية حول الاتهام لسوريا فتدور حول رفض الحريري مسار التمديد للحود، وتنامي ميله إلى تقليص الهيمنة السورية على القرار اللبناني، وتقاطعه مع مناخ دولي- إقليمي ضاغط على دمشق آنذاك. وهذه الدوافع بقيت حاضرة في النقاش العام، حتى مع بقاء الإثبات القضائي المباشر ضد الدولة السورية غير متوافر وفق ما انتهت إليه المحكمة الدولية.

مسلسل الاغتيالات

بعد اغتيال الحريري، بدأ مسلسل الاغتيالات يأخذ بعده الممنهج، وانطلقت شرارة سلسلة استهدفت صحافيين وسياسيين وشخصيات أمنية مرتبطة بخيوط التحقيقات، في نمط جعل كثيرين في لبنان يقرأون الرسالة على أنها واحدة: كلفة المواجهة أعلى من قدرة الدولة على الحماية، والعدالة قابلة للتعطيل، والفاعل، أياً يكن، محصن من العقاب.

جاء اغتيال الصحافي والكاتب سمير قصير في الثاني من يونيو (حزيران) عام 2005 ليحول الخوف إلى سياسة يومية في الوسط الإعلامي. قصير كان من أبرز الأصوات المناهضة للوصاية السورية، وإسكاته بهذه السرعة بعد اغتيال الحريري بدا كأنه قطع الطريق على استثمار لحظة الاستقلال في بناء رأي عام سيادي حاسم. وبعد أقل من أسبوعين اغتيل جورج حاوي (عرف بمواقفه الداعية إلى استقلال القرار اللبناني وإنهاء الوصاية السورية في أعوامه الأخيرة) في الـ21 من يونيو 2005. طريقة التنفيذ (متفجرة داخل سيارة) ومكانها أعادا إنتاج المعنى نفسه استهداف شخصيات ذات رمزية في التحول السياسي.

ثم جاء اغتيال النائب والصحافي جبران تويني في الـ12 من ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، ليقفل الحلقة الأولى من “استهداف الصحافة السيادية”، وتويني كان يعتبر من أكثر الأصوات معارضة لحضور دمشق في لبنان.

حينها خرجت القوى السياسية المعارضة لتحمل دمشق المسؤولية، باعتبارها المستفيدة من إسكات أصوات “14 آذار” وترويعها. وفي الجهة المقابلة خرج بعض الشخصيات المحسوبة حينها على خط سوريا ليشكك باتهام دمشق ويرمي الكرة في اتجاه إسرائيل.

ما هي إلا أشهر، حتى اغتيل الوزير بيار أمين الجميل في الـ21 من أكتوبر (تشرين الثاني) عام 2006 ما نقل الرسالة مباشرة إلى قلب السلطة التنفيذية. هذه المرة لم تكن سيارة مفخخة، بل إطلاق نار مباشر ضد وزير ونائب شاب في لحظة انقسام حكومي حاد حول المحكمة الدولية وانسحاب وزراء “حزب الله” وحلفائه من الحكومة. هذا التزامن بين الاغتيال والصراع على المحكمة ليس تفصيلاً في القراءة السياسية، لأنه غذى لدى جمهور واسع قناعة أن الاغتيال أداة لتعديل مسار الدولة وقراراتها، وفي ذلك الوقت، كثر حملوا سوريا سياسياً مسؤولية الاغتيال، فيما ظلت دمشق تنفي.

هندسة التوازن النيابي

عام 2007 تحول الاغتيال إلى ما يشبه “هندسة التوازن النيابي” بالقوة. اغتيل النائب وليد عيدو (عضو في تيار المستقبل ومنضوٍ ضمن تحالف قوى 14 آذار) في الـ13 من يونيو 2007 بتفجير استهدف موكبه في بيروت، ثم اغتيل زميله أنطوان غانم (سياسي ضمن تحالف قوى 14 آذار) في الـ19 من سبتمبر عام 2007 بتفجير في سن الفيل (جبل لبنان). ردود الفعل الدولية جاءت حادة، وكالات أنباء نقلت أن الرئيس الأميركي جورج بوش تحدث عن محاولات من “النظامين السوري والإيراني وحلفائهما” لزعزعة لبنان وتقويض سيادته، وهو تعبير يضع محور دمشق – طهران في قلب الاتهام السياسي الدولي.

الأعوام التالية شهدت تراجعاً نسبياً في وتيرة الاغتيالات الكبرى، لكن المسار لم يتوقف بقدر ما تغيرت أدواته واشتدت التعقيدات الإقليمية. ومع كل محطة كانت تتعمق فكرة واحدة: الدولة عاجزة، والعدالة تتعطل حين تقترب من مركز القوة، لهذا أخذ اغتيال الوزير محمد شطح في الـ27 من ديسمبر 2013 وزنه الرمزي الكبير. شطح، الوزير السابق، كان يمثل صوتاً سياسياً – اقتصادياً صريحاً ضد سلاح “حزب الله” وتغوله. اغتياله أعاد أسلوب التفجير إلى قلب بيروت قرب ساحة الشهداء، وفي توقيت حساس قبل انطلاق محاكمة في ملف الحريري.

الاتهام يحول إلى “حزب الله” بعد سوريا

منذ تلك المرحلة، اتسعت رقعة “الاغتيال السياسي” لتشمل أيضاً مثقفين وناشطين يشتبكون مع “حزب الله” في بيئته أو على خطوط تماس حساسة. اغتيال لقمان سليم عام 2021 أعاد فكرة أن النقد العلني داخل البيئة نفسها يمكن أن يكون مكلفاً، وأن “الرسائل” لا تحتاج دائماً إلى استهداف سياسي تقليدي كي تقوم بوظيفتها. وعلى المستوى البنيوي ظلت المسألة نفسها: لا أحكام لبنانية حاسمة تنهي الملفات وتثبت الحقيقة بما لا يترك البلد أسير الروايات المتضاربة.

ثم جاءت قضية القيادي في حزب “القوات اللبنانية” إلياس الحصروني، من عين إبل جنوباً، لتكون خاتمة رمزية لما يسميه كثر “السلسلة الطويلة”. في الأول من أغسطس 2023 هزت وفاته البيئة الجنوبية، وتضاربت الروايات بين حادثة سير وشبهة جنائية – سياسية. لاحقاً، وفي عام 2025 ظهرت ادعاءات إسرائيلية نسبت القضية إلى “وحدة 121” داخل “حزب الله”، كهيكل خاص بالعمليات والاغتيالات، وربطت تلك الادعاءات بين هذه الوحدة وأسماء وردت في ملف الحريري مثل سلام عياش. هذه الادعاءات، بحكم مصدرها، لم تتحول إلى حقيقة قضائية لبنانية، لكنها أعادت إشعال النقاش وأعطت خصوم “حزب الله” مادة إضافية لتدعيم سرديتهم عن “بنية اغتيالات” محصنة بالسلاح والغطاء السياسي، فيما بقي نفي “حزب الله” قائماً، وبقيت الدولة عاجزة عن إنتاج خاتمة قضائية تقطع الشك باليقين.

في المقابل، الحزب يدافع عن نفسه بمنطق ثابت: التشكيك بالمحكمة وبالأدلة، واعتبار الاتهامات “مؤامرة سياسية” مرتبطة بأجندة أميركية – إسرائيلية، والقول إن الاغتيالات تهدف إلى الفتنة وإن إسرائيل هي المستفيد.

وظيفة “الساحة” الإقليمية

يشرح الصحافي والمفكر اللبناني حازم صاغية أن الاغتيالات التي تلت عام 2005 لم تكن نتيجة فوضى أمنية، “بل أداة ردع سياسية هدفت إلى ضبط المجال العام ومنع تحول لحظة الـ14 من آذار إلى مشروع دولة”، معتبراً أن الاغتيال تحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام على قاعدة الخوف بدل القانون. وبرأيه “هذه الجرائم لم تكن نتيجة فوضى ما بعد الانسحاب السوري، بل أداة لإعادة إنتاج النظام السياسي وفق ميزان قوة جديد”، ولفت إلى أن “اغتيال الحريري فتح فراغاً سيادياً خطراً، لأن الوصاية السورية سقطت من دون أن تحل مكانها دولة قوية، مما أتاح لقوى مسلحة ومنظمة أن تملأ هذا الفراغ عبر وسائل غير دستورية، في مقدمها الاغتيال السياسي بوصفه أداة ردع”.

تابع صاغية أن الجرائم التي تلت 2005 كانت تحمل وظيفة سياسية واضحة: ضبط المجال العام، “فالمقصود لم يكن فقط إسكات أصوات معارضة، بل إعادة تعريف ما هو مسموح وما هو محظور في الخطاب السياسي. ولهذا، استهدف صحافيون ومفكرون مثل سمير قصير وجبران تويني، لأنهم كانوا يوسعون سقف الكلام، كذلك استهدف سياسيون مثل وليد عيدو وبيار الجميل ومحمد شطح، لأنهم كانوا يعملون على تحويل خطاب ’14 آذار‘ إلى سياسات فعلية داخل الدولة”، وأكد أن الاغتيال في هذه المرحلة لم يكن موجهاً إلى طائفة بعينها، بل إلى فكرة المواطنة السيادية نفسها، “فالرسالة كانت عابرة للطوائف: كل من يحاول إعادة لبنان إلى منطق الدولة، أو إخراجه من وظيفة الساحة الإقليمية، يصبح عرضة للإقصاء”، واعتبر أن نجاح هذه الاغتيالات في تعطيل المشروع السيادي لا يعود فقط إلى قوة المنفذ، بل إلى ضعف الدولة وعجز القضاء، مما جعل الجريمة بلا ثمن سياسي فعلي.

في خلاصته، رأى صاغية أن ما بعد 2005 هو انتقال لبنان من مرحلة الوصاية المباشرة إلى مرحلة الضبط بالعنف غير المعلن، “إذ لم يعد الاغتيال حدثاً استثنائياً، بل أداة تأسيسية لنظام سياسي يقوم على الخوف والتوازن القسري، لا على التوافق الحر”.

عدالة مؤجلة ما بين سوريا الأسد ولبنان… زلزال رفيق الحريري

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
16 شباط 2026

شكل اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري في الـ14 من فبراير 2005 لحظة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، إذ لم يكن مجرد جريمة سياسية، بل كان حدثاً زلزالياً أسقط الوصاية السورية العسكرية من دون أن ينتج دولة قادرة، فالاغتيال فتح الباب أمام انقسام داخلي حاد، قبل أن ينتقل لبنان من هيمنة مباشرة إلى هيمنة مركبة عنوانها السلاح خارج الدولة وازدواجية الشرعية.

في الجزئين الأول والثاني من سلسلة “عدالة مؤجلة بين سوريا الأسد ولبنان”، كانت الاغتيالات الدموية التي حصلت خلال الحرب الأهلية وصولاً إلى 2002، تشبه بعضها إلى حد كبير، إن لناحية طبيعة الاغتيال، الشخصية المستهدفة، مسار التحقيق ونتيجته، وصولاً إلى تأثير عملية الاغتيال نفسها على الداخل اللبناني، إذ بقيت من دون تغيير جذري ومحاسبة حقيقية.

لكن اغتيالاً واحداً بعد تلك المرحلة بسنوات، كان كفيلاً بأن يقلب المشهد اللبناني رأساً على عقب، وفي القول هذا لا توجد أية مبالغة.

لم يكن الـ14 من فبراير (شباط) 2005 يوماً عادياً في تاريخ لبنان، بل لحظة زلزالية قلبت توازنات البلاد رأساً على عقب، وأطلقت مساراً سياسياً – أمنياً لا تزال ارتداداته قائمة حتى اليوم. اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري لم يكن مجرد تصفية سياسية لشخصية محورية، بل صاعقة أصابت الكيان في عمقه وكسرت قواعد كانت سائدة منذ “اتفاق الطائف”، وفتحت الباب أمام تحول استراتيجي في موقع لبنان داخل صراعات الإقليم.

في ثوانٍ قليلة، انتقل البلد من منطق “الوصاية المدارة” إلى منطق “الصدمة المفتوحة”: انفجار ضخم على الكورنيش البحري قرب فندق “سان جورج” (بيروت)، خلف حفرة هائلة ودماراً واسعاً، مقتل الحريري ومعه ما لا يقل عن 21 شخصاً من مرافقيه ومدنيين صودف وجودهم في المكان، وصدمة سياسية تماثل الضربة الأمنية في حجمها.

الحريري كان رمزاً لإعادة إعمار ما بعد الحرب، وواجهة لتوازن عربي – دولي، وشخصية قادرة، عبر التسويات، على موازنة النفوذ السوري لنظام الأسد المتغلغل في الدولة، لذلك لم يقرأ اغتياله كجريمة جنائية منفصلة، بل كحدث سياسي وظيفي، وقع في لحظة كان فيها الصدام مع دمشق قد بلغ ذروته على خلفية التمديد القسري حينها لرئيس الجمهورية المنتهية ولايته الرسمية إميل لحود عام 2004، ومعه اشتباك أوسع بدأ يتشكل بعد غزو العراق عام 2003، وتناقض المشاريع بين واشنطن وطهران، وبين دمشق وحلفائها من جهة، وعواصم عربية وغربية من جهة أخرى.

في هذا السياق تحديداً صدر قرار مجلس الأمن رقم 1559 في سبتمبر (أيلول) عام 2004 داعياً إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان، وهنا القصد الجيش السوري، وإلى مسار انتخابي حر، واضعاً، للمرة الأولى، سقف الوصاية السورية في موضع المساءلة الدولية العلنية.

بعد القرار، وبعد استقالة الحريري من رئاسة الحكومة في الشهر التالي احتجاجاً على المسار المفروض، بدا لبنان على شفير انفجار سياسي يسبق الانفجار الأمني، ثم جاء الـ14 من فبراير ليحول كل شيء إلى واقع جديد: ليس فقط لأن الاغتيال أنهى عملياً مرحلة الوصاية السورية العسكرية المباشرة التي امتدت بعد “الطائف” حتى عام 2005، بل لأنه أثبت في الوقت نفسه أن إسقاط الوصاية لا يعني تلقائياً إنتاج دولة.

خرج الجيش السوري في أبريل (نيسان) عام 2005 تحت ضغط الشارع والقرار الدولي والمناخ الإقليمي، لكن الدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تملك قضاء قادراً على التنفيذ تبقى ناقصة السيادة، حتى لو رفعت شعارات الاستقلال.

وهنا تتجسد مفارقة لبنان: اغتيال الحريري أسقط وصاية، لكنه لم يدخل لبنان في دولة، بل مهد تدريجاً، وبهدوء قاتل، لانتقال البلد من هيمنة أمنية مباشرة إلى هيمنة مركبة أكثر تعقيداً وأقل قابلية للمساءلة، عنوانها ميزان السلاح الذي راكمه “حزب الله” بوصفه قوة فوق الدولة وارتباطه العضوي بمحور تقوده إيران.

“ثورة الأرز” وأمل اللبنانيين

في الأسابيع التالية انفجرت بيروت ومدن أخرى بانتفاضة مدنية غير مسبوقة عرفت بـ”ثورة الأرز”. مئات الآلاف نزلوا إلى الشارع مطالبين بانسحاب الجيش السوري وبمحاسبة قتلة الحريري وباستعادة القرار الوطني. هذه الحركة الشعبية لم تكن مجرد انفعال عاطفي على مأساة، بل لحظة سياسية أجبرت دمشق على الانسحاب، ومع الانسحاب نتج انقسام سياسي جديد بين معسكري “قوى 14 آذار” (تبنى خطاب السيادة والاستقلال وإنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان)، و”8 آذار” (كان في مواجهة سياسية مع تحالف قوى 14 آذار)، وعاد لاعبون أساسيون إلى الساحة، وتشكلت حكومات أكثر استقلالاً نسبياً عن القرار السوري المباشر، لكن من دون أن يتبدل ميزان القوة الحاسم.

عقب الاغتيال فتحت الأمم المتحدة تحقيقاً دولياً، ثم أُسست المحكمة الخاصة بلبنان بقرار مجلس الأمن رقم 1757 عام 2007 للنظر في جريمة الـ14 من فبراير وما يتصل بها. ومع مرور الأعوام وصلت المحكمة إلى لوائح اتهام طاولت أفراداً من “حزب الله”، وتقدم اسم سليم سلام عياش كمنسق أساس في العملية وفق تحليل شبكات الاتصالات، الذي دانته رسمياً المحكمة في حكم صدر في 18 أغسطس (آب) 2020.

“حزب الله” رفض الاعتراف بالمحكمة بالأساس واتهمها بأنها مؤامرة عليه، ودفع باتجاه فرضية أن إسرائيل اخترقت شبكات الاتصالات اللبنانية، ثم جاء موقف الأمين العام للحزب السابق حسن نصرالله أكثر حدة حين أعلن رفض الاتهامات واعتبارها “باطلة”، والتعامل مع المحكمة كاستهداف سياسي، بالتوازي مع تأكيدات في الإعلام أن الحزب لن يسلم المتهمين.

“ازدواجية الشرعية”

في السياق قرأ الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية مروان شرف اغتيال رفيق الحريري بوصفه لحظة تأسيسية لأزمة سيادية عميقة، لا مجرد جريمة سياسية كبرى، ففي تحليله “شكل الاغتيال صدمة لمفهوم الدولة اللبنانية نفسه، إذ كشف بصورة فجة أن الكيان الذي خرج من الحرب الأهلية باتفاق الطائف لم ينجح في بناء سلطة قادرة على احتكار العنف المشروع ولا على حماية رموزه السياسية”، واعتبر شرف أن ما جرى في الـ14 من فبراير 2005 أعاد طرح سؤال جوهري: هل الدولة اللبنانية كيان سيادي فعلي أم إطار إداري هش قابل للاختراق؟

وربط بين الاغتيال ونشوء ما سماه “ازدواجية الشرعية”، إذ باتت المؤسسات الدستورية قائمة شكلياً فيما القرار الأمني الحقيقي ظل خارجها، “هذه الازدواجية عطلت المسار الطبيعي لتحويل لحظة الـ14 من مارس (آذار) إلى مشروع دولة مكتمل، وجعلت العدالة رهينة ميزان القوة، فالدولة التي تعجز عن كشف قتلة رئيس حكومة سابق، أو تنفيذ أحكام دولية صدرت باسمها، لا تستطيع أن تفرض منطق القانون على مجتمعها السياسي”.

من هذا المنطلق لفت شرف “إلى أن العدالة الدولية، على رغم رمزيتها، لم تستطع كسر هذه الحلقة، لأن العدالة غير القابلة للتنفيذ تبقى ناقصة الأثر. وهكذا لم ينتج اغتيال الحريري دولة أقوى، بل كشف هشاشتهاhov البنيوية، وترك جرحاً مفتوحاً في معنى السيادة اللبنانية لا يزال ينزف حتى اليوم”.

صراع المشاريع

في حين وضع أستاذ تاريخ وسياسات الشرق الأوسط زياد بارودي اغتيال رفيق الحريري “في قلب صراع إقليمي – استراتيجي يتجاوز الإطار اللبناني الضيق، لم يكن الحريري مستهدفاً بصفته رئيس حكومة سابقاً فحسب، بل بوصفه حاملاً مشروعاً سياسياً – اقتصادياً يربط لبنان بالفضاء العربي والدولي، ويحد من تحوله إلى ساحة مفتوحة لصراعات المحاور. من هنا، الاغتيال شكل ضربة مباشرة لمشروع الدولة الوسيطة التي تسعى إلى التوازن، لمصلحة مشروع إدماج لبنان في محور إقليمي أكثر صلابة وأقل اكتراثاً بالحدود السيادية التقليدية”، وأولى بارودي أهمية خاصة لتوقيت الاغتيال، معتبراً أنه جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، “ما بعد غزو العراق، تصاعد النفوذ الإيراني في المشرق، وبدأت إعادة رسم خرائط النفوذ عبر أدوات غير تقليدية، من بينها الاغتيالات السياسية. في هذا السياق، خروج الجيش السوري من لبنان لا كنهاية للنفوذ، بل كبداية لمرحلة جديدة من السيطرة غير المباشرة، تدار عبر حلفاء محليين يمتلكون قوة عسكرية فائقة مقارنة بالدولة”، ورأى “أن مسلسل الاغتيالات الذي تلا اغتيال الحريري (أودى بحاية جورج حاوي، جبران تويني، سمير قصير، وغيرهم) أدى وظيفة سياسية واضحة، بغض النظر عن الجهة المنفذة: إعادة ضبط المجال العام، وتحديد سقف الفعل السياسي، ومنع تحويل لحظة الـ14 من آذار إلى قطيعة نهائية مع منطق المحاور.

توظيف سياسي

في المقابل، قدم الباحث في الشؤون الإقليمية قاسم قصير رواية دفاعية واضحة عن “حزب الله” في ما يتعلق باغتيال رفيق الحريري ومسلسل الاغتيالات اللاحق، وانطلق قصير من رفض توصيف الاغتيال كجريمة سياسية منسوبة إلى الحزب، معتبراً “أن هذا الاتهام بني، منذ اللحظة الأولى، على توظيف سياسي لا على مسار قضائي حاسم، والمحكمة الدولية نفسها، على رغم حكمها في حق أفراد، لم تدن ’حزب الله‘ كتنظيم”، وهو ما يستخدمه قصير كعنصر مركزي في تفنيد الاتهامات، وركز على ما اعتبره ثغرات جوهرية في منهجية التحقيق، ولا سيما الاعتماد الكثيف على تحليل داتا الاتصالات في بلد ثبت، بحسب قوله، تعرضه لاختراقات إسرائيلية واسعة، وفي هذا السياق، تبنى قصير الرواية التي تقول إن إسرائيل تملك الدافع والقدرة التقنية على التلاعب بالمعطيات، خصوصاً أن اغتيال الحريري أدى إلى تدويل القضية وضرب الاستقرار اللبناني، وهو ما يخدم، وفق هذا المنطق، المصالح الإسرائيلية أكثر مما يخدم “حزب الله”.

الاتهام موجه نحو دمشق

منذ اغتيال الحريري، وُجهت أصابع الاتهام سياسياً وإعلامياً إلى دمشق، بوصفها القوة الأكثر نفوذاً في لبنان آنذاك عبر أجهزتها وحلفائها. وترسخت هذه الاتهامات مع روايات متداولة عن لقاء “متوتر” جمع الحريري بالرئيس السوري بشار الأسد في دمشق عام 2004، في ذروة الخلاف حول التمديد لإميل لحود، حيث تقول شهادات وروايات منشورة إن الحريري خرج من الاجتماع منزعجاً ومحملاً بإنذارات سياسية قاسية، وجرى تداول مضمون اللقاء لاحقاً على نطاق واسع بوصفه محطة مفصلية سبقت الاغتيال بأشهر.

أما لناحية الشق التحقيقي الذي عزز الشبهات آنذاك جاء مع عمل لجنة التحقيق الدولية المستقلة برئاسة ديتليف ميليس، إذ تحدث الأخير أمام مجلس الأمن عن أدلة متقاطعة تشير إلى تورطٍ سوري، في سياق سرد شبكة علاقات أمنية- سياسية لبنانية سورية كانت تتحكم بمفاصل القرار، فضلاً عن معطيات تقنية مثل أنماط اتصالات وهواتف مدفوعة مسبقاً ربطت دوائر قريبة من مسرح الجريمة بتحركات سبقت التفجير وتلته.

أما الدوافع التي تُطرح عادةً في السرديات السياسية حول الاتهام لسوريا فتدور حول رفض الحريري مسار التمديد للحود، وتنامي ميله إلى تقليص الهيمنة السورية على القرار اللبناني، وتقاطعه مع مناخ دولي- إقليمي ضاغط على دمشق آنذاك. وهذه الدوافع بقيت حاضرة في النقاش العام، حتى مع بقاء الإثبات القضائي المباشر ضد الدولة السورية غير متوافر وفق ما انتهت إليه المحكمة الدولية.

مسلسل الاغتيالات

بعد اغتيال الحريري، بدأ مسلسل الاغتيالات يأخذ بعده الممنهج، وانطلقت شرارة سلسلة استهدفت صحافيين وسياسيين وشخصيات أمنية مرتبطة بخيوط التحقيقات، في نمط جعل كثيرين في لبنان يقرأون الرسالة على أنها واحدة: كلفة المواجهة أعلى من قدرة الدولة على الحماية، والعدالة قابلة للتعطيل، والفاعل، أياً يكن، محصن من العقاب.

جاء اغتيال الصحافي والكاتب سمير قصير في الثاني من يونيو (حزيران) عام 2005 ليحول الخوف إلى سياسة يومية في الوسط الإعلامي. قصير كان من أبرز الأصوات المناهضة للوصاية السورية، وإسكاته بهذه السرعة بعد اغتيال الحريري بدا كأنه قطع الطريق على استثمار لحظة الاستقلال في بناء رأي عام سيادي حاسم. وبعد أقل من أسبوعين اغتيل جورج حاوي (عرف بمواقفه الداعية إلى استقلال القرار اللبناني وإنهاء الوصاية السورية في أعوامه الأخيرة) في الـ21 من يونيو 2005. طريقة التنفيذ (متفجرة داخل سيارة) ومكانها أعادا إنتاج المعنى نفسه استهداف شخصيات ذات رمزية في التحول السياسي.

ثم جاء اغتيال النائب والصحافي جبران تويني في الـ12 من ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، ليقفل الحلقة الأولى من “استهداف الصحافة السيادية”، وتويني كان يعتبر من أكثر الأصوات معارضة لحضور دمشق في لبنان.

حينها خرجت القوى السياسية المعارضة لتحمل دمشق المسؤولية، باعتبارها المستفيدة من إسكات أصوات “14 آذار” وترويعها. وفي الجهة المقابلة خرج بعض الشخصيات المحسوبة حينها على خط سوريا ليشكك باتهام دمشق ويرمي الكرة في اتجاه إسرائيل.

ما هي إلا أشهر، حتى اغتيل الوزير بيار أمين الجميل في الـ21 من أكتوبر (تشرين الثاني) عام 2006 ما نقل الرسالة مباشرة إلى قلب السلطة التنفيذية. هذه المرة لم تكن سيارة مفخخة، بل إطلاق نار مباشر ضد وزير ونائب شاب في لحظة انقسام حكومي حاد حول المحكمة الدولية وانسحاب وزراء “حزب الله” وحلفائه من الحكومة. هذا التزامن بين الاغتيال والصراع على المحكمة ليس تفصيلاً في القراءة السياسية، لأنه غذى لدى جمهور واسع قناعة أن الاغتيال أداة لتعديل مسار الدولة وقراراتها، وفي ذلك الوقت، كثر حملوا سوريا سياسياً مسؤولية الاغتيال، فيما ظلت دمشق تنفي.

هندسة التوازن النيابي

عام 2007 تحول الاغتيال إلى ما يشبه “هندسة التوازن النيابي” بالقوة. اغتيل النائب وليد عيدو (عضو في تيار المستقبل ومنضوٍ ضمن تحالف قوى 14 آذار) في الـ13 من يونيو 2007 بتفجير استهدف موكبه في بيروت، ثم اغتيل زميله أنطوان غانم (سياسي ضمن تحالف قوى 14 آذار) في الـ19 من سبتمبر عام 2007 بتفجير في سن الفيل (جبل لبنان). ردود الفعل الدولية جاءت حادة، وكالات أنباء نقلت أن الرئيس الأميركي جورج بوش تحدث عن محاولات من “النظامين السوري والإيراني وحلفائهما” لزعزعة لبنان وتقويض سيادته، وهو تعبير يضع محور دمشق – طهران في قلب الاتهام السياسي الدولي.

الأعوام التالية شهدت تراجعاً نسبياً في وتيرة الاغتيالات الكبرى، لكن المسار لم يتوقف بقدر ما تغيرت أدواته واشتدت التعقيدات الإقليمية. ومع كل محطة كانت تتعمق فكرة واحدة: الدولة عاجزة، والعدالة تتعطل حين تقترب من مركز القوة، لهذا أخذ اغتيال الوزير محمد شطح في الـ27 من ديسمبر 2013 وزنه الرمزي الكبير. شطح، الوزير السابق، كان يمثل صوتاً سياسياً – اقتصادياً صريحاً ضد سلاح “حزب الله” وتغوله. اغتياله أعاد أسلوب التفجير إلى قلب بيروت قرب ساحة الشهداء، وفي توقيت حساس قبل انطلاق محاكمة في ملف الحريري.

الاتهام يحول إلى “حزب الله” بعد سوريا

منذ تلك المرحلة، اتسعت رقعة “الاغتيال السياسي” لتشمل أيضاً مثقفين وناشطين يشتبكون مع “حزب الله” في بيئته أو على خطوط تماس حساسة. اغتيال لقمان سليم عام 2021 أعاد فكرة أن النقد العلني داخل البيئة نفسها يمكن أن يكون مكلفاً، وأن “الرسائل” لا تحتاج دائماً إلى استهداف سياسي تقليدي كي تقوم بوظيفتها. وعلى المستوى البنيوي ظلت المسألة نفسها: لا أحكام لبنانية حاسمة تنهي الملفات وتثبت الحقيقة بما لا يترك البلد أسير الروايات المتضاربة.

ثم جاءت قضية القيادي في حزب “القوات اللبنانية” إلياس الحصروني، من عين إبل جنوباً، لتكون خاتمة رمزية لما يسميه كثر “السلسلة الطويلة”. في الأول من أغسطس 2023 هزت وفاته البيئة الجنوبية، وتضاربت الروايات بين حادثة سير وشبهة جنائية – سياسية. لاحقاً، وفي عام 2025 ظهرت ادعاءات إسرائيلية نسبت القضية إلى “وحدة 121” داخل “حزب الله”، كهيكل خاص بالعمليات والاغتيالات، وربطت تلك الادعاءات بين هذه الوحدة وأسماء وردت في ملف الحريري مثل سلام عياش. هذه الادعاءات، بحكم مصدرها، لم تتحول إلى حقيقة قضائية لبنانية، لكنها أعادت إشعال النقاش وأعطت خصوم “حزب الله” مادة إضافية لتدعيم سرديتهم عن “بنية اغتيالات” محصنة بالسلاح والغطاء السياسي، فيما بقي نفي “حزب الله” قائماً، وبقيت الدولة عاجزة عن إنتاج خاتمة قضائية تقطع الشك باليقين.

في المقابل، الحزب يدافع عن نفسه بمنطق ثابت: التشكيك بالمحكمة وبالأدلة، واعتبار الاتهامات “مؤامرة سياسية” مرتبطة بأجندة أميركية – إسرائيلية، والقول إن الاغتيالات تهدف إلى الفتنة وإن إسرائيل هي المستفيد.

وظيفة “الساحة” الإقليمية

يشرح الصحافي والمفكر اللبناني حازم صاغية أن الاغتيالات التي تلت عام 2005 لم تكن نتيجة فوضى أمنية، “بل أداة ردع سياسية هدفت إلى ضبط المجال العام ومنع تحول لحظة الـ14 من آذار إلى مشروع دولة”، معتبراً أن الاغتيال تحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام على قاعدة الخوف بدل القانون. وبرأيه “هذه الجرائم لم تكن نتيجة فوضى ما بعد الانسحاب السوري، بل أداة لإعادة إنتاج النظام السياسي وفق ميزان قوة جديد”، ولفت إلى أن “اغتيال الحريري فتح فراغاً سيادياً خطراً، لأن الوصاية السورية سقطت من دون أن تحل مكانها دولة قوية، مما أتاح لقوى مسلحة ومنظمة أن تملأ هذا الفراغ عبر وسائل غير دستورية، في مقدمها الاغتيال السياسي بوصفه أداة ردع”.

تابع صاغية أن الجرائم التي تلت 2005 كانت تحمل وظيفة سياسية واضحة: ضبط المجال العام، “فالمقصود لم يكن فقط إسكات أصوات معارضة، بل إعادة تعريف ما هو مسموح وما هو محظور في الخطاب السياسي. ولهذا، استهدف صحافيون ومفكرون مثل سمير قصير وجبران تويني، لأنهم كانوا يوسعون سقف الكلام، كذلك استهدف سياسيون مثل وليد عيدو وبيار الجميل ومحمد شطح، لأنهم كانوا يعملون على تحويل خطاب ’14 آذار‘ إلى سياسات فعلية داخل الدولة”، وأكد أن الاغتيال في هذه المرحلة لم يكن موجهاً إلى طائفة بعينها، بل إلى فكرة المواطنة السيادية نفسها، “فالرسالة كانت عابرة للطوائف: كل من يحاول إعادة لبنان إلى منطق الدولة، أو إخراجه من وظيفة الساحة الإقليمية، يصبح عرضة للإقصاء”، واعتبر أن نجاح هذه الاغتيالات في تعطيل المشروع السيادي لا يعود فقط إلى قوة المنفذ، بل إلى ضعف الدولة وعجز القضاء، مما جعل الجريمة بلا ثمن سياسي فعلي.

في خلاصته، رأى صاغية أن ما بعد 2005 هو انتقال لبنان من مرحلة الوصاية المباشرة إلى مرحلة الضبط بالعنف غير المعلن، “إذ لم يعد الاغتيال حدثاً استثنائياً، بل أداة تأسيسية لنظام سياسي يقوم على الخوف والتوازن القسري، لا على التوافق الحر”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار