“اليوم التالي”: حسابات حقل لبنان تتعارض مع بيدر ايران

الكاتب: دنيز عطالله | المصدر: المدن
17 آب 2024
منذ الأسابيع الأولى للحرب على غزّة، والسؤال يتكرر: ماذا عن اليوم التالي؟ سؤال في السياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار، تماماً كما هو في الاجتماع والخلاصات وأشكال الحكم والعبر المفترضة.

هو السؤال نفسه ينسحب على لبنان، ويؤرق “شعوبه” وحكومته ومؤسساته وسياسييه، العاجزين والمترقبين. وحده “حزب الله” يحاول أن يكون شريكاً في صياغة الجواب ورسم معالم اليوم التالي. لكنه، في هذه المرحلة، يلتزم الصمت ويترك الكلمة لـ”الميدان”، في وقت تبدو جميع ميادين الحياة “العادية” معلّقة إلى آجال غير محددة.

القراءات الخاطئة
في مؤتمر عقدته “حركة التجدد للوطن”، في الأول من حزيران الماضي، يقول النائب علي فياض “اليوم التالي للحرب، سيشهد اصطفافات أخرى أكثر تعقيداً، بين إيران وحلفائها من قوى مقاومة، وأميركا وحلفائها دولياً وإقليمياً”. وينظر إلى “التحولات بوصفها تغيُّراً في موازين القوى والمعادلات التي تقوم عليها علاقة القوى ببعضها البعض، وما يفضي ذلك إلى انزياح في مراكز الثقل الإقليمي، وصعود قوى وهبوط أخرى، نتيجة تعثر مشروعات أو إخفاقها وتقدم المشروعات المواجهة أو نجاحها”.

وفي سياق كلامه، يسترجع فياض مرحلة من تاريخ الشيعة اللبنانيين، من دون أن يسميّهم، فيقول: “أرى من المفيد التذكير بمعطى تاريخي حيوي بعد مرور أكثر من قرن على تأسيس الكيان اللبناني، ذلك أن قسماً من اللبنانيين في عام 1920 لم يتمكن من قراءة تحولات النظام الإقليمي في تلك المرحلة الخطيرة، فدفع ثمناً سياسياً باهظاً…”. ويخلص إلى تحذير المسيحيين، من دون أن يسميّهم أيضاً، فيقول: “في عام 2024، أخشى أن يكون القسم الآخر من اللبنانيين عاجزاً عن قراءة التحولات التاريخية التي يشهدها النظام الإقليمي في هذه المرحلة”، قبل أن يؤكد “نحن لا نريد لأيِّ مكوّن لبناني، أن يدفع ثمن القراءات والحسابات الخطأ”.

الإسقاطات غير الموفقة
قرأ كثر من المعارضة في كلام فياض عن اليوم التالي للحرب ما يشبه “دس السّم في العسل”. لكن الانتظار هو سمة المرحلة، كما التحفظ على التنبؤ بأحداث اليوم التالي.
ينفعل الدكتور عصام خليفة، على عادته، حين يرى في بعض الكلام “مجافاة للحقيقة وتزويراً للتاريخ”. يطالب من خلال “المدن” أن “يتوقف السياسيون عن اللعب على الأوتار الطائفية والمظلوميات غير الدقيقة، ويقرأوا التاريخ ليكون اليوم التالي للحرب التي تدمّر البلد مناسبة لإعادة توحيده ومنع تفككه. وكل كلام لا يصب في هذا الهدف يساهم في ضرب لبنان ووحدته”.
يشدد خليفة على أن “الشيعة كانوا دوماً من صلب النسيج اللبناني. وعلى غرار سائر الطوائف كان لديهم تيارات سياسية مختلفة بين من يريد الانضمام إلى لبنان الكبير وبين من كان يريد الانضمام إلى النظام الفيصلي في سوريا”. ويضيف “لقد أنقذ لبنان الكبير الشيعة من أطماع الحركة الصهيونية، التي كانت تسعى إلى ضم الجنوب إلى فلسطين. ولاحقاً، أتاح هذا اللبنان مساحة اعتراف وحرية لجميع مكوناته، ومن ضمنهم الشيعة، فصارت لديهم، للمرة الأولى في تاريخهم، هيكلية قانونية ودينية معترف بها. وهو ما لم يحصل سابقاً في أي دولة عربية أو إسلامية”.
يستفيض خليفة في الاستشهاد بدور الشيعة التاريخي وانخراطهم باكراً في لبنان الكبير، مذكّراً بتكليف كامل الأسعد الجدّ للمطران عبدالله خوري تمثيله في المفاوضات حول لبنان الكبير. وينصح خليفة بقراءة كتاب منذر جابر “يوسف بك الزين من جبل عامل إلى الجنوب اللبناني”. كتاب يرد في صفحاته الأولى أن “القوى السياسيّة القائدة اليوم في الجنوب، تنظر إلى ما سبق زمنها من تاريخ الجنوب اللبناني على أنها “جاهليّة” في هذا التاريخ، غمر الجنوب خلالها ليل بهيمٌ عميم…”.

وإذا كان متعذّراً التوافق على التاريخ، فكيف السبيل إلى التوافق على اليوم التالي؟
حين يحذّر فياض كل من يعارض حزب الله ومحور الممانعة من “دفع ثمن القراءات والحسابات الخطأ”، يفوته أن معظم اللبنانيين لا يجيدون قراءة الفارسية، وحسابات حقلهم اللبناني لا تتناسب مع بيدر إيران الإقليمي؛ ومع ذلك “اليوم التالي” آت، مهما طال، ولا جوامع يتفق عليها اللبنانيون.

“اليوم التالي”: حسابات حقل لبنان تتعارض مع بيدر ايران

الكاتب: دنيز عطالله | المصدر: المدن
17 آب 2024
منذ الأسابيع الأولى للحرب على غزّة، والسؤال يتكرر: ماذا عن اليوم التالي؟ سؤال في السياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار، تماماً كما هو في الاجتماع والخلاصات وأشكال الحكم والعبر المفترضة.

هو السؤال نفسه ينسحب على لبنان، ويؤرق “شعوبه” وحكومته ومؤسساته وسياسييه، العاجزين والمترقبين. وحده “حزب الله” يحاول أن يكون شريكاً في صياغة الجواب ورسم معالم اليوم التالي. لكنه، في هذه المرحلة، يلتزم الصمت ويترك الكلمة لـ”الميدان”، في وقت تبدو جميع ميادين الحياة “العادية” معلّقة إلى آجال غير محددة.

القراءات الخاطئة
في مؤتمر عقدته “حركة التجدد للوطن”، في الأول من حزيران الماضي، يقول النائب علي فياض “اليوم التالي للحرب، سيشهد اصطفافات أخرى أكثر تعقيداً، بين إيران وحلفائها من قوى مقاومة، وأميركا وحلفائها دولياً وإقليمياً”. وينظر إلى “التحولات بوصفها تغيُّراً في موازين القوى والمعادلات التي تقوم عليها علاقة القوى ببعضها البعض، وما يفضي ذلك إلى انزياح في مراكز الثقل الإقليمي، وصعود قوى وهبوط أخرى، نتيجة تعثر مشروعات أو إخفاقها وتقدم المشروعات المواجهة أو نجاحها”.

وفي سياق كلامه، يسترجع فياض مرحلة من تاريخ الشيعة اللبنانيين، من دون أن يسميّهم، فيقول: “أرى من المفيد التذكير بمعطى تاريخي حيوي بعد مرور أكثر من قرن على تأسيس الكيان اللبناني، ذلك أن قسماً من اللبنانيين في عام 1920 لم يتمكن من قراءة تحولات النظام الإقليمي في تلك المرحلة الخطيرة، فدفع ثمناً سياسياً باهظاً…”. ويخلص إلى تحذير المسيحيين، من دون أن يسميّهم أيضاً، فيقول: “في عام 2024، أخشى أن يكون القسم الآخر من اللبنانيين عاجزاً عن قراءة التحولات التاريخية التي يشهدها النظام الإقليمي في هذه المرحلة”، قبل أن يؤكد “نحن لا نريد لأيِّ مكوّن لبناني، أن يدفع ثمن القراءات والحسابات الخطأ”.

الإسقاطات غير الموفقة
قرأ كثر من المعارضة في كلام فياض عن اليوم التالي للحرب ما يشبه “دس السّم في العسل”. لكن الانتظار هو سمة المرحلة، كما التحفظ على التنبؤ بأحداث اليوم التالي.
ينفعل الدكتور عصام خليفة، على عادته، حين يرى في بعض الكلام “مجافاة للحقيقة وتزويراً للتاريخ”. يطالب من خلال “المدن” أن “يتوقف السياسيون عن اللعب على الأوتار الطائفية والمظلوميات غير الدقيقة، ويقرأوا التاريخ ليكون اليوم التالي للحرب التي تدمّر البلد مناسبة لإعادة توحيده ومنع تفككه. وكل كلام لا يصب في هذا الهدف يساهم في ضرب لبنان ووحدته”.
يشدد خليفة على أن “الشيعة كانوا دوماً من صلب النسيج اللبناني. وعلى غرار سائر الطوائف كان لديهم تيارات سياسية مختلفة بين من يريد الانضمام إلى لبنان الكبير وبين من كان يريد الانضمام إلى النظام الفيصلي في سوريا”. ويضيف “لقد أنقذ لبنان الكبير الشيعة من أطماع الحركة الصهيونية، التي كانت تسعى إلى ضم الجنوب إلى فلسطين. ولاحقاً، أتاح هذا اللبنان مساحة اعتراف وحرية لجميع مكوناته، ومن ضمنهم الشيعة، فصارت لديهم، للمرة الأولى في تاريخهم، هيكلية قانونية ودينية معترف بها. وهو ما لم يحصل سابقاً في أي دولة عربية أو إسلامية”.
يستفيض خليفة في الاستشهاد بدور الشيعة التاريخي وانخراطهم باكراً في لبنان الكبير، مذكّراً بتكليف كامل الأسعد الجدّ للمطران عبدالله خوري تمثيله في المفاوضات حول لبنان الكبير. وينصح خليفة بقراءة كتاب منذر جابر “يوسف بك الزين من جبل عامل إلى الجنوب اللبناني”. كتاب يرد في صفحاته الأولى أن “القوى السياسيّة القائدة اليوم في الجنوب، تنظر إلى ما سبق زمنها من تاريخ الجنوب اللبناني على أنها “جاهليّة” في هذا التاريخ، غمر الجنوب خلالها ليل بهيمٌ عميم…”.

وإذا كان متعذّراً التوافق على التاريخ، فكيف السبيل إلى التوافق على اليوم التالي؟
حين يحذّر فياض كل من يعارض حزب الله ومحور الممانعة من “دفع ثمن القراءات والحسابات الخطأ”، يفوته أن معظم اللبنانيين لا يجيدون قراءة الفارسية، وحسابات حقلهم اللبناني لا تتناسب مع بيدر إيران الإقليمي؛ ومع ذلك “اليوم التالي” آت، مهما طال، ولا جوامع يتفق عليها اللبنانيون.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار