حماوة سياسية تسبق تسوية الانتخابات والتأجيل يتقدّم

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
17 شباط 2026

أكثر من مؤشر سياسي أو قانوني أو حتى تقني برز في الأيام القليلة الماضية، ولا سيما منذ أن فتحت وزارة الداخلية باب قبول الترشيحات للانتخابات النيابية، فرفعت أسهم التشكيك في إمكان حصول الاستحقاق في موعده المقرر في أيار المقبل. وقد تزامن بروز هذه المؤشرات دفعة واحدة على نحو يشي بأنها انعكاس لأمر من اثنين: التأجيل تحت مسمى تقني أقله لشهرين، حتى اكتمال الجهوزية القانونية واللوجيستية لإجراء الانتخابات، من دون ترك أي مجال للطعن بها لاحقاً، ما يقود إلى المعطى الثاني الذي يصب عملياً في هذا المنحى، ويكمن في رفع سقف الحماوة السياسية إلى أقصى حد تمهيداً لنزول الجميع عن شجرة المطالب والشروط، وصولاً إلى التسوية التي يبحث عنها كل فريق، ولا يجد لها سبيلاً وسط المكابرة ورفض الاعتراض لما يضمر كل منهم أو ما يتوقعه من الاستحقاق الانتخابي.

وعليه، فإن خريطة مواقف الكتل الكبرى باتت واضحة: الثنائي الشيعي الممسك بمفتاح المجلس عبر رئيسه نبيه بري، لا يريد تصويتاً في دول الانتشار تحت أيّ ظرف، لمعرفته أن قدراته اللوجيستية لدفع الناخبين إلى الاقتراع للوائحه ليست نفسها في الخارج كما في الداخل. والأمر عينه ينطبق على التصويت وفق الميغاسنتر. وبالتالي، فهو لن يخوض الانتخابات إلا بعد أن يسقط حق الاقتراع في الخارج لـ128 نائباً أو بموجب البطاقة الممغنطة أو الميغاسنتر، ويصرّ، كما يفعل بري نفسه، على التمسك بالقانون النافذ لانتخاب 6 نواب للانتشار.

يواجه الثنائي تحالفا متماسكا يضم حزبي “القوات اللبنانية” والكتائب وبعض المستقلين، بهدف الدفع نحو تعديل القانون. أما “التيار الوطني الحر” فلا يمانع ضمنا في إبقاء القديم على قدمه، لمعرفته أن هذه الانتخابات ستشكل معركة وجودية له، وستدفعه إلى تحالفات تعيده إلى حضن الثنائي مجدداً.

ويأتي الدور اليوم على “تيار المستقبل”، بعد المعطى الجديد الذي قدمه رئيسه سعد الحريري، عندما كشف أن الحريريين سيشاركون في العملية الانتخابية، من دون أن يحدد ما إذا كانت مشاركة في التصويت أو في الترشح أيضاً. والحال أن أبرز معطى سياسي لمصير الانتخابات كشفه الحريري أيضاً عندما شكك في إمكان حصولها. لم يكن هذا التشكيك مخرجاً له لعدم إعلان موقفه من الترشح أمام جمهوره، بقدر ما كان مستنداً إلى معطيات خارجية تشي بصعوبة التزام الدولة الموعد المحدد. وهذا يقود بدوره إلى المعطى اللوجيستي الذي يعكس عجز وزارة الداخلية حتى الساعة عن تقديم خدمات قبول الترشح، إذ يتعذر على المرشحين تقديم ترشيحاتهم وبتّ هذا الأمر. ولم يتجاوز عدد المرشحين حتى الآن ثلاثة (بري وقبلان قبلان وفادي الخواجة). والأمر ينسحب على عجز الحكومة على مواكبة الانتخاب في الخارج. وقد أوضح وزير الداخلية أن الوزارة قادرة على السير بالانتخابات.
يبقى المؤشر السياسي الأبرز، وهو ما تكشف في اليومين الأخيرين من مواجهة على مستوى السلطة السياسية. فقد جاء الرد الناري لرئيس المجلس على رأي هيئة الاستشارات ليشعل جدلاً قانونياً من جهة، ومواجهة سياسية ليس مع رئيس الوزراء كما تردد، على قاعدة أن الحكومة هي من سيتخذ القرار بناء على رأي الهيئة، وإنما مع رئيس الجمهورية، بالرغم من العلاقة الوطيدة بينهما.

ففي حين يقف الرئيس جوزف عون على الحياد من موقعه كحكم كما يكرر دائماً أمام زواره، إلا أن هذا الحياد لم يخف في طياته تبايناً أو اختلافاً مع بري في مقاربة الموضوع، على الرغم من التوافق بينهما على ضرورة التزام الموعد المحدد للانتخابات وحتمية إجرائها. لكن قول بري إن هناك من يقف وراء رأي الهيئة، وجّه الأنظار نحو بعبدا، مع أن أوساط عين التينة دفعته في اتجاه وزارة العدل!

وبحسب المعلومات المتوافرة، فيما تعوّل الحكومة على رأي هيئة التشريع والاستشارات، وإن يكن استشارياً وغير ملزم، فإنه يشكل مستنداً يمكن الارتكاز عليه لطلب تعليق العمل بالمادتين المتصلتين باقتراع المغتربين للنواب الستة واعتماد البطاقة الممغنطة. ولكن لا يمكن الحكومة بت هذا الموضوع من دون العودة إلى مجلس النواب لتعديل القانون. من هنا يجري استغلال عامل الوقت للضغط للتوصل إلى إنضاج التسوية بعد أن تصبح المهل ضاغطة وتعرّض القانون للطعن.
وعليه، لا تستبعد المصادر أن تتقاطع المعطيات الخارجية حول تأجيل الانتخابات مع المؤشرات الداخلية للدفع نحو التأجيل لفترة وجيزة، في انتظار تغير ما في المشهد الإقليمي يمكن أن يكون له أثره على التركيبة المقبلة للمجلس وميزان القوى فيه!

حماوة سياسية تسبق تسوية الانتخابات والتأجيل يتقدّم

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
17 شباط 2026

أكثر من مؤشر سياسي أو قانوني أو حتى تقني برز في الأيام القليلة الماضية، ولا سيما منذ أن فتحت وزارة الداخلية باب قبول الترشيحات للانتخابات النيابية، فرفعت أسهم التشكيك في إمكان حصول الاستحقاق في موعده المقرر في أيار المقبل. وقد تزامن بروز هذه المؤشرات دفعة واحدة على نحو يشي بأنها انعكاس لأمر من اثنين: التأجيل تحت مسمى تقني أقله لشهرين، حتى اكتمال الجهوزية القانونية واللوجيستية لإجراء الانتخابات، من دون ترك أي مجال للطعن بها لاحقاً، ما يقود إلى المعطى الثاني الذي يصب عملياً في هذا المنحى، ويكمن في رفع سقف الحماوة السياسية إلى أقصى حد تمهيداً لنزول الجميع عن شجرة المطالب والشروط، وصولاً إلى التسوية التي يبحث عنها كل فريق، ولا يجد لها سبيلاً وسط المكابرة ورفض الاعتراض لما يضمر كل منهم أو ما يتوقعه من الاستحقاق الانتخابي.

وعليه، فإن خريطة مواقف الكتل الكبرى باتت واضحة: الثنائي الشيعي الممسك بمفتاح المجلس عبر رئيسه نبيه بري، لا يريد تصويتاً في دول الانتشار تحت أيّ ظرف، لمعرفته أن قدراته اللوجيستية لدفع الناخبين إلى الاقتراع للوائحه ليست نفسها في الخارج كما في الداخل. والأمر عينه ينطبق على التصويت وفق الميغاسنتر. وبالتالي، فهو لن يخوض الانتخابات إلا بعد أن يسقط حق الاقتراع في الخارج لـ128 نائباً أو بموجب البطاقة الممغنطة أو الميغاسنتر، ويصرّ، كما يفعل بري نفسه، على التمسك بالقانون النافذ لانتخاب 6 نواب للانتشار.

يواجه الثنائي تحالفا متماسكا يضم حزبي “القوات اللبنانية” والكتائب وبعض المستقلين، بهدف الدفع نحو تعديل القانون. أما “التيار الوطني الحر” فلا يمانع ضمنا في إبقاء القديم على قدمه، لمعرفته أن هذه الانتخابات ستشكل معركة وجودية له، وستدفعه إلى تحالفات تعيده إلى حضن الثنائي مجدداً.

ويأتي الدور اليوم على “تيار المستقبل”، بعد المعطى الجديد الذي قدمه رئيسه سعد الحريري، عندما كشف أن الحريريين سيشاركون في العملية الانتخابية، من دون أن يحدد ما إذا كانت مشاركة في التصويت أو في الترشح أيضاً. والحال أن أبرز معطى سياسي لمصير الانتخابات كشفه الحريري أيضاً عندما شكك في إمكان حصولها. لم يكن هذا التشكيك مخرجاً له لعدم إعلان موقفه من الترشح أمام جمهوره، بقدر ما كان مستنداً إلى معطيات خارجية تشي بصعوبة التزام الدولة الموعد المحدد. وهذا يقود بدوره إلى المعطى اللوجيستي الذي يعكس عجز وزارة الداخلية حتى الساعة عن تقديم خدمات قبول الترشح، إذ يتعذر على المرشحين تقديم ترشيحاتهم وبتّ هذا الأمر. ولم يتجاوز عدد المرشحين حتى الآن ثلاثة (بري وقبلان قبلان وفادي الخواجة). والأمر ينسحب على عجز الحكومة على مواكبة الانتخاب في الخارج. وقد أوضح وزير الداخلية أن الوزارة قادرة على السير بالانتخابات.
يبقى المؤشر السياسي الأبرز، وهو ما تكشف في اليومين الأخيرين من مواجهة على مستوى السلطة السياسية. فقد جاء الرد الناري لرئيس المجلس على رأي هيئة الاستشارات ليشعل جدلاً قانونياً من جهة، ومواجهة سياسية ليس مع رئيس الوزراء كما تردد، على قاعدة أن الحكومة هي من سيتخذ القرار بناء على رأي الهيئة، وإنما مع رئيس الجمهورية، بالرغم من العلاقة الوطيدة بينهما.

ففي حين يقف الرئيس جوزف عون على الحياد من موقعه كحكم كما يكرر دائماً أمام زواره، إلا أن هذا الحياد لم يخف في طياته تبايناً أو اختلافاً مع بري في مقاربة الموضوع، على الرغم من التوافق بينهما على ضرورة التزام الموعد المحدد للانتخابات وحتمية إجرائها. لكن قول بري إن هناك من يقف وراء رأي الهيئة، وجّه الأنظار نحو بعبدا، مع أن أوساط عين التينة دفعته في اتجاه وزارة العدل!

وبحسب المعلومات المتوافرة، فيما تعوّل الحكومة على رأي هيئة التشريع والاستشارات، وإن يكن استشارياً وغير ملزم، فإنه يشكل مستنداً يمكن الارتكاز عليه لطلب تعليق العمل بالمادتين المتصلتين باقتراع المغتربين للنواب الستة واعتماد البطاقة الممغنطة. ولكن لا يمكن الحكومة بت هذا الموضوع من دون العودة إلى مجلس النواب لتعديل القانون. من هنا يجري استغلال عامل الوقت للضغط للتوصل إلى إنضاج التسوية بعد أن تصبح المهل ضاغطة وتعرّض القانون للطعن.
وعليه، لا تستبعد المصادر أن تتقاطع المعطيات الخارجية حول تأجيل الانتخابات مع المؤشرات الداخلية للدفع نحو التأجيل لفترة وجيزة، في انتظار تغير ما في المشهد الإقليمي يمكن أن يكون له أثره على التركيبة المقبلة للمجلس وميزان القوى فيه!

مزيد من الأخبار