لا مبالاة أميركية وسعودية بـ”رئاسة” لبنان وانزعاج فرنسي

لا يزال اللبنانيون يأملون أن يكون الاجتماع الخماسي الذي استضافته باريس للبحث في طريقة لمساعدتهم على وقف انحدارهم العمودي والسريع بإيجاد طريقة تُنهي الشغور الرئاسي وتفتح الطريق أمام حكومة قادرة على اتخاذ إجراءات وعلى وضع كل ما يلزم من مشروعات قوانين من أجل وضع بلادهم على طريق التعافي، وقبل ذلك من أجل إقناع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بالانخراط فعلاً مع الرئيس والحكومة الجديدين في عملية إصلاح وإنقاذ صعبة ومؤلمة وتستغرق وقتاً طويلاً للتنفيذ.
لكن أملهم المشار إليه أعلاه ليس في محله. فـ”زمان الأوّل تحوّل” كما يقول اللبنانيون، وعصر “الشيكات” العربية لدولتهم وأحزابهم وأقطابهم انتهى بعد التغيير الكبير الذي كرّسته حرب تموز 2006 ثمّ مؤتمر الدوحة 2008 الذي أدخل أعرافاً على اتفاق الطائف عطّلته. علماً بأنه تعطّل عمداً من زمان أيام الوصاية السورية وتفاقم تعطّله بعد انتهائها وحلول جهة محلية قويّة مكانه. أدّى ذلك كما هو معروف الى انهيار الدولة وتحوّلها فاشلة بكل المقاييس وعضواً جدّياً في محور إقليمي يعتبره العرب والغرب معادياً لهم. طبعاً أبعد اللبنان الجديد هذا العرب الذين اهتمّوا به من زمان عنه ولم يعودوا قادرين على ممارسة دورهم السابق معه وفيه وتحديداً منذ الوحدة السورية – المصرية وبعد انهيارها وحتى هزيمتهم عام 1967 وبدء عصر فلسطين الكفاح المسلح في لبنان ومنه وعصر الرئيس الراحل حافظ الأسد فيه. العصران تعاونا بقوّة واختلفا بقوة ولكن على أرضه، كما تقاتلا بواسطة “شعوبه” التي مارس قادتها جهلاً غير مقبول لوضع بلادهم وتجاهلاً للمخاوف وللغبن والحرمان واستعمالاً لهما من أجل تنفيذ أجنداتهم السياسية. أدّى ذلك كله الى إنهاء لبنان 1943 بواسطة حرب أهلية وغير أهلية بين شعوبه استمرّت 15 سنة وانتهت بعد توصّل النواب اللبنانيين الى اتفاق لإنهاء الحرب في مدينة الطائف #السعودية. لكن لبنان الذي كان يُفترض أن يبدأ تطبيق الاتفاق المذكور وأن يبدأ الانتقال التدريجي من دولة الطوائف والمذاهب والأحزاب والسياسيين الى دولة المواطن، لم يتأسّس إلا شكلاً، إذ صارت دولته أسوأ من دولة 1943 ومن دون حسناتها الكثيرة في حينه الأمر الذي أدّى الى تفكّكها وتحلّلها. ولا يتحمّل اللبنانيون وحدهم على “تعاستهم” مسؤولية هذا الأمر بل شاركتهم فيها سوريا والفلسطينيون والعرب أجمعون والدول الكبرى التي لا مكان للرحمة في قلوب حكّامها بل للمصالح التي توصف دائماً بالاستراتيجية والحيوية.
وما جرى في الاجتماع الخماسي الأخير في باريس يؤكد أن قادة شعوب لبنان وطوائفه والمذاهب في مكان والعالم المطلوبة مساعدته في مكان آخر مختلف بل مناقض تماماً. كيف ذلك؟ تفيد معلومات متابعي جهة سياسية وازنة في لبنان بل الأكثر وزناً شعبياً وسياسياً وعسكرياً أن الاستنتاج الأول من المباحثات التي جرت في ذلك الاجتماع، علماً بأنه ليس الأول، يؤكد أن #الولايات المتحدة غير مهتمّة فعلياً بلبنان، وأن اهتمامها يتركّز في المنطقة على إسرائيل وعلى محاولة “الضغط الناعم” إذا جاز التعبير على حكومتها البالغة التطرّف برئاسة نتنياهو كي لا تتسبّب بحرب داخلية فيها بين يهودها ثمّ بينهم وبين عربها تضع المنطقة كلها في خطر. كما يتركّز على حرب روسيا على أوكرانيا وعلى الخليج العربي وعلى إيران الإسلامية ودورها المساهم في رأي واشنطن في تخريب المنطقة. لكن الولايات المتحدة رغم ذلك قالت بلسان موفدتها الى اجتماع باريس وعند الخوض في استحقاق الانتخابات الرئاسية في لبنان والأسماء “المرشّحة” لها أن انتخاب قائد الجيش العماد جوزف عون رئيساً يحتاج الى تعديل دستوري. وهو موقف يشابه كثيراً موقف “حزب الله” و”حركة أمل” وموقف “القوات اللبنانية”. لكنه أقل حدّة من موقف “التيار الوطني الحر” الذي يرفضه رئيساً بالمُطلق، وربما من موقف زعيم “تيار المردة” سليمان فرنجية المرشّح المفضّل للرئاسة عند “الحزب”.
تفيد المعلومات نفسها ثانياً أن المملكة العربية السعودية غيّرت عمّا كانت عليه يوم بدأت مرحلة انخراط ابنها كما ابن لبنان الشهيد رفيق الحريري في السياسة عام 1983 ثم في الحكم بعد عام 1989. فهي اليوم في مكان آخر ولا تبدو مهتمّة بمن يُنتخب رئيساً للبنان وبطريقة انتشاله من مآسيه ومحنه المتلاحقة لأنه مسؤول عنها في رأيها. وهي أيضاً في مرحلة انقلاب على الذات ومرحلة تكريس دور رائد لها في المنطقة. فوليّ العهد فيها الأمير محمد بن سلمان أخذها الى مكان آخر، ولم تعد “الوهابية” عقيدة رسمية لها، وانتقلت الحياة الاجتماعية من التشدّد الى “الرحرحة” ولكن غير المؤذية للدين حتى الآن على الأقل. وهو يسعى حالياً الى جعل بلاده دولة رائدة بل قائدة في الخليج العربي ثم في العالم العربي مستفيداً لتحقيق ذلك من الضيق الاقتصادي الكبير في مصر ومن المشكلات الداخلية والإقليمية التي تحيط بها وتتخبّط فيها. وهذا أمرٌ لا يبدو أن القيادة المصرية تشعر بالراحة حياله. وقد تكون عبّرت عن ذلك بعدم تسليم جزيرتي تيران وصنافر في البحر الأحمر الى المملكة رغم الاتفاقات الرسمية الموقّعة بينهما وهي تؤكد ملكية السعودية لهما. ويبرّر هذا الموقف رفض السعودية الخوض في أسماء مرشّحين للرئاسة اللبنانية وتمسّكها بمواقفها التي توافق عليها الدول العربية في الخليج والتي تشدّد على ضرورة وقف سيطرة “حزب الله” وداعمته إيران على لبنان والاستعانة به ضدّها في اليمن وفي الدول التي لها فيها نفوذ ووجود. أما فرنسا فربما كانت أكثر ميلاً الى التوصّل الى تفاهم على رئاسة لبنان لكنها بدت عاجزة، ولهذا السبب أحجم المجتمعون عن إصدار بيان في نهاية مباحثاتهم.
لا مبالاة أميركية وسعودية بـ”رئاسة” لبنان وانزعاج فرنسي

لا يزال اللبنانيون يأملون أن يكون الاجتماع الخماسي الذي استضافته باريس للبحث في طريقة لمساعدتهم على وقف انحدارهم العمودي والسريع بإيجاد طريقة تُنهي الشغور الرئاسي وتفتح الطريق أمام حكومة قادرة على اتخاذ إجراءات وعلى وضع كل ما يلزم من مشروعات قوانين من أجل وضع بلادهم على طريق التعافي، وقبل ذلك من أجل إقناع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بالانخراط فعلاً مع الرئيس والحكومة الجديدين في عملية إصلاح وإنقاذ صعبة ومؤلمة وتستغرق وقتاً طويلاً للتنفيذ.
لكن أملهم المشار إليه أعلاه ليس في محله. فـ”زمان الأوّل تحوّل” كما يقول اللبنانيون، وعصر “الشيكات” العربية لدولتهم وأحزابهم وأقطابهم انتهى بعد التغيير الكبير الذي كرّسته حرب تموز 2006 ثمّ مؤتمر الدوحة 2008 الذي أدخل أعرافاً على اتفاق الطائف عطّلته. علماً بأنه تعطّل عمداً من زمان أيام الوصاية السورية وتفاقم تعطّله بعد انتهائها وحلول جهة محلية قويّة مكانه. أدّى ذلك كما هو معروف الى انهيار الدولة وتحوّلها فاشلة بكل المقاييس وعضواً جدّياً في محور إقليمي يعتبره العرب والغرب معادياً لهم. طبعاً أبعد اللبنان الجديد هذا العرب الذين اهتمّوا به من زمان عنه ولم يعودوا قادرين على ممارسة دورهم السابق معه وفيه وتحديداً منذ الوحدة السورية – المصرية وبعد انهيارها وحتى هزيمتهم عام 1967 وبدء عصر فلسطين الكفاح المسلح في لبنان ومنه وعصر الرئيس الراحل حافظ الأسد فيه. العصران تعاونا بقوّة واختلفا بقوة ولكن على أرضه، كما تقاتلا بواسطة “شعوبه” التي مارس قادتها جهلاً غير مقبول لوضع بلادهم وتجاهلاً للمخاوف وللغبن والحرمان واستعمالاً لهما من أجل تنفيذ أجنداتهم السياسية. أدّى ذلك كله الى إنهاء لبنان 1943 بواسطة حرب أهلية وغير أهلية بين شعوبه استمرّت 15 سنة وانتهت بعد توصّل النواب اللبنانيين الى اتفاق لإنهاء الحرب في مدينة الطائف #السعودية. لكن لبنان الذي كان يُفترض أن يبدأ تطبيق الاتفاق المذكور وأن يبدأ الانتقال التدريجي من دولة الطوائف والمذاهب والأحزاب والسياسيين الى دولة المواطن، لم يتأسّس إلا شكلاً، إذ صارت دولته أسوأ من دولة 1943 ومن دون حسناتها الكثيرة في حينه الأمر الذي أدّى الى تفكّكها وتحلّلها. ولا يتحمّل اللبنانيون وحدهم على “تعاستهم” مسؤولية هذا الأمر بل شاركتهم فيها سوريا والفلسطينيون والعرب أجمعون والدول الكبرى التي لا مكان للرحمة في قلوب حكّامها بل للمصالح التي توصف دائماً بالاستراتيجية والحيوية.
وما جرى في الاجتماع الخماسي الأخير في باريس يؤكد أن قادة شعوب لبنان وطوائفه والمذاهب في مكان والعالم المطلوبة مساعدته في مكان آخر مختلف بل مناقض تماماً. كيف ذلك؟ تفيد معلومات متابعي جهة سياسية وازنة في لبنان بل الأكثر وزناً شعبياً وسياسياً وعسكرياً أن الاستنتاج الأول من المباحثات التي جرت في ذلك الاجتماع، علماً بأنه ليس الأول، يؤكد أن #الولايات المتحدة غير مهتمّة فعلياً بلبنان، وأن اهتمامها يتركّز في المنطقة على إسرائيل وعلى محاولة “الضغط الناعم” إذا جاز التعبير على حكومتها البالغة التطرّف برئاسة نتنياهو كي لا تتسبّب بحرب داخلية فيها بين يهودها ثمّ بينهم وبين عربها تضع المنطقة كلها في خطر. كما يتركّز على حرب روسيا على أوكرانيا وعلى الخليج العربي وعلى إيران الإسلامية ودورها المساهم في رأي واشنطن في تخريب المنطقة. لكن الولايات المتحدة رغم ذلك قالت بلسان موفدتها الى اجتماع باريس وعند الخوض في استحقاق الانتخابات الرئاسية في لبنان والأسماء “المرشّحة” لها أن انتخاب قائد الجيش العماد جوزف عون رئيساً يحتاج الى تعديل دستوري. وهو موقف يشابه كثيراً موقف “حزب الله” و”حركة أمل” وموقف “القوات اللبنانية”. لكنه أقل حدّة من موقف “التيار الوطني الحر” الذي يرفضه رئيساً بالمُطلق، وربما من موقف زعيم “تيار المردة” سليمان فرنجية المرشّح المفضّل للرئاسة عند “الحزب”.
تفيد المعلومات نفسها ثانياً أن المملكة العربية السعودية غيّرت عمّا كانت عليه يوم بدأت مرحلة انخراط ابنها كما ابن لبنان الشهيد رفيق الحريري في السياسة عام 1983 ثم في الحكم بعد عام 1989. فهي اليوم في مكان آخر ولا تبدو مهتمّة بمن يُنتخب رئيساً للبنان وبطريقة انتشاله من مآسيه ومحنه المتلاحقة لأنه مسؤول عنها في رأيها. وهي أيضاً في مرحلة انقلاب على الذات ومرحلة تكريس دور رائد لها في المنطقة. فوليّ العهد فيها الأمير محمد بن سلمان أخذها الى مكان آخر، ولم تعد “الوهابية” عقيدة رسمية لها، وانتقلت الحياة الاجتماعية من التشدّد الى “الرحرحة” ولكن غير المؤذية للدين حتى الآن على الأقل. وهو يسعى حالياً الى جعل بلاده دولة رائدة بل قائدة في الخليج العربي ثم في العالم العربي مستفيداً لتحقيق ذلك من الضيق الاقتصادي الكبير في مصر ومن المشكلات الداخلية والإقليمية التي تحيط بها وتتخبّط فيها. وهذا أمرٌ لا يبدو أن القيادة المصرية تشعر بالراحة حياله. وقد تكون عبّرت عن ذلك بعدم تسليم جزيرتي تيران وصنافر في البحر الأحمر الى المملكة رغم الاتفاقات الرسمية الموقّعة بينهما وهي تؤكد ملكية السعودية لهما. ويبرّر هذا الموقف رفض السعودية الخوض في أسماء مرشّحين للرئاسة اللبنانية وتمسّكها بمواقفها التي توافق عليها الدول العربية في الخليج والتي تشدّد على ضرورة وقف سيطرة “حزب الله” وداعمته إيران على لبنان والاستعانة به ضدّها في اليمن وفي الدول التي لها فيها نفوذ ووجود. أما فرنسا فربما كانت أكثر ميلاً الى التوصّل الى تفاهم على رئاسة لبنان لكنها بدت عاجزة، ولهذا السبب أحجم المجتمعون عن إصدار بيان في نهاية مباحثاتهم.






