عون وبري وكواليس التفاوض حول السلاح

خلف غبار المعارك وضجيج الأصوات المرتفعة، بين بعبدا وحارة حريك وساحة النجمة، تدور عبر أقنية مختلفة، في بيروت وعواصم أخرى، مفاوضات جدّية حول المرحلة الآتية. ومع أنّ هذه المفاوضات لم «تتقولب» حتى الآن في أطر منظّمة ومبرمجة، فمن الواضح أنّ ركيزتها هي واشنطن وأفكار طرحتها قبل عام، لكن باريس وقوى عربية تتولّى الوساطة أيضاً. ويقود هذه المفاوضات من الجانب اللبناني الرئيس جوزاف عون بتنسيق كامل مع الرئيس نبيه بري. وحتى الآن، يتمحور النقاش حول الآتي: ما الضمانات المطلوبة ليتخلّى «حزب الله» عن السلاح، وتتوقف الحرب، وينخرط لبنان في مسار التسويات الإقليمية؟
من عوكر، صدر بيان قبل أيام، يعلن أنّ سفيري واشنطن في لبنان وإسرائيل أمضيا عطلة الأسبوع في ضيافة السفير الأميركي في الأردن. وفي هذه الخلوة، تمحور البحث حول سبل إدخال لبنان وإسرائيل في تسوية سلمية. ويكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة في لحظة اتجاه لبنان إلى فتح أقنية جديدة مع الولايات المتحدة، يدشنها قائد الجيش العماد رودولف هيكل بزيارته لواشنطن بعد أيام، وتُستأنف باجتماع «الميكانيزم» المنتظر في 25 شباط، فيما السفير ميشال عيسى العارف عميقاً بخصوصيات البلد، بات ممسكاً بالملف اللبناني.
في الواقع، ليست للأميركيين اتصالات بـ»حزب الله». لكن مفاوضاتهم مع الإيرانيين تتناول في جانب منها أوضاع لبنان و«الحزب» وخياراته عموماً. كما أنّ هناك عروضاً غير مباشرة لتسوية مع «الحزب» ينقلها الفرنسيون والشركاء العرب في المجموعة الخماسية، ولا سيما منها مصر، وفيها يتمّ تداول مجموعة أفكار يمكن أن تشجع «الحزب» على دخول تسوية يتخلّى فيها عن السلاح وينتقل إلى العمل السياسي.
ويستند كثير من الأفكار إلى طرح تقدّم به الموفد الأميركي توم براك في حزيران العام الفائت، ومنها بند يتعلق ببرنامج للتعويض عن ترسانة «الحزب» العسكرية التي سيتمّ تسليمها إلى الجيش اللبناني. ففي مقابل التخلّي عن السلاح الاستراتيجي، أي الصواريخ الدقيقة والبعيدة، تُعرض على «الحزب» موازنة تعويضات خاصة تُدفع لإعمار مناطقه وتطويرها، وتُضاف إليها مبالغ خاصة بتفكيك المنصات.
وكذلك، يتمّ تخصيص تعويضات مقابل السلاح المتوسط والمضاد للدروع. وإذ يُقال إنّ ورقة برّاك تجنّبت الدخول في تفاصيل العروض المالية، فثمة من تحدث عن سقوف عالية للتعويضات مقابل تسليم السلاح، بحيث تشكّل إغراءً للتخلّي عنه. مثلاً، تردّد أنّ البدل الذي يمكن الوصول إليه مقابل السلاح المتوسط قد يبلغ 20 ألف دولار للقطعة الواحدة مع كل تجهيزاتها. وأما السلاح الفردي وذخائره فيتمّ شراؤها بأسعار تفوق أسعار السوق بكثير، أي بضعة آلاف من الدولارات للقطعة الواحدة، بهدف تشجيع الأشخاص غير المنظمين حزبياً على التخلّي عن هذا السلاح المتفلت.
لكن المقايضة الكبرى لا تقتصر على السلاح وثمنه، بل تتجاوزه إلى «ثمن الاستقرار» عموماً. فالمشروع الأساسي الذي طرحه برّاك يلحظ ضخ 14 مليار دولار على مدار 10 سنوات، موزعة كالآتي:
ـ 6 مليارات دولار لإعادة إعمار الوحدات السكنية والبنية التحتية في الضاحية والجنوب والبقاع، شرط التسليم الكامل للمربعات الأمنية.
ـ 4 مليارات دولار لدعم مقاتلي «الحزب» المدمجين في المؤسسات، لضمان رواتبهم وتقاعدهم، ومزايا اجتماعية تضاهي ما كانوا يتقاضونه سابقاً.
ـ 4 مليارات دولار أخرى في شكل استثمارات في مناطق اقتصادية خاصة على الحدود الشرقية والجنوبية لتوفير نحو 50 ألف فرصة عمل بديلة للعناصر المنخرطين حالياً في العمل العسكري.
هذه العروض أحدثت في حينه سجالات في الأوساط الحزبية، وما زالت. وبينما يرفض الجناح المتشدّد منطق «البيع والشراء»، يضغط الجناح الواقعي للحصول على ضمانات إضافية قبل إبرام الصفقة. ويبدو أنّ الوسطاء يركّزون على نقطتين أساسيتين: ضمان استمرار التعويضات لسنوات، خصوصاً إذا تغيّرت الإدارة الأميركية. والحصانة الشاملة أي ربط تسليم السلاح بـ«صك براءة ذمة» دولي يمنع ملاحقة أي كادر بتهمة «الإرهاب» سابقاً. وهذا يذكّر بالنموذج الذي شهدته سوريا ورئيسها بعد سقوط بشار الأسد.
يكرّر الأميركيون في اتصالاتهم مع عون وبري، أنّ نموذج الرئيس أحمد الشرع نجح لأنّه اعتمد مبدأ الواقعية وخرج من التهمة بالإرهاب إلى التسويات السياسية. وتشجع واشنطن «حزب الله» على أن يكون شريكاً في تسويات مماثلة وفي عملية البناء السخية، بدلاً من البقاء هدفاً لعمليات عسكرية بلا أي أفق. ويعني نموذج الشرع أن يسلك لبنان الرسمي، بمشاركة شيعية فاعلة، طريق المفاوضات المباشرة على مستوى سياسي رفيع مع إسرائيل.
ولكن، بات يُسمع علناً أنّ المفاوض الشيعي يطلب أيضاً ضمانات ومكاسب سياسية ومالية وأمنية إضافية في داخل النظام، كأن يكون للشيعة موقع نائب رئيس الجمهورية أو قائد الجيش ومواقع أخرى. وهذا الأمر يشكّل مأزقاً داخلياً لبنانياً. فالقوى السياسية والطائفية الأخرى تعتبر أنّ من غير الجائز إنهاء سيطرة «الحزب» على الدولة بالسلاح، وإتاحة المجال له لكي يسيطر عليها بطرق أخرى. ولذلك، تبقى الأسئلة عالقة: هل ستتمّ الصفقة المنتظرة مع «حزب الله»، في توقيتها المناسب؟
يدرك أركان الحكم أنّ الفرصة قصيرة قبل أن تغلق واشنطن «دفتر العروض»، فتفتح إسرائيل «دفتر النيران» على مداه. ولذلك، هذه السنة 2026 ، بأشهرها الأولى خصوصاً، ستكون حاسمة: إما المقايضة الكبرى، وإما البحث عن حطام السلاح بين ركام المنازل المدمّرة على رؤوس أهلها… وركام التسويات القتيلة! ولذلك، يستعجل عون، ويساعده بري، فالمسؤولية عليهما كبيرة والحمل ثقيل.
عون وبري وكواليس التفاوض حول السلاح

خلف غبار المعارك وضجيج الأصوات المرتفعة، بين بعبدا وحارة حريك وساحة النجمة، تدور عبر أقنية مختلفة، في بيروت وعواصم أخرى، مفاوضات جدّية حول المرحلة الآتية. ومع أنّ هذه المفاوضات لم «تتقولب» حتى الآن في أطر منظّمة ومبرمجة، فمن الواضح أنّ ركيزتها هي واشنطن وأفكار طرحتها قبل عام، لكن باريس وقوى عربية تتولّى الوساطة أيضاً. ويقود هذه المفاوضات من الجانب اللبناني الرئيس جوزاف عون بتنسيق كامل مع الرئيس نبيه بري. وحتى الآن، يتمحور النقاش حول الآتي: ما الضمانات المطلوبة ليتخلّى «حزب الله» عن السلاح، وتتوقف الحرب، وينخرط لبنان في مسار التسويات الإقليمية؟
من عوكر، صدر بيان قبل أيام، يعلن أنّ سفيري واشنطن في لبنان وإسرائيل أمضيا عطلة الأسبوع في ضيافة السفير الأميركي في الأردن. وفي هذه الخلوة، تمحور البحث حول سبل إدخال لبنان وإسرائيل في تسوية سلمية. ويكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة في لحظة اتجاه لبنان إلى فتح أقنية جديدة مع الولايات المتحدة، يدشنها قائد الجيش العماد رودولف هيكل بزيارته لواشنطن بعد أيام، وتُستأنف باجتماع «الميكانيزم» المنتظر في 25 شباط، فيما السفير ميشال عيسى العارف عميقاً بخصوصيات البلد، بات ممسكاً بالملف اللبناني.
في الواقع، ليست للأميركيين اتصالات بـ»حزب الله». لكن مفاوضاتهم مع الإيرانيين تتناول في جانب منها أوضاع لبنان و«الحزب» وخياراته عموماً. كما أنّ هناك عروضاً غير مباشرة لتسوية مع «الحزب» ينقلها الفرنسيون والشركاء العرب في المجموعة الخماسية، ولا سيما منها مصر، وفيها يتمّ تداول مجموعة أفكار يمكن أن تشجع «الحزب» على دخول تسوية يتخلّى فيها عن السلاح وينتقل إلى العمل السياسي.
ويستند كثير من الأفكار إلى طرح تقدّم به الموفد الأميركي توم براك في حزيران العام الفائت، ومنها بند يتعلق ببرنامج للتعويض عن ترسانة «الحزب» العسكرية التي سيتمّ تسليمها إلى الجيش اللبناني. ففي مقابل التخلّي عن السلاح الاستراتيجي، أي الصواريخ الدقيقة والبعيدة، تُعرض على «الحزب» موازنة تعويضات خاصة تُدفع لإعمار مناطقه وتطويرها، وتُضاف إليها مبالغ خاصة بتفكيك المنصات.
وكذلك، يتمّ تخصيص تعويضات مقابل السلاح المتوسط والمضاد للدروع. وإذ يُقال إنّ ورقة برّاك تجنّبت الدخول في تفاصيل العروض المالية، فثمة من تحدث عن سقوف عالية للتعويضات مقابل تسليم السلاح، بحيث تشكّل إغراءً للتخلّي عنه. مثلاً، تردّد أنّ البدل الذي يمكن الوصول إليه مقابل السلاح المتوسط قد يبلغ 20 ألف دولار للقطعة الواحدة مع كل تجهيزاتها. وأما السلاح الفردي وذخائره فيتمّ شراؤها بأسعار تفوق أسعار السوق بكثير، أي بضعة آلاف من الدولارات للقطعة الواحدة، بهدف تشجيع الأشخاص غير المنظمين حزبياً على التخلّي عن هذا السلاح المتفلت.
لكن المقايضة الكبرى لا تقتصر على السلاح وثمنه، بل تتجاوزه إلى «ثمن الاستقرار» عموماً. فالمشروع الأساسي الذي طرحه برّاك يلحظ ضخ 14 مليار دولار على مدار 10 سنوات، موزعة كالآتي:
ـ 6 مليارات دولار لإعادة إعمار الوحدات السكنية والبنية التحتية في الضاحية والجنوب والبقاع، شرط التسليم الكامل للمربعات الأمنية.
ـ 4 مليارات دولار لدعم مقاتلي «الحزب» المدمجين في المؤسسات، لضمان رواتبهم وتقاعدهم، ومزايا اجتماعية تضاهي ما كانوا يتقاضونه سابقاً.
ـ 4 مليارات دولار أخرى في شكل استثمارات في مناطق اقتصادية خاصة على الحدود الشرقية والجنوبية لتوفير نحو 50 ألف فرصة عمل بديلة للعناصر المنخرطين حالياً في العمل العسكري.
هذه العروض أحدثت في حينه سجالات في الأوساط الحزبية، وما زالت. وبينما يرفض الجناح المتشدّد منطق «البيع والشراء»، يضغط الجناح الواقعي للحصول على ضمانات إضافية قبل إبرام الصفقة. ويبدو أنّ الوسطاء يركّزون على نقطتين أساسيتين: ضمان استمرار التعويضات لسنوات، خصوصاً إذا تغيّرت الإدارة الأميركية. والحصانة الشاملة أي ربط تسليم السلاح بـ«صك براءة ذمة» دولي يمنع ملاحقة أي كادر بتهمة «الإرهاب» سابقاً. وهذا يذكّر بالنموذج الذي شهدته سوريا ورئيسها بعد سقوط بشار الأسد.
يكرّر الأميركيون في اتصالاتهم مع عون وبري، أنّ نموذج الرئيس أحمد الشرع نجح لأنّه اعتمد مبدأ الواقعية وخرج من التهمة بالإرهاب إلى التسويات السياسية. وتشجع واشنطن «حزب الله» على أن يكون شريكاً في تسويات مماثلة وفي عملية البناء السخية، بدلاً من البقاء هدفاً لعمليات عسكرية بلا أي أفق. ويعني نموذج الشرع أن يسلك لبنان الرسمي، بمشاركة شيعية فاعلة، طريق المفاوضات المباشرة على مستوى سياسي رفيع مع إسرائيل.
ولكن، بات يُسمع علناً أنّ المفاوض الشيعي يطلب أيضاً ضمانات ومكاسب سياسية ومالية وأمنية إضافية في داخل النظام، كأن يكون للشيعة موقع نائب رئيس الجمهورية أو قائد الجيش ومواقع أخرى. وهذا الأمر يشكّل مأزقاً داخلياً لبنانياً. فالقوى السياسية والطائفية الأخرى تعتبر أنّ من غير الجائز إنهاء سيطرة «الحزب» على الدولة بالسلاح، وإتاحة المجال له لكي يسيطر عليها بطرق أخرى. ولذلك، تبقى الأسئلة عالقة: هل ستتمّ الصفقة المنتظرة مع «حزب الله»، في توقيتها المناسب؟
يدرك أركان الحكم أنّ الفرصة قصيرة قبل أن تغلق واشنطن «دفتر العروض»، فتفتح إسرائيل «دفتر النيران» على مداه. ولذلك، هذه السنة 2026 ، بأشهرها الأولى خصوصاً، ستكون حاسمة: إما المقايضة الكبرى، وإما البحث عن حطام السلاح بين ركام المنازل المدمّرة على رؤوس أهلها… وركام التسويات القتيلة! ولذلك، يستعجل عون، ويساعده بري، فالمسؤولية عليهما كبيرة والحمل ثقيل.










