جنبلاط القلق يستشرف الحرب ويتحرّك عربياً لتجنّبها

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
25 حزيران 2024

من أكثر الصفات التصاقا بالرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، أنه أحد أبرع السياسيين القادرين على قراءة الأوضاع وتحليلها ومقاطعتها مع حركة اتصالات معلنة أو غير معلنة بمسعى شخصي منه، على نحو يتيح له استشراف المرحلة المقبلة.

منذ اندلاع حرب غزة، ومواقف الزعيم الدرزي لم تتغير، بل زادت حدة في التحذير من مغبة تلك الحرب على لبنان. لكنه اليوم يبدو أكثر تشاؤماً وقلقاً مع تسارع التطورات والتهديدات والتحذيرات، معطوفة على حرب نفسية على اللبنانيين، عادة ما يتم اعتمادها إما عشية الحروب، وإما لرفع سقف التحذيرات، من أجل الضغط لتخفيف التصعيد والجلوس إلى الطاولة، إضافة إلى شبه غياب رسمي عن أي تحرك داخلي أو خارجي يقدم صورة واضحة للبنانيين القلقين والمربكين حيال ما ينتظرهم في الفترة المقبلة، وتحديداً تلك الفاصلة عن موعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على رفح.

لعلّ جنبلاط يقوم بما يُنتظر من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، مستنداً إلى التمايز الذي يتمتع به كطرف وحيد قادر على الاضطلاع بهذا الدور، رغم أن لا صفة رسمية له. يقرن واقعيته في قراءة الأحداث بحركة داخلية عبر تحرك نجله تيمور على رأس نواب كتلة “اللقاء الديموقراطي”، ويواكب ذلك بحركته واتصالاته الخارجية.

بعد الدوحة وباريس، كان لجنبلاط محطة في المملكة الأردنية الهاشمية، وهو لا يزال هناك، حيث التقى الملك عبد الله الثاني، وكانت لهما جولة محادثات تركزت على الوضع في غزة وانعكاساته على لبنان. بعد الاجتماع كشف جنبلاط أن البحث تناول جهود العاهل الأردني الذي يحاول عبر اتصالاته العربية والدولية التوصل إلى وقف النار في غزة، لافتاً إلى الاتصالات التي أجراها لهذه الغاية بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد.

ويعول جنبلاط على هذه الاتصالات لأنها إذا نجحت، ستنسحب على لبنان، ويمكن عندها تجنيبه الحرب الموسعة.

ليس جنبلاط واثقاً من استمرار الارتباط بين غزة والجبهة الجنوبية. ولذلك لا يخفي خشيته احتمالات توسع الحرب، عازيًا ذلك إلى عدم جدية الولايات المتحدة الأميركية في وقف النار في غزة، خصوصا أن المرحلة الآن للانتخابات الرئاسية.
لا تقف خشية جنبلاط عند عدم الجدية الأميركية التي برزت في اهتمام كلي لدى المرشحين للرئاسة في استقطاب اللوبي اليهودي لمصلحته، بل أيضاً عند تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يتحدى العالم في حربه على غزة، ويستمر في ذلك في لبنان. وينتظر جنبلاط أن يكرر مسرحيته أمام الكونغرس الأسبوع المقبل حيث يتوقع منه أن يقوم باستعراض أمام إدارة منتهية الولاية، ليس أكيداً بالنسبة إليه أنها ستكون قادرة على لجم جموحه. من هنا، خشيته واستشرافه لتوسع الحرب.

لا يخفي الزعيم الدرزي انزعاجه أيضاً مما وصفه بـ”الصحافة الموتورة” التي اختارت هذا التوقيت لإطلاق أخبار حول مطار رفيق الحريري الدولي، وهي تعكس بذلك رغبة في الحرب ولا مبالاة بمصير اللبنانيين والبلد. ينفي جنبلاط أن يكون يوجّه أي اتهامات إلى أي فريق، خصوصا أن من يريد الحرب هو نتنياهو نفسه. أما “حزب الله”، فيكشف أن التواصل معه ليس مقطوعا، علما أن جنبلاط كان واضحاً في رفضه تهديد الحزب لقبرص. يدرك كذلك أن قرار الحرب هو لدى نتنياهو كما حصل عام ٢٠٠٦، مذكراً بأن الاحتلال الإسرائيلي يومها فشل، ولكن دُمّر لبنان.
لا يكشف جنبلاط ما إذا كان يملك أي معلومات عن احتمالات توسع الحرب، لكنه ينطلق في توقعاته من أن قواعد الاشتباك الأولى قد تغيرت، وتتوسع، فيما هناك مواقع محلية وخارجية تروّج للحرب، وكأن ثمة من يريد لهذه الحرب أن تقع، بقطع النظر عن انعكاساتها الخطيرة.

لا يكشف جنبلاط عن تحركه المقبل، لكنه يعوّل على الإيجابية والتفهم اللذين يلقاهما في تحركه الخارجي، في عمان كما في الدوحة حيث كان التفهم والتجاوب كبيراً في دعم لبنان ومساعدته. حتما يبقى هذا غير كاف ما لم يقترن بمزيد من الضغوط المحلية والدولية لتجنب الانزلاق إلى الحرب. فهل يكفي التحرك الجنبلاطي لأداء هذا الدور، تحت وطأة وقت ضاغط يُعدّ بالأيام والأسابيع؟
طبعاً لا.

جنبلاط القلق يستشرف الحرب ويتحرّك عربياً لتجنّبها

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
25 حزيران 2024

من أكثر الصفات التصاقا بالرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، أنه أحد أبرع السياسيين القادرين على قراءة الأوضاع وتحليلها ومقاطعتها مع حركة اتصالات معلنة أو غير معلنة بمسعى شخصي منه، على نحو يتيح له استشراف المرحلة المقبلة.

منذ اندلاع حرب غزة، ومواقف الزعيم الدرزي لم تتغير، بل زادت حدة في التحذير من مغبة تلك الحرب على لبنان. لكنه اليوم يبدو أكثر تشاؤماً وقلقاً مع تسارع التطورات والتهديدات والتحذيرات، معطوفة على حرب نفسية على اللبنانيين، عادة ما يتم اعتمادها إما عشية الحروب، وإما لرفع سقف التحذيرات، من أجل الضغط لتخفيف التصعيد والجلوس إلى الطاولة، إضافة إلى شبه غياب رسمي عن أي تحرك داخلي أو خارجي يقدم صورة واضحة للبنانيين القلقين والمربكين حيال ما ينتظرهم في الفترة المقبلة، وتحديداً تلك الفاصلة عن موعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على رفح.

لعلّ جنبلاط يقوم بما يُنتظر من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، مستنداً إلى التمايز الذي يتمتع به كطرف وحيد قادر على الاضطلاع بهذا الدور، رغم أن لا صفة رسمية له. يقرن واقعيته في قراءة الأحداث بحركة داخلية عبر تحرك نجله تيمور على رأس نواب كتلة “اللقاء الديموقراطي”، ويواكب ذلك بحركته واتصالاته الخارجية.

بعد الدوحة وباريس، كان لجنبلاط محطة في المملكة الأردنية الهاشمية، وهو لا يزال هناك، حيث التقى الملك عبد الله الثاني، وكانت لهما جولة محادثات تركزت على الوضع في غزة وانعكاساته على لبنان. بعد الاجتماع كشف جنبلاط أن البحث تناول جهود العاهل الأردني الذي يحاول عبر اتصالاته العربية والدولية التوصل إلى وقف النار في غزة، لافتاً إلى الاتصالات التي أجراها لهذه الغاية بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد.

ويعول جنبلاط على هذه الاتصالات لأنها إذا نجحت، ستنسحب على لبنان، ويمكن عندها تجنيبه الحرب الموسعة.

ليس جنبلاط واثقاً من استمرار الارتباط بين غزة والجبهة الجنوبية. ولذلك لا يخفي خشيته احتمالات توسع الحرب، عازيًا ذلك إلى عدم جدية الولايات المتحدة الأميركية في وقف النار في غزة، خصوصا أن المرحلة الآن للانتخابات الرئاسية.
لا تقف خشية جنبلاط عند عدم الجدية الأميركية التي برزت في اهتمام كلي لدى المرشحين للرئاسة في استقطاب اللوبي اليهودي لمصلحته، بل أيضاً عند تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يتحدى العالم في حربه على غزة، ويستمر في ذلك في لبنان. وينتظر جنبلاط أن يكرر مسرحيته أمام الكونغرس الأسبوع المقبل حيث يتوقع منه أن يقوم باستعراض أمام إدارة منتهية الولاية، ليس أكيداً بالنسبة إليه أنها ستكون قادرة على لجم جموحه. من هنا، خشيته واستشرافه لتوسع الحرب.

لا يخفي الزعيم الدرزي انزعاجه أيضاً مما وصفه بـ”الصحافة الموتورة” التي اختارت هذا التوقيت لإطلاق أخبار حول مطار رفيق الحريري الدولي، وهي تعكس بذلك رغبة في الحرب ولا مبالاة بمصير اللبنانيين والبلد. ينفي جنبلاط أن يكون يوجّه أي اتهامات إلى أي فريق، خصوصا أن من يريد الحرب هو نتنياهو نفسه. أما “حزب الله”، فيكشف أن التواصل معه ليس مقطوعا، علما أن جنبلاط كان واضحاً في رفضه تهديد الحزب لقبرص. يدرك كذلك أن قرار الحرب هو لدى نتنياهو كما حصل عام ٢٠٠٦، مذكراً بأن الاحتلال الإسرائيلي يومها فشل، ولكن دُمّر لبنان.
لا يكشف جنبلاط ما إذا كان يملك أي معلومات عن احتمالات توسع الحرب، لكنه ينطلق في توقعاته من أن قواعد الاشتباك الأولى قد تغيرت، وتتوسع، فيما هناك مواقع محلية وخارجية تروّج للحرب، وكأن ثمة من يريد لهذه الحرب أن تقع، بقطع النظر عن انعكاساتها الخطيرة.

لا يكشف جنبلاط عن تحركه المقبل، لكنه يعوّل على الإيجابية والتفهم اللذين يلقاهما في تحركه الخارجي، في عمان كما في الدوحة حيث كان التفهم والتجاوب كبيراً في دعم لبنان ومساعدته. حتما يبقى هذا غير كاف ما لم يقترن بمزيد من الضغوط المحلية والدولية لتجنب الانزلاق إلى الحرب. فهل يكفي التحرك الجنبلاطي لأداء هذا الدور، تحت وطأة وقت ضاغط يُعدّ بالأيام والأسابيع؟
طبعاً لا.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار