تحوّلات أرقام الاستيراد: تأثير التحايل الكبير على الجباية الضريبيّة

يوم الثلاثاء، نشر بنك “بلوم إنفست” تقريرًا على موقعه المخصّص للأبحاث والدراسات، لتفصيل التحوّلات التي طرأت على قيمة استيراد كل صنف من أصناف السلع، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. أهميّة هذه الأرقام، تكمن في قدرتها على تبيان التغيّرات في أنماط عمل المستوردين، وفي استهلاك اللبنانيين، وفقًا لنوعيّة البضائع المستوردة وطبيعتها، بمعزل عن رقم الاستيراد الإجمالي الذي كنّا نعرفه أصلًا من تقارير إدارة الجمارك اللبنانيّة. أمّا الأهم، فهو أنّ التقرير يبيّن تحايل التجّار عبر استيراد وتخزين السلع قبيل رفع سعر صرف الدولار الجمركي، وهو ما فوّت إيرادات ضخمة على الدولة اللبنانيّة، بفعل تأخّر وزارة الماليّة في تصحيح آليّات استيفاء الرسوم.
قبل الدخول في تفاصيل أرقام استيراد كل صنف من أصناف السلع، من المهم الإشارة إلى أنّ قيمة الاستيراد الإجماليّة كانت قد ارتفعت بنسبة كبيرة بلغت حدود 39.68% خلال العام 2022، لتصل إلى نحو 19 مليار دولار أميركي، مقارنة بـ13.64 مليار دولار خلال العام السابق 2021. غير أنّ هذا الرقم الضخم عاد وانخفض إلى 17.52 مليار دولار خلال العام 2023، أي بنسبة انخفاض قاربت حدود 8%. السؤال عن طبيعة العوامل التي فرضت هذا التغيّر، تدفعنا للبحث في تغيّر قيمة استيراد كل نوع من البضائع على حدة.
تأثير الدولار الجمركي والتحايل على الجباية الضريبيّة
في أرقام الأعوام الثلاثة، ثمّة نمط واضح لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه، بالنسبة إلى مجموعة من السلع التي تغيّرت قيمة استيرادها بشكل متشابه جدًا. على سبيل المثال، ارتفعت قيمة استيراد السيّارات ووسائل النقل خلال العام 2022 بنسبة هائلة قاربت 78%، قبل أن ينخفض هذا الرقم بشكل مفاجئ بنسبة 42% خلال العام 2023. على النحو نفسه، قفزت قيمة استيراد المعدات الإلكترونيّة والميكانيكيّة بنسبة أعلى بلغت 108% خلال العام 2022، قبل أن تسجّل انخفاضًا قاسيًا بنسبة 33.5% خلال العام اللاحق 2023. المصنوعات الخشبيّة شهدت التحوّل نفسه: ارتفاعًا مفاجئًا بنسبة 63% عام 2022، ثم انخفاضًا هائلًا بنسبة 16% في العام اللاحق 2023.
هذه التحوّلات السريعة والمضطربة، لم ترتبط حتمًا بتغيّرات مفاجئة في نمط الاستهلاك المحلّي، ولا في حجم الإنتاج المحلّي الذي يستبدل السلع المستوردة. ببساطة، المشترك بين جميع هذه السلع هو ثلاثة عوامل: تأثّر أسعارها محليًا بقيمة الرسوم الجمركيّة، وارتفاع أسعارها، بالإضافة إلى إمكانيّة تخزينها من عام إلى آخر من دون أن تتعرّض للتلف أو انتهاء الصلاحيّة. وهذا ما يميّز هذه السلع عن المواد الغذائيّة مثلًا، الأقل تأثرًا بمسألة الرسم الجمركي، والأكثر تعرّضًا لعوامل انتهاء الصلاحيّة أو التلف مع مرور الزمن. البحث عن سبب هذه التغيّرات، يقودًا حتمًا إلى البحث عن قرارات متصلة بالسلطة الضريبيّة.
مسؤوليّة وزارة الماليّة وتقاعسها
ببساطة، عكست كل هذه التطوّرات سعي التجّار إلى التملّص من تسديد الرسوم الجمركيّة بسعر الصرف الفعلي. لقد استغلّ المستوردون التأخير غير المفهوم في تصحيح سعر صرف الدولار الجمركي، فقاموا باستيراد السلع بكميات كبيرة عام 2022، لتسديد رسومها بسعر الصرف القديم الرسمي والمنخفض جدًا (بل وبسعر رمزي مقارنة بسعر الصرف الفعلي). وبهذا الشكل، كان بإمكان التجّار تخزين وبيع هذه السلع لاحقًا في السوق خلال العام التالي 2023، بعد أن تم رفع سعر صرف الدولار الجمركي ومواءمته مع سعر الصرف الفعلي في السوق. ومع ارتفاع الأسعار عام 2023، بفعل تطبيق الرسوم الجمركيّة الجديدة والمرتفعة، كان بإمكان المستورد تحقيق أرباح خياليّة من هذه النمط من العمليّات.
قيمة استيراد هذه السلع الثلاث خلال العام 2022، ناهزت حدود 4.75 مليار دولار وفقًا لأرقام تقرير “بلوم إنفست”، وهو ما يؤشّر بوضوح إلى حجم الخسائر التي طالت الماليّة العامّة، جرّاء هذا التحايل. ومن المعلوم أنّ وزارة الماليّة كانت قادرة على تفادي كل هذا التحايل، لو أنّها قامت بمواءمة أسعار الصرف المعتمدة لتسديد الضرائب منذ بدايات الأزمة، وبشكل متدرّج بحسب وتيرة تدهور سعر الصرف. إلا أن التباطؤ في اتخاذ هذا القرار، ومعرفة التجّار باتجاه الوزارة إلى رفع سعر صرف الدولار الجمركي لاحقًا، هو ما سمح بالقيام بهذا النوع من العمليّات في السوق. مع الإشارة إلى أنّ وزارة الماليّة تصرّفت لاحقًا وفق قاعدة امتلاكها صلاحيّة تحديد سعر الصرف هذا بقرارات من الوزير، وهو ما ينفي وجود أي حجّة لتأخير هذه القرارات.
تأثير أسعار النفط ونمط الاستهلاك المحلّي
عام 2022، قفز متوسّط سعر برميل النفط -خام برنت إلى حدود 100.93 دولار أميركي، مقارنة بنحو 70.86 دولاراً فقط في العام السابق. بهذا المعنى، سجّل برميل النفط ارتفاعاً بنسبة 42% خلال العام 2022 بالمقارنة مع العام السابق. على هذا النحو، يمكن فهم ارتفاع قيمة استيراد الفئة التي تشمل مختلف المشتقات النفطيّة بنسبة 44% خلال العام 2022، لتصل إلى حدود 5.58 مليار دولار، أي بزيادة تقارب 1.7 مليار دولار مقارنة بالعام السابق. وبهذا الشكل، ساهم ارتفاع أسعار النفط بزيادة حجم الاستيراد الإجمالي خلال العام 2022.
في العام التالي 2023، عادت قيمة استيراد هذه الفئة من السلع للانخفاض بنسبة 17 بالمئة، بعد ما انخفض متوسّط سعر برميل برنت خلال تلك السنة بنسبة مشابهة. وهذا ما يشير بوضوح إلى أنّ قيمة استيراد لبنان من المشتقات النفطيّة مربوطة بشكل متناسب جدًا مع سعر برميل النفط، وهو ما يعني أن قيمة الاستهلاك المحلّي مستقرّة إلى حدٍ ما. وفي الوقت نفسه، تشير هذه الأرقام إلى أن الجزء الأكبر من زيادة الاستيراد التي تحققت عام 2022 جاءت بفعل عوامل لا علاقة لها بزيادة الاستهلاك، مثل عامِلَيّ سعر النفط والتحايل على الجباية الجمركيّة.
أخيرًا، شهدت أصناف المواد الغذائيّة المستوردة ارتفاعًا في قيمتها، بنسب تتراوح بين 10% و25% خلال العام 2022، بتأثير من معدلات التضخّم العالميّة وارتفاع أسعار اللحوم والحبوب خلال تلك السنة، في أعقاب اندلاع الحرب الأوكرانيّة. لكنّ قيمة استيراد هذه السلع عادت لتشهد استقرارًا نسبيًا في العام التالي، باستثناء فئة الحيوانات الحيّة التي ارتفعت قيمة استيرادها بنسبة غير مفهومة قاربت 43% خلال العام 2023.
الخلاصة الأهم من كل هذه الأرقام، تكمن في حقيقة واحدة: بخلاف ما تم تسويقه، لم يرتبط ارتفاع قيمة السلع المستوردة عام 2022 بارتفاع كبير ومماثل في قيمة استهلاك اللبنانيين. أو على الأقل، لم يكن هذا العامل هو العامل المحدّد والأساسي، الذي قاد ارتفاع قيمة السلع المستوردة خلال تلك السنة. الأرقام المتاحة، تدل على وجود عوامل أخرى ذات تأثير أكبر وأهم، وفي طليعتها قرارات السلطة الضريبيّة وأسعار النفط، بالإضافة إلى أسعار المواد الغذائيّة في الأسواق العالميّة. وعلى النحو نفسه، لا يمكن ربط انخفاض قيمة الاستيراد عام 2023 بانخفاض حجم الاستهلاك خلال تلك السنة.
تحوّلات أرقام الاستيراد: تأثير التحايل الكبير على الجباية الضريبيّة

يوم الثلاثاء، نشر بنك “بلوم إنفست” تقريرًا على موقعه المخصّص للأبحاث والدراسات، لتفصيل التحوّلات التي طرأت على قيمة استيراد كل صنف من أصناف السلع، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. أهميّة هذه الأرقام، تكمن في قدرتها على تبيان التغيّرات في أنماط عمل المستوردين، وفي استهلاك اللبنانيين، وفقًا لنوعيّة البضائع المستوردة وطبيعتها، بمعزل عن رقم الاستيراد الإجمالي الذي كنّا نعرفه أصلًا من تقارير إدارة الجمارك اللبنانيّة. أمّا الأهم، فهو أنّ التقرير يبيّن تحايل التجّار عبر استيراد وتخزين السلع قبيل رفع سعر صرف الدولار الجمركي، وهو ما فوّت إيرادات ضخمة على الدولة اللبنانيّة، بفعل تأخّر وزارة الماليّة في تصحيح آليّات استيفاء الرسوم.
قبل الدخول في تفاصيل أرقام استيراد كل صنف من أصناف السلع، من المهم الإشارة إلى أنّ قيمة الاستيراد الإجماليّة كانت قد ارتفعت بنسبة كبيرة بلغت حدود 39.68% خلال العام 2022، لتصل إلى نحو 19 مليار دولار أميركي، مقارنة بـ13.64 مليار دولار خلال العام السابق 2021. غير أنّ هذا الرقم الضخم عاد وانخفض إلى 17.52 مليار دولار خلال العام 2023، أي بنسبة انخفاض قاربت حدود 8%. السؤال عن طبيعة العوامل التي فرضت هذا التغيّر، تدفعنا للبحث في تغيّر قيمة استيراد كل نوع من البضائع على حدة.
تأثير الدولار الجمركي والتحايل على الجباية الضريبيّة
في أرقام الأعوام الثلاثة، ثمّة نمط واضح لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه، بالنسبة إلى مجموعة من السلع التي تغيّرت قيمة استيرادها بشكل متشابه جدًا. على سبيل المثال، ارتفعت قيمة استيراد السيّارات ووسائل النقل خلال العام 2022 بنسبة هائلة قاربت 78%، قبل أن ينخفض هذا الرقم بشكل مفاجئ بنسبة 42% خلال العام 2023. على النحو نفسه، قفزت قيمة استيراد المعدات الإلكترونيّة والميكانيكيّة بنسبة أعلى بلغت 108% خلال العام 2022، قبل أن تسجّل انخفاضًا قاسيًا بنسبة 33.5% خلال العام اللاحق 2023. المصنوعات الخشبيّة شهدت التحوّل نفسه: ارتفاعًا مفاجئًا بنسبة 63% عام 2022، ثم انخفاضًا هائلًا بنسبة 16% في العام اللاحق 2023.
هذه التحوّلات السريعة والمضطربة، لم ترتبط حتمًا بتغيّرات مفاجئة في نمط الاستهلاك المحلّي، ولا في حجم الإنتاج المحلّي الذي يستبدل السلع المستوردة. ببساطة، المشترك بين جميع هذه السلع هو ثلاثة عوامل: تأثّر أسعارها محليًا بقيمة الرسوم الجمركيّة، وارتفاع أسعارها، بالإضافة إلى إمكانيّة تخزينها من عام إلى آخر من دون أن تتعرّض للتلف أو انتهاء الصلاحيّة. وهذا ما يميّز هذه السلع عن المواد الغذائيّة مثلًا، الأقل تأثرًا بمسألة الرسم الجمركي، والأكثر تعرّضًا لعوامل انتهاء الصلاحيّة أو التلف مع مرور الزمن. البحث عن سبب هذه التغيّرات، يقودًا حتمًا إلى البحث عن قرارات متصلة بالسلطة الضريبيّة.
مسؤوليّة وزارة الماليّة وتقاعسها
ببساطة، عكست كل هذه التطوّرات سعي التجّار إلى التملّص من تسديد الرسوم الجمركيّة بسعر الصرف الفعلي. لقد استغلّ المستوردون التأخير غير المفهوم في تصحيح سعر صرف الدولار الجمركي، فقاموا باستيراد السلع بكميات كبيرة عام 2022، لتسديد رسومها بسعر الصرف القديم الرسمي والمنخفض جدًا (بل وبسعر رمزي مقارنة بسعر الصرف الفعلي). وبهذا الشكل، كان بإمكان التجّار تخزين وبيع هذه السلع لاحقًا في السوق خلال العام التالي 2023، بعد أن تم رفع سعر صرف الدولار الجمركي ومواءمته مع سعر الصرف الفعلي في السوق. ومع ارتفاع الأسعار عام 2023، بفعل تطبيق الرسوم الجمركيّة الجديدة والمرتفعة، كان بإمكان المستورد تحقيق أرباح خياليّة من هذه النمط من العمليّات.
قيمة استيراد هذه السلع الثلاث خلال العام 2022، ناهزت حدود 4.75 مليار دولار وفقًا لأرقام تقرير “بلوم إنفست”، وهو ما يؤشّر بوضوح إلى حجم الخسائر التي طالت الماليّة العامّة، جرّاء هذا التحايل. ومن المعلوم أنّ وزارة الماليّة كانت قادرة على تفادي كل هذا التحايل، لو أنّها قامت بمواءمة أسعار الصرف المعتمدة لتسديد الضرائب منذ بدايات الأزمة، وبشكل متدرّج بحسب وتيرة تدهور سعر الصرف. إلا أن التباطؤ في اتخاذ هذا القرار، ومعرفة التجّار باتجاه الوزارة إلى رفع سعر صرف الدولار الجمركي لاحقًا، هو ما سمح بالقيام بهذا النوع من العمليّات في السوق. مع الإشارة إلى أنّ وزارة الماليّة تصرّفت لاحقًا وفق قاعدة امتلاكها صلاحيّة تحديد سعر الصرف هذا بقرارات من الوزير، وهو ما ينفي وجود أي حجّة لتأخير هذه القرارات.
تأثير أسعار النفط ونمط الاستهلاك المحلّي
عام 2022، قفز متوسّط سعر برميل النفط -خام برنت إلى حدود 100.93 دولار أميركي، مقارنة بنحو 70.86 دولاراً فقط في العام السابق. بهذا المعنى، سجّل برميل النفط ارتفاعاً بنسبة 42% خلال العام 2022 بالمقارنة مع العام السابق. على هذا النحو، يمكن فهم ارتفاع قيمة استيراد الفئة التي تشمل مختلف المشتقات النفطيّة بنسبة 44% خلال العام 2022، لتصل إلى حدود 5.58 مليار دولار، أي بزيادة تقارب 1.7 مليار دولار مقارنة بالعام السابق. وبهذا الشكل، ساهم ارتفاع أسعار النفط بزيادة حجم الاستيراد الإجمالي خلال العام 2022.
في العام التالي 2023، عادت قيمة استيراد هذه الفئة من السلع للانخفاض بنسبة 17 بالمئة، بعد ما انخفض متوسّط سعر برميل برنت خلال تلك السنة بنسبة مشابهة. وهذا ما يشير بوضوح إلى أنّ قيمة استيراد لبنان من المشتقات النفطيّة مربوطة بشكل متناسب جدًا مع سعر برميل النفط، وهو ما يعني أن قيمة الاستهلاك المحلّي مستقرّة إلى حدٍ ما. وفي الوقت نفسه، تشير هذه الأرقام إلى أن الجزء الأكبر من زيادة الاستيراد التي تحققت عام 2022 جاءت بفعل عوامل لا علاقة لها بزيادة الاستهلاك، مثل عامِلَيّ سعر النفط والتحايل على الجباية الجمركيّة.
أخيرًا، شهدت أصناف المواد الغذائيّة المستوردة ارتفاعًا في قيمتها، بنسب تتراوح بين 10% و25% خلال العام 2022، بتأثير من معدلات التضخّم العالميّة وارتفاع أسعار اللحوم والحبوب خلال تلك السنة، في أعقاب اندلاع الحرب الأوكرانيّة. لكنّ قيمة استيراد هذه السلع عادت لتشهد استقرارًا نسبيًا في العام التالي، باستثناء فئة الحيوانات الحيّة التي ارتفعت قيمة استيرادها بنسبة غير مفهومة قاربت 43% خلال العام 2023.
الخلاصة الأهم من كل هذه الأرقام، تكمن في حقيقة واحدة: بخلاف ما تم تسويقه، لم يرتبط ارتفاع قيمة السلع المستوردة عام 2022 بارتفاع كبير ومماثل في قيمة استهلاك اللبنانيين. أو على الأقل، لم يكن هذا العامل هو العامل المحدّد والأساسي، الذي قاد ارتفاع قيمة السلع المستوردة خلال تلك السنة. الأرقام المتاحة، تدل على وجود عوامل أخرى ذات تأثير أكبر وأهم، وفي طليعتها قرارات السلطة الضريبيّة وأسعار النفط، بالإضافة إلى أسعار المواد الغذائيّة في الأسواق العالميّة. وعلى النحو نفسه، لا يمكن ربط انخفاض قيمة الاستيراد عام 2023 بانخفاض حجم الاستهلاك خلال تلك السنة.








