التحذير الأميركي… هل ينجح لبنان في الامتحان؟

يقف لبنان في أخطر موقع ممكن، بلد مدمر اقتصادياً، مفكك سياسياً، عاجز عسكرياً، لكنه لا يزال يستخدم كمنصة من قبل “حزب الله”. فهل يسمح للبنان بأن يُزج به مرة أخرى في حرب لا قرار له فيها؟
ما يجري في الإقليم ليس تطوراً عسكرياً عابراً، ولا فصلاً جديداً في كتاب المناوشات المعتادة. نحن أمام منعطف تاريخي كبير، قد يوازي في نتائجه سقوط أنظمة ظنت أنها عصية على الانكسار. الحرب الأميركية– الإسرائيلية ضد إيران تحولت إلى مواجهة مفتوحة تستهدف جوهر النظام الإيراني، النظام الذي حكم منذ عام 1979 على قاعدة “تصدير الثورة” لا بناء الدولة، وعلى تحويل الفوضى الإقليمية إلى أداة حكم ونفوذ.
لأكثر من أربعة عقود، لم تتصرف إيران كدولة طبيعية. فلم تبنِ نموذج تنمية، ولم تدخل في النظام الدولي، بل أسست مشروعاً ثيوقراطياً توسعياً، استثمر في الميليشيات وخرق سيادة الدول وحوّل العواصم العربية إلى منصات نفوذ. لبنان وسوريا والعراق واليمن، كلها دفعت ثمن هذا المشروع، دمار وتفكك وانهيار مؤسسات. وفي كل مرة، كانت الشعوب تُستنزف باسم “المواجهة”، فيما كانت طهران تراكم أوراقها.
اليوم، هذا النموذج يواجه احتمال سقوطه المحتم، إذ إن فشل المسار التفاوضي وانهيار أوهام التسويات الجزئية ورفض إيران الانصياع للشروط الدولية، أدت إلى انتقال المواجهة من الحرب بالوكالة إلى الصدام المباشر. والهدف لم يعُد تعديل سلوك، بل إنهاء نموذج حكم كامل، أو في الأقل كسره إلى حد العجز عن الاستمرار كما كان.
هنا، تنفتح المنطقة على مشهد جديد، بعضهم يراه “شرق أوسط جديداً” قائماً على السلام والاقتصاد والاستقرار، بعد عقود من الحروب العقائدية. وبعضهم الآخر، خصوصاً حلفاء إيران، يصفه بأنه “الزمن الأميركي- الإسرائيلي” لكن القراءة الباردة تقول إن المنطقة تتجه نحو منطق مختلف، الدولة بدلاً من الميليشيا والسيادة بدلاً من الوصاية والمصالح بدلاً من الشعارات.
وسط هذا الزلزال، يقف لبنان في أخطر موقع ممكن. بلد مدمر اقتصادياً، مفكك سياسياً، عاجز عسكرياً، لكنه لا يزال يستخدم كمنصة من قبل “حزب الله”. والسؤال الذي لا يمكن الهروب منه، هل يسمح للبنان أن يُزج مرة أخرى في حرب لا قرار له فيها؟
لبنان لا يريد الحرب. هذه ليست جملة إنشائية ولا موقفاً حيادياً، بل حقيقة وجودية، أي إن دخول لـ”حزب الله” في أية حملة عسكرية سيجر لبنان فوراً إلى حرب شاملة، ويترك البلاد في حال دمار شامل، فلا قدرة على الاحتمال ولا بنية تحتية ولا غطاء دولياً، ولا حتى هامش مناورة. والتجربة السابقة لا تزال حية في ذاكرة اللبنانيين، دمار بلا أفق وانهيار بلا قاع.
وهنا، تبرز مسؤولية نبيه بري بوصفه كبير الطائفة الشيعية وقائدها الفعلي خلال هذه المرحلة. فلم يعُد مقبولاً أن يبقى في موقع المتفرج أو إدارة الوقت، وعليه واجب واضح، منع “حزب الله” من جر البلد والطائفة إلى الانتحار، فالطائفة الشيعية اليوم مهددة بخطر وجودي حقيقي، لا بخطر إعلامي. وصمت القيادة في لحظة كهذه لا يفسر على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. والسؤال الذي يفرض نفسه بلا مواربة، من يتحكم بالآخر في هذا التحالف؟ “حزب الله” أم نبيه بري؟ فهذه لحظة اختبار، لا لحظة توازنات رمادية.
أما نعيم قاسم، فهو أمام خيار مصيري، إما أن يختار الانتحار السياسي، ويجر الحزب ولبنان معه إلى الهاوية، أو أن يحافظ على حضور سلمي داخل لبنان، يصون من خلاله نفوذ الحزب داخل الطائفة والدولة. والتاريخ مليء بقيادات رفضت الاعتراف بانتهاء دورها فسقطت مع مشاريعها، لا بفعل أعدائها بل بفعل عنادها.
ورأينا جميعاً إلى أين قادتنا آخر حرب خاضها “حزب الله” بإرادته. ولبنان لن يقبل أن يُضحى به مرة أخرى من أجل حروب الآخرين. وإذا كرر الحزب هذا الخطأ، فقد يكون الأخير الذي يسمح له بارتكابه، إذ إن البيئة الدولية تغيرت والصبر انتهى والرسائل باتت نهائية.
وهنا نصل إلى مسؤولية الدولة اللبنانية. الآن، وليس غداً، هو الوقت المناسب لكي تكون الدولة ذات سيادة فعلية، دولة تعتني بمواطنيها وتحميهم ولا تسمح لأية منظمة، أيّاً كان حجمها أو تاريخها، بأن تتخذ قرارات الحرب والسلم نيابة عنها. والدولة وافقت رسمياً على وقف إطلاق النار وكانت شريكة فيه، بالتالي تتحمل المسؤولية الكاملة عما يحصل على أراضيها.
والتحذيرات الأميركية كانت حاسمة وواضحة، أي صاروخ ينطلق من لبنان سيعتبر تهديداً مباشراً وإعلان حرب، ليس فقط على إسرائيل بل على الولايات المتحدة نفسها. ولا أنصاف حلول، ولا ازدواجية بعد اليوم. وإذا دخل “حزب الله” في أية حملة عسكرية تنتهك السيادة وتجر البلاد إلى دمار جديد، فلن يكون أمام الدولة اللبنانية خيار سوى حظر التنظيم دفاعاً عن الكيان اللبناني.
أما الطائفة الشيعية، فهي المعنية الأولى بكسر هذه الحلقة. إيران حفرت هذه الحفرة لنفسها. لم تأتِ يوماً لمساعدة شيعة لبنان عندما دمرت بيوتهم في الحرب السابقة، ولم تبنِ لهم دولة، ولم تحمِ مستقبلهم. ولا مبرر لأن يضحي شيعة لبنان بأنفسهم من أجل نظام ثيوقراطي في طهران يواجه اليوم أخطر لحظة في تاريخه. وشيعة لبنان هم أبناء جبل عامل، لا أبناء طهران، وأولويتهم يجب أن تكون إعادة الإعمار والتعافي وبناء مستقبل داخل دولتهم.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان واضحاً، الولايات المتحدة عازمة وقادرة. هذه ليست لغة استعراض، بل إعلان سياسة، فأي عمل يقوم به “حزب الله” ضد إسرائيل أو أهداف أميركية سيجر لبنان إلى مواجهة مباشرة مع قوة عظمى، في لحظة هو فيها غير قادر حتى على إدارة أزماته الداخلية.
لبنان اليوم أمام امتحان تاريخي. إما أن يختار أن يكون دولة، أو أن يبقى ساحة. وإما أن ينقذ نفسه، أو أن يترك مرة أخرى بين شقي الصراع، ويدفع الثمن كاملاً. وهذه ليست معركة شجاعة، بل معركة بقاء، والتاريخ لا يرحم من أضاع الفرصة.
التحذير الأميركي… هل ينجح لبنان في الامتحان؟

يقف لبنان في أخطر موقع ممكن، بلد مدمر اقتصادياً، مفكك سياسياً، عاجز عسكرياً، لكنه لا يزال يستخدم كمنصة من قبل “حزب الله”. فهل يسمح للبنان بأن يُزج به مرة أخرى في حرب لا قرار له فيها؟
ما يجري في الإقليم ليس تطوراً عسكرياً عابراً، ولا فصلاً جديداً في كتاب المناوشات المعتادة. نحن أمام منعطف تاريخي كبير، قد يوازي في نتائجه سقوط أنظمة ظنت أنها عصية على الانكسار. الحرب الأميركية– الإسرائيلية ضد إيران تحولت إلى مواجهة مفتوحة تستهدف جوهر النظام الإيراني، النظام الذي حكم منذ عام 1979 على قاعدة “تصدير الثورة” لا بناء الدولة، وعلى تحويل الفوضى الإقليمية إلى أداة حكم ونفوذ.
لأكثر من أربعة عقود، لم تتصرف إيران كدولة طبيعية. فلم تبنِ نموذج تنمية، ولم تدخل في النظام الدولي، بل أسست مشروعاً ثيوقراطياً توسعياً، استثمر في الميليشيات وخرق سيادة الدول وحوّل العواصم العربية إلى منصات نفوذ. لبنان وسوريا والعراق واليمن، كلها دفعت ثمن هذا المشروع، دمار وتفكك وانهيار مؤسسات. وفي كل مرة، كانت الشعوب تُستنزف باسم “المواجهة”، فيما كانت طهران تراكم أوراقها.
اليوم، هذا النموذج يواجه احتمال سقوطه المحتم، إذ إن فشل المسار التفاوضي وانهيار أوهام التسويات الجزئية ورفض إيران الانصياع للشروط الدولية، أدت إلى انتقال المواجهة من الحرب بالوكالة إلى الصدام المباشر. والهدف لم يعُد تعديل سلوك، بل إنهاء نموذج حكم كامل، أو في الأقل كسره إلى حد العجز عن الاستمرار كما كان.
هنا، تنفتح المنطقة على مشهد جديد، بعضهم يراه “شرق أوسط جديداً” قائماً على السلام والاقتصاد والاستقرار، بعد عقود من الحروب العقائدية. وبعضهم الآخر، خصوصاً حلفاء إيران، يصفه بأنه “الزمن الأميركي- الإسرائيلي” لكن القراءة الباردة تقول إن المنطقة تتجه نحو منطق مختلف، الدولة بدلاً من الميليشيا والسيادة بدلاً من الوصاية والمصالح بدلاً من الشعارات.
وسط هذا الزلزال، يقف لبنان في أخطر موقع ممكن. بلد مدمر اقتصادياً، مفكك سياسياً، عاجز عسكرياً، لكنه لا يزال يستخدم كمنصة من قبل “حزب الله”. والسؤال الذي لا يمكن الهروب منه، هل يسمح للبنان أن يُزج مرة أخرى في حرب لا قرار له فيها؟
لبنان لا يريد الحرب. هذه ليست جملة إنشائية ولا موقفاً حيادياً، بل حقيقة وجودية، أي إن دخول لـ”حزب الله” في أية حملة عسكرية سيجر لبنان فوراً إلى حرب شاملة، ويترك البلاد في حال دمار شامل، فلا قدرة على الاحتمال ولا بنية تحتية ولا غطاء دولياً، ولا حتى هامش مناورة. والتجربة السابقة لا تزال حية في ذاكرة اللبنانيين، دمار بلا أفق وانهيار بلا قاع.
وهنا، تبرز مسؤولية نبيه بري بوصفه كبير الطائفة الشيعية وقائدها الفعلي خلال هذه المرحلة. فلم يعُد مقبولاً أن يبقى في موقع المتفرج أو إدارة الوقت، وعليه واجب واضح، منع “حزب الله” من جر البلد والطائفة إلى الانتحار، فالطائفة الشيعية اليوم مهددة بخطر وجودي حقيقي، لا بخطر إعلامي. وصمت القيادة في لحظة كهذه لا يفسر على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. والسؤال الذي يفرض نفسه بلا مواربة، من يتحكم بالآخر في هذا التحالف؟ “حزب الله” أم نبيه بري؟ فهذه لحظة اختبار، لا لحظة توازنات رمادية.
أما نعيم قاسم، فهو أمام خيار مصيري، إما أن يختار الانتحار السياسي، ويجر الحزب ولبنان معه إلى الهاوية، أو أن يحافظ على حضور سلمي داخل لبنان، يصون من خلاله نفوذ الحزب داخل الطائفة والدولة. والتاريخ مليء بقيادات رفضت الاعتراف بانتهاء دورها فسقطت مع مشاريعها، لا بفعل أعدائها بل بفعل عنادها.
ورأينا جميعاً إلى أين قادتنا آخر حرب خاضها “حزب الله” بإرادته. ولبنان لن يقبل أن يُضحى به مرة أخرى من أجل حروب الآخرين. وإذا كرر الحزب هذا الخطأ، فقد يكون الأخير الذي يسمح له بارتكابه، إذ إن البيئة الدولية تغيرت والصبر انتهى والرسائل باتت نهائية.
وهنا نصل إلى مسؤولية الدولة اللبنانية. الآن، وليس غداً، هو الوقت المناسب لكي تكون الدولة ذات سيادة فعلية، دولة تعتني بمواطنيها وتحميهم ولا تسمح لأية منظمة، أيّاً كان حجمها أو تاريخها، بأن تتخذ قرارات الحرب والسلم نيابة عنها. والدولة وافقت رسمياً على وقف إطلاق النار وكانت شريكة فيه، بالتالي تتحمل المسؤولية الكاملة عما يحصل على أراضيها.
والتحذيرات الأميركية كانت حاسمة وواضحة، أي صاروخ ينطلق من لبنان سيعتبر تهديداً مباشراً وإعلان حرب، ليس فقط على إسرائيل بل على الولايات المتحدة نفسها. ولا أنصاف حلول، ولا ازدواجية بعد اليوم. وإذا دخل “حزب الله” في أية حملة عسكرية تنتهك السيادة وتجر البلاد إلى دمار جديد، فلن يكون أمام الدولة اللبنانية خيار سوى حظر التنظيم دفاعاً عن الكيان اللبناني.
أما الطائفة الشيعية، فهي المعنية الأولى بكسر هذه الحلقة. إيران حفرت هذه الحفرة لنفسها. لم تأتِ يوماً لمساعدة شيعة لبنان عندما دمرت بيوتهم في الحرب السابقة، ولم تبنِ لهم دولة، ولم تحمِ مستقبلهم. ولا مبرر لأن يضحي شيعة لبنان بأنفسهم من أجل نظام ثيوقراطي في طهران يواجه اليوم أخطر لحظة في تاريخه. وشيعة لبنان هم أبناء جبل عامل، لا أبناء طهران، وأولويتهم يجب أن تكون إعادة الإعمار والتعافي وبناء مستقبل داخل دولتهم.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان واضحاً، الولايات المتحدة عازمة وقادرة. هذه ليست لغة استعراض، بل إعلان سياسة، فأي عمل يقوم به “حزب الله” ضد إسرائيل أو أهداف أميركية سيجر لبنان إلى مواجهة مباشرة مع قوة عظمى، في لحظة هو فيها غير قادر حتى على إدارة أزماته الداخلية.
لبنان اليوم أمام امتحان تاريخي. إما أن يختار أن يكون دولة، أو أن يبقى ساحة. وإما أن ينقذ نفسه، أو أن يترك مرة أخرى بين شقي الصراع، ويدفع الثمن كاملاً. وهذه ليست معركة شجاعة، بل معركة بقاء، والتاريخ لا يرحم من أضاع الفرصة.






