إيران: إنقاذ النّظام فوق كل اعتبار!

الكاتب: علي حمادة | المصدر: النهار
27 شباط 2026

أهم ما كشفته الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران هو حجم البروباغندا الإيرانية التي بنى حولها النظام سردية مفادها أن إيران الثورة تواجه الولايات المتحدة وتتحداها وتلحق بها الهزيمة تلو الأخرى.

هذه البروباغندا انتشرت في أوساط محور القوى الممانعة، أو الأذرع المرتبطة بإيران في محاولة لخلق صورة أسطورية للنظام الإيراني ولأذرعه في الإقليم. خذوا مثلاً السردية التي روّج لها الأمين العام السابق لـ “الحزب” الذي كان يخرج على الإعلام في مسعى لإبراز صورة تعبر عن قوة لا تقاوم.

 

هنا نذكر بما كان يرد على لسان الأمين العام للحزب المذكور وقال إنه قادر على رسم معادلات جديدة في المنطقة، أو رداً على قتل قائد “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني، إنه قادر على طرد الولايات المتحدة من المنطقة. أما في الساحة السورية فقد زعموا أنهم واجهوا حرباً كونية حاولت أن تسقط النظام وأفشلوا المؤامرة التي كانت خلفها أميركا، فيما الحقيقة كانت أبسط بكثير، فقد تبين مع الوقت أن المشروع الإيراني، أقله في المنطقة، ما حقق تقدماً لولا تواطؤه والإدارات الأميركية السابقة الذي مكن إيران من التوسع العابر للحدود الوطنية للدول.

 

فلولا التواطؤ المشار إليه ما أفلت نظام بشار الأسد من ضربة ساحقة كان هدد بها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عقاباً للأسد على استخدامه السلاح الكيماوي ضد شعبه في الغوطة عام 2013. ولولا تواطؤ واشنطن مرة أخرى خلال عهد أوباما لما دخلت روسيا عام 2015 في الحرب السورية لإنقاذ النظام الذي كانت إيران قد فشلت في انتشاله من هزائمه العسكرية في الشمال وعلى تخوم منطقة الساحل، فضلاً عن الطوق الذي كان يحاصر العاصمة دمشق. ولولا السياسة الأميركية التي انتهجها الرئيس باراك أوباما حيال قضايا الإقليم في ولايتين متعاقبتين، لما كان هناك ما يسمى “داعش”، ولما ولد “الحشد الشعبي” الذي قتل من العراقيين أكثر مما قتل تنظيم “داعش”. وأزعم أكثر أنه لولا تراخي إدارتي الرئيس أوباما المتواطئ مع السياسات التوسعية الإيرانية في المنطقة لما سقط العراق إلى هذا الدرك مع بسط سيطرة الميليشيات التابعة لطهران على الدولة وثروات البلاد.

لم تتوسع إيران في المنطقة بهذا الشكل العدواني إلا لأن هذا التواطؤ سمح لها في مرحلة ما قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أن تتوسع وتهدد دول المنطقة بشكل أو بآخر. ولم يحصل التغيير في اتجاه الانكفاء والضمور الإقليمي مترافقاً مع الانهيار الداخلي على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والمالية إلا بعد انقضاء مرحلة التسامح التي شكلت “عملية طوفان الأقصى” الحد الفاصل بين المرحلة المذكورة ومرحلة التحجيم وصولاً إلى الإسقاط الذي بات احتمالاً وارداً على جدول أعمال الإدراة الحالية، حتى لو لم تحاول أن تسقط النظام من خلال حملة عسكرية طويلة الأمد.

 

وعندما نرى ما حل بنفوذ إيران في الإقليم في أعقاب 7 تشرين الأول 2023، وسقوط “ساحات” كانت حتى وقت قريب تعتبر ساحات أبدية للنفوذ الإيراني، فإننا نكتشف حقاً أن كل السردية التي سادت في العقود الأخيرة وهدفت إلى خلق صورة أسطورية لقدرات النظام الإيراني وميليشياته في العراق ولبنان واليمن كانت مجرد بروباغندا بنيت على أوهام لأنها لم تأخذ في الاعتبار أثر السياسات الأميركية في المنطقة، وحجم التواطؤ غير المنظور الذي أدى إلى تشجيع طهران على تعزيز اختراقها للساحات العربية.

مراجع جغرافية

ما تقدم لا يهدف إلى التقليل من براعة النظام الإيراني في استغلال مكامن الضعف العربي، والتقاطع الموضوعي بين مصالحه والمصالح الغربية في المرحلة السابقة. وعندما نتحدث عن الغرب لا نتحدث عن وحدة موقف داخل الدول الغربية، بل لنتحدث عن نجاح إيران في استغلال الشروخ في المواقف السياسية الغربية بين تيارات يمينية وأخرى تقدمية كانت تميل أساساً إلى إقامة علاقات متينة بالنظام الإيراني.

اليوم يصل النظام في إيران إلى نقطة النهاية في رحلة التمدد في الإقليم، كما في رحلة التواطؤ الفج مع حكومات غربية. هذه الرحلة توشك أن تنتهي على يد إدارة أميركية اتخذت قراراً واضحاً بمحاصرة إيران بنظامها الحالي، وبتجريده من عناصر قوة كان يعتقد أنه هو من أسس لها فيما الحقيقة أن عناصر القوة التي استند إليها لم يمتلكها إلا بعدما سمحوا له بذلك. هذا ليس تبسيطاً للواقع، بل ملاحظة لكيفية انهيار سرديات القوة المستندة إلى أوهام أو دعاية وبروباغندا. فها هي إيران الثورة تسارع في مفاوضاتها مع الولايات إلى تقديم تنازلات في الملف النووي كانت تعتبرها من المحرمات خلال ولاية الرئيس السابق جو بايدن. وها هي تحاول إغراء واشنطن بحزمات من المكاسب التجارية الاقتصادية تفوق قيمتها في مرحلتها الأولى ما يعادل تريليون دولار أميركي. كل ذلك لتجنب ضربة أميركية ساحقة، تحت عنوان إنقاذ النظام فوق كل اعتبار!

إيران: إنقاذ النّظام فوق كل اعتبار!

الكاتب: علي حمادة | المصدر: النهار
27 شباط 2026

أهم ما كشفته الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران هو حجم البروباغندا الإيرانية التي بنى حولها النظام سردية مفادها أن إيران الثورة تواجه الولايات المتحدة وتتحداها وتلحق بها الهزيمة تلو الأخرى.

هذه البروباغندا انتشرت في أوساط محور القوى الممانعة، أو الأذرع المرتبطة بإيران في محاولة لخلق صورة أسطورية للنظام الإيراني ولأذرعه في الإقليم. خذوا مثلاً السردية التي روّج لها الأمين العام السابق لـ “الحزب” الذي كان يخرج على الإعلام في مسعى لإبراز صورة تعبر عن قوة لا تقاوم.

 

هنا نذكر بما كان يرد على لسان الأمين العام للحزب المذكور وقال إنه قادر على رسم معادلات جديدة في المنطقة، أو رداً على قتل قائد “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني، إنه قادر على طرد الولايات المتحدة من المنطقة. أما في الساحة السورية فقد زعموا أنهم واجهوا حرباً كونية حاولت أن تسقط النظام وأفشلوا المؤامرة التي كانت خلفها أميركا، فيما الحقيقة كانت أبسط بكثير، فقد تبين مع الوقت أن المشروع الإيراني، أقله في المنطقة، ما حقق تقدماً لولا تواطؤه والإدارات الأميركية السابقة الذي مكن إيران من التوسع العابر للحدود الوطنية للدول.

 

فلولا التواطؤ المشار إليه ما أفلت نظام بشار الأسد من ضربة ساحقة كان هدد بها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عقاباً للأسد على استخدامه السلاح الكيماوي ضد شعبه في الغوطة عام 2013. ولولا تواطؤ واشنطن مرة أخرى خلال عهد أوباما لما دخلت روسيا عام 2015 في الحرب السورية لإنقاذ النظام الذي كانت إيران قد فشلت في انتشاله من هزائمه العسكرية في الشمال وعلى تخوم منطقة الساحل، فضلاً عن الطوق الذي كان يحاصر العاصمة دمشق. ولولا السياسة الأميركية التي انتهجها الرئيس باراك أوباما حيال قضايا الإقليم في ولايتين متعاقبتين، لما كان هناك ما يسمى “داعش”، ولما ولد “الحشد الشعبي” الذي قتل من العراقيين أكثر مما قتل تنظيم “داعش”. وأزعم أكثر أنه لولا تراخي إدارتي الرئيس أوباما المتواطئ مع السياسات التوسعية الإيرانية في المنطقة لما سقط العراق إلى هذا الدرك مع بسط سيطرة الميليشيات التابعة لطهران على الدولة وثروات البلاد.

لم تتوسع إيران في المنطقة بهذا الشكل العدواني إلا لأن هذا التواطؤ سمح لها في مرحلة ما قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أن تتوسع وتهدد دول المنطقة بشكل أو بآخر. ولم يحصل التغيير في اتجاه الانكفاء والضمور الإقليمي مترافقاً مع الانهيار الداخلي على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والمالية إلا بعد انقضاء مرحلة التسامح التي شكلت “عملية طوفان الأقصى” الحد الفاصل بين المرحلة المذكورة ومرحلة التحجيم وصولاً إلى الإسقاط الذي بات احتمالاً وارداً على جدول أعمال الإدراة الحالية، حتى لو لم تحاول أن تسقط النظام من خلال حملة عسكرية طويلة الأمد.

 

وعندما نرى ما حل بنفوذ إيران في الإقليم في أعقاب 7 تشرين الأول 2023، وسقوط “ساحات” كانت حتى وقت قريب تعتبر ساحات أبدية للنفوذ الإيراني، فإننا نكتشف حقاً أن كل السردية التي سادت في العقود الأخيرة وهدفت إلى خلق صورة أسطورية لقدرات النظام الإيراني وميليشياته في العراق ولبنان واليمن كانت مجرد بروباغندا بنيت على أوهام لأنها لم تأخذ في الاعتبار أثر السياسات الأميركية في المنطقة، وحجم التواطؤ غير المنظور الذي أدى إلى تشجيع طهران على تعزيز اختراقها للساحات العربية.

مراجع جغرافية

ما تقدم لا يهدف إلى التقليل من براعة النظام الإيراني في استغلال مكامن الضعف العربي، والتقاطع الموضوعي بين مصالحه والمصالح الغربية في المرحلة السابقة. وعندما نتحدث عن الغرب لا نتحدث عن وحدة موقف داخل الدول الغربية، بل لنتحدث عن نجاح إيران في استغلال الشروخ في المواقف السياسية الغربية بين تيارات يمينية وأخرى تقدمية كانت تميل أساساً إلى إقامة علاقات متينة بالنظام الإيراني.

اليوم يصل النظام في إيران إلى نقطة النهاية في رحلة التمدد في الإقليم، كما في رحلة التواطؤ الفج مع حكومات غربية. هذه الرحلة توشك أن تنتهي على يد إدارة أميركية اتخذت قراراً واضحاً بمحاصرة إيران بنظامها الحالي، وبتجريده من عناصر قوة كان يعتقد أنه هو من أسس لها فيما الحقيقة أن عناصر القوة التي استند إليها لم يمتلكها إلا بعدما سمحوا له بذلك. هذا ليس تبسيطاً للواقع، بل ملاحظة لكيفية انهيار سرديات القوة المستندة إلى أوهام أو دعاية وبروباغندا. فها هي إيران الثورة تسارع في مفاوضاتها مع الولايات إلى تقديم تنازلات في الملف النووي كانت تعتبرها من المحرمات خلال ولاية الرئيس السابق جو بايدن. وها هي تحاول إغراء واشنطن بحزمات من المكاسب التجارية الاقتصادية تفوق قيمتها في مرحلتها الأولى ما يعادل تريليون دولار أميركي. كل ذلك لتجنب ضربة أميركية ساحقة، تحت عنوان إنقاذ النظام فوق كل اعتبار!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار