«الهيكل العظمي» للدولة اللبنانية أصابه الشلل و… يترنّح

موظفو القطاع العام في لبنان على إضرابهم المفتوح منذ ستة أسابيع، وهي المدة التي أعقبت عزوفاً عن الحضور إلى مراكز العمل في دوائر الدولة إلا ليوم أو يومين في الأاًسبوع مع تعاظم مظاهر الإنهيار. ورغم المفاوضات بحثاً عن مخارج طوارئ يضخ بعض الحياة في قطاع يعاني موتاً سريرياً، فإن الأخذ والرد ما زال على حاله.
… إنه «الهيكل العظمي» للدولة المتهالكة، الذي يكاد أن يتآكله الإنهيار والشلل على نحو يجعله آيلاً إلى السقوط، جارِفاً معه مصالح الناس وبعض جوانب نشاط القطاع الخاص.
… «عليّ وعلى أهلي» كأنها المعادلة التي حشرت القطاع العام، أي موظفي الدولة، في الزاوية. فسقوط هيكل الإدارة العامة بهرميّته وموظّفيه وتشعّباته التي تطال مختلف مفاصل الحياة في لبنان يعني بلا شك إنهياراً لبنية الدولة اللبنانية وشللاً لمرافقها وعجزاً تاماً لمواطنيها وقطاعها الخاص وتعطيلاً كلياً لعجلة الحياة.
أسبوع تلو أسبوع يستمر الإضراب «الشامل الكامل» لموظفي القطاع العام في لبنان، الذي بدأ في شهر يونيو المنصرم، ولا أمل جدياً يلوح في الأفق بالعودة عنه أو تحقيق تقدم يُعتدّ به في ما خص المطالب رغم محاولات لجنة وزارية منبثقة عن حكومة تصريف الأعمال إجتراح بعض الحلول «المسكّنة» المشروطة بحضور الموظفين يومين في الأسبوع إلى مراكز عملهم.
وفي حين تعقد اللجنة اجتماعاً غداً الأربعاء يُنتظر أن يكون حاسماً لدرس اقتراحات وتوصيات لحل مشاكل موظفي القطاع العام بعدما أعطيت مهلة يومين لتحديد انعكاساتها المالية، رسم رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال الجلسة التشريعية للبرلمان التي انعقدت الثلاثاء السقف الممكن للتعاطي مع هذا الملف مؤكداً «سعي الحكومة المستمر والحثيث لمتابعة قضة موظفي القطاع العام وذلك من أجل توفير حلولٍ لهم ضمن الإمكانات المتوافرة».
وأضاف: «في اجتماع اللجنة الوزارية لمعالجة تداعيات الأزمة المالية على المرفق العام، تريثنا كي يعطي وزير المال الكلفة بالارقام، ونحن بانتظار ان يقدم الأرقام… نحنُ لا نريد أن نعطي بيد ونأخذ باليد الأخرى كي لا يحصل تضخم. إننا نحاول إيجاد جو ملائم لعودة الموظف إلى عمله، والأرقام ستكون غداً موجودة وسنقدم الحل الذي نستطيع أن نقدمه للموظفين». وتابع: «الموضوع المرتبط بقبول الموظفين بالحلول التي نقدمها من عدمه هو بحث آخر، لكننا نقوم بأقصى ما يُمكن، ولا موارد لدينا وسنعمل بكل جهدنا لنحقق ذلك إلى حين صدور الموازنة».
وبين المُمْكِن للحكومة والمستحيل القبول بأقلّ منه للموطفين، يسوج حبْس الأنفاس حيال آفاق شلل الإدارة العامة ومؤسساتها الذي كانت ملامحه الأولى بدأت تظهر قبل نحو عام مع انفجار أزمة البنزين والإنهيار المريع لسعر الليرة، إذ لم يعد الموظفون يداومون في مكاتبهم لأكثر من يومين أو ثلاثة في الأسبوع كأقصى حد، وكان حضورهم أحياناً يقتصر على يوم واحد لتمرير بعض المعاملات الرسمية الضرورية.
معاناةٌ مزدوجة الطرف يعيشها اللبنانيون على هامش إضراب القطاع العام، فمن جهة موظّفو هذا القطاع ينوؤن تحت أعباء إقتصادية تكاد تسحقهم وما عادوا قادرين على تَحَمُّل وزرها بعدما فقدت رواتبهم أكثر من 90 في المئة من قيمتها وصار الوصول إلى مراكز عملهم مهمة شبه مستحيلة ومن «اللحم الحي»، وبعدما باتت اللقمة والإستشفاء والأدوية والتعليم حلماً بعيد المنال بالنسبة لهؤلاء الذين ما زالوا يقبضون رواتبهم على قيمة دولار تعادل 1500 ليرة إلى أي فئة إنتموا، رغم بعض التقديمات التي قامت الحكومة بإعطائها لهم لكنها ما زالت بعيدة جداً عن المطلوب.
ومن الجهة الأخرى المواطنون الذين يحتاجون إلى القطاع العام لتسيير أعمالهم اليومية ومعاملاتهم الحيوية، يقفون عاجزين يتكبدون الخسائر المادية نتيجة عدم تواجد موظفي الدولة في مراكزهم وعزوفهم عن القيام بواجباتهم.
وكأن الإئتلاف الحاكم في لبنان يتفنّن في ممارسة ساديته عبر وضع موظفي القطاع العام في مواجهة المواطنين بدل أن يكون الطرفان يداً واحدة في مواجهة الأزمة المستفحلة ومَن تَسَبَّبَ بها. الحكومة المستقيلة تسعى لترقيع الوضع وإيجاد حلول موقتة تخفّف بعضاً من نقمة الموظفين، لكن حتى الآن لا يبدو أنهم سيعودون عن إضرابهم المفتوح بل يُخشى أن تنضم إليهم فئات جديدة كل يوم.
وقد بدأ تعطيل الإدارات الرسمية يرخي بظلاله الثقيلة جداً على كافة القطاعات الإقتصادية في لبنان ويراكم الخسائر وقد دخل أسبوعه السادس. ويقدر الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين أن خسائر الإقتصاد اللبناني تقارب 12 مليار ليرة لبنانية يومياً نتيجة توقف أكثر من 300000 موظف عن العمل، لا بل أن ثمة إيرادات للدولة لن تستطيع تحصيلها فيما بعد وستكون الخسارة أكبر على المدى البعيد.
بعض الخبراء يقدّرون الخسائر بأرقام أكبر من ذلك بكثير ولا سيما في القطاع الخاص وفي مجاليْ الإستيراد والتصدير. فإضراب مرفأ بيروت جعل مستوعبات البضائع المستوردة تتكدّس في أرضية المرفأ مع عدم إمكان إخراجها، مع ما يعنيه ذلك من تلف للمواد الغذائية أو المواد الأولية المستخدَمة في الصناعات الغذائية وغيرها. كما كبّد بقاء هذه المستوعبات في باحات المرفأ أموالاً طائلة لمستورديها مع إضطرارهم لدفع رسوم تعرف برسوم الأرضية تراوح قيمتها بين 50 و250 دولاراً عن كل يوم تأخير وبقاء للبضائع على أرض المرفأ.
وكانت نقابة مستوردي المواد الغذائية برئاسة هاني بحصلي قد أطلقت نداءً ناشدت فيه «المسؤولين المعنيين، إتخاذ الإجراءات اللازمة والكفيلة بإخراج مئات الحاويات الملأى بالمواد الغذائية المستوردة والمكدّسة في باحات مرفأ بيروت، نتيجة عدم إنجاز معاملاتها في الوزارات المعنية، بسبب الإضراب المفتوح الذي ينفّذه موظفو الإدارة العامة… وحذّرت من إبقاء الوضع على ما هو عليه، بما سيؤدي حتماً إلى تداعيات سلبية، في مقدّمها إمكان حصول شح في بعض المواد الغذائية، وكذلك تكبيد الشركات خسائر مالية كبيرة ستدفعها مقابل تراكم رسوم أرضية المرفأ». وكانت الجهود والإتصالات مع المسؤولين قد أثمرت عن تأمين يومي عمل على الأقل في المرفأ لإخراج البضائع المكدسة ولكنهما غير كافيين مطلقاً ولا يلبيان إلا 30 في المئة من مجمل العمل المطلوب لإخراج البضائع التي تتكدس يوماً بعد يوم.
وما يصح بالنسبة للإستيراد وإنعكاسه على الأمن الغذائي في لبنان يصح أيضاً على التصدير ولا سيما تصدير الخضار والفاكهة حيث أوضح رئيس تجمع المزارعين والفلاحين ابراهيم الترشيشي، انّ «آلاف الأطنان من الفاكهة والخضار اللبنانية ممنوعة من التصدير وإدخال العُمْلة الصعبة، والسبب إضراب الموظفين، وإن كنا نتضامن مع مطالبهم، ولكن نناشدهم تسهيل أمور التصدير الزراعي، ولا يجوز تحميلنا مسؤولية هذا الإنهيار الإقتصادي». وقد هدد المزارعون بالتصعيد ورمي إنتاجهم أمام الإدارات المختصة في مرفأ بيروت وعلى المراكز الحدودية.
المؤسسات والإدارات العامة المُضْرِبة أكثر من أن تُعَدّ، وإضرابُها يطال كل مصالح المواطنين اليومية وليس فقط المصالح الإقتصادية.
مصلحة تسجيل السيارات والآليات، دوائر النفوس، الدوائر العقارية، المساحة، التنظيم المُدُني، تعاونية موظفي الدولة، المناطق التربوية، الأشغال، الصناعة والزراعة والمالية وحتى الصحة كلها مضربة، كما هدد موظفو أوجيرو بالإنضمام إلى المضربين. وقد شكل إضراب الموظفين في مختلف المديريات التابعة للمالية العامة ضربة كبيرة لباقي موظفي الإدارات العامة إذ باتت رواتب هؤلاء مهددة وثمة خطر في عدم حصولهم عليها إن لم يعد موظفو المالية إلى مراكزهم ليُتموا واجباتهم وإعداد جداول الرواتب وصرفها.
وكان الأخطر بين هذه الإضرابات إضراب موظفي وزارة الصحة للمرة الأولى في لبنان ما عرّض حياة مرضى السرطان وبعض الأمراض المزمنة الأخرى للخطر كونهم يعتمدون على الوزارة لتأمين أدويتهم وإستشفائهم. ومع إرتفاع صرخات الإستغاثة من المرضى عاد الموظفون وببادرة إنسانية إلى تسليم الأدوية إلى المرضى، علماً أن قسماً كبيراً منها مقطوع.
ولكن حتى الإضراب العام الذي يفترض أن يوحّد بين جميع موظفي الإدارة العامة للمطالبة بحقوقهم تحوّل إلى شد حبال حزبي وطائفي حيث خرج بعض الموظفين المحسوبين على بعض أحزاب السلطة عن الإجماع العام وعمدوا إلى الحضور إلى مراكز عملهم لا حباً منهم للمواطنين بل رغبة بإرضاء زعيمهم وعدم كسر هيبته.
فوضى إدارية عارمة
… مواطنون يسيرون بسياراتهم بلا أوراق تثبت ملكيتها بسبب إقفال مصلحة تسجيل السيارات لأبوابها بعدما انقطعت عنها كل الإمدادات ولم تعد تجد ورقاً أو حبراً في مكاتبها… منازل وأراض يعجز أصحابها عن بيعها أو تسجيلها في شكل قانوني إذا وُجد من يشتريها وذلك لعدم حضور موظفي الدوائر العقارية إلى مكاتبهم بعدما بات راتب بعضهم لا يعادل بضعة سندويشات كما يقولون.
طلاب يعجزون عن الحصول على إفادات تربوية مطلوبة للدراسة في الخارج، ومواطنون غير قادرين على الحصول على إخراجات قيد مهما تكن حاجتهم إليها مُلِحّة وحيوية. حتى معاملات موظفي الدولة أنفسهم الإستشفائية متوقفة بسبب إضراب تعاونية موظفي الدولة.
ويحار المواطن المغلوب على أمره الغارق في لجج اليأس والنقمة على مَن يلقي اللوم في تَعَثُّر حصوله على حقوق أساسية تيسر متطلبات حياته اليومية. هل يلوم زملاء وأخوة له يعانون كما يعاني أم يلوم حظه العاثر الذي جعله يحتاج إلى معاملة رسمية في هذا الزمن الرديء؟ أم يلقي باللوم كما هو مفترض على دولة باتت عاجزة تماماً عن حل مشاكلها وتنوء تحت ثقل قطاع عام إستنزف الكثير من ميزانياتها؟
«الهيكل العظمي» للدولة اللبنانية أصابه الشلل و… يترنّح

موظفو القطاع العام في لبنان على إضرابهم المفتوح منذ ستة أسابيع، وهي المدة التي أعقبت عزوفاً عن الحضور إلى مراكز العمل في دوائر الدولة إلا ليوم أو يومين في الأاًسبوع مع تعاظم مظاهر الإنهيار. ورغم المفاوضات بحثاً عن مخارج طوارئ يضخ بعض الحياة في قطاع يعاني موتاً سريرياً، فإن الأخذ والرد ما زال على حاله.
… إنه «الهيكل العظمي» للدولة المتهالكة، الذي يكاد أن يتآكله الإنهيار والشلل على نحو يجعله آيلاً إلى السقوط، جارِفاً معه مصالح الناس وبعض جوانب نشاط القطاع الخاص.
… «عليّ وعلى أهلي» كأنها المعادلة التي حشرت القطاع العام، أي موظفي الدولة، في الزاوية. فسقوط هيكل الإدارة العامة بهرميّته وموظّفيه وتشعّباته التي تطال مختلف مفاصل الحياة في لبنان يعني بلا شك إنهياراً لبنية الدولة اللبنانية وشللاً لمرافقها وعجزاً تاماً لمواطنيها وقطاعها الخاص وتعطيلاً كلياً لعجلة الحياة.
أسبوع تلو أسبوع يستمر الإضراب «الشامل الكامل» لموظفي القطاع العام في لبنان، الذي بدأ في شهر يونيو المنصرم، ولا أمل جدياً يلوح في الأفق بالعودة عنه أو تحقيق تقدم يُعتدّ به في ما خص المطالب رغم محاولات لجنة وزارية منبثقة عن حكومة تصريف الأعمال إجتراح بعض الحلول «المسكّنة» المشروطة بحضور الموظفين يومين في الأسبوع إلى مراكز عملهم.
وفي حين تعقد اللجنة اجتماعاً غداً الأربعاء يُنتظر أن يكون حاسماً لدرس اقتراحات وتوصيات لحل مشاكل موظفي القطاع العام بعدما أعطيت مهلة يومين لتحديد انعكاساتها المالية، رسم رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال الجلسة التشريعية للبرلمان التي انعقدت الثلاثاء السقف الممكن للتعاطي مع هذا الملف مؤكداً «سعي الحكومة المستمر والحثيث لمتابعة قضة موظفي القطاع العام وذلك من أجل توفير حلولٍ لهم ضمن الإمكانات المتوافرة».
وأضاف: «في اجتماع اللجنة الوزارية لمعالجة تداعيات الأزمة المالية على المرفق العام، تريثنا كي يعطي وزير المال الكلفة بالارقام، ونحن بانتظار ان يقدم الأرقام… نحنُ لا نريد أن نعطي بيد ونأخذ باليد الأخرى كي لا يحصل تضخم. إننا نحاول إيجاد جو ملائم لعودة الموظف إلى عمله، والأرقام ستكون غداً موجودة وسنقدم الحل الذي نستطيع أن نقدمه للموظفين». وتابع: «الموضوع المرتبط بقبول الموظفين بالحلول التي نقدمها من عدمه هو بحث آخر، لكننا نقوم بأقصى ما يُمكن، ولا موارد لدينا وسنعمل بكل جهدنا لنحقق ذلك إلى حين صدور الموازنة».
وبين المُمْكِن للحكومة والمستحيل القبول بأقلّ منه للموطفين، يسوج حبْس الأنفاس حيال آفاق شلل الإدارة العامة ومؤسساتها الذي كانت ملامحه الأولى بدأت تظهر قبل نحو عام مع انفجار أزمة البنزين والإنهيار المريع لسعر الليرة، إذ لم يعد الموظفون يداومون في مكاتبهم لأكثر من يومين أو ثلاثة في الأسبوع كأقصى حد، وكان حضورهم أحياناً يقتصر على يوم واحد لتمرير بعض المعاملات الرسمية الضرورية.
معاناةٌ مزدوجة الطرف يعيشها اللبنانيون على هامش إضراب القطاع العام، فمن جهة موظّفو هذا القطاع ينوؤن تحت أعباء إقتصادية تكاد تسحقهم وما عادوا قادرين على تَحَمُّل وزرها بعدما فقدت رواتبهم أكثر من 90 في المئة من قيمتها وصار الوصول إلى مراكز عملهم مهمة شبه مستحيلة ومن «اللحم الحي»، وبعدما باتت اللقمة والإستشفاء والأدوية والتعليم حلماً بعيد المنال بالنسبة لهؤلاء الذين ما زالوا يقبضون رواتبهم على قيمة دولار تعادل 1500 ليرة إلى أي فئة إنتموا، رغم بعض التقديمات التي قامت الحكومة بإعطائها لهم لكنها ما زالت بعيدة جداً عن المطلوب.
ومن الجهة الأخرى المواطنون الذين يحتاجون إلى القطاع العام لتسيير أعمالهم اليومية ومعاملاتهم الحيوية، يقفون عاجزين يتكبدون الخسائر المادية نتيجة عدم تواجد موظفي الدولة في مراكزهم وعزوفهم عن القيام بواجباتهم.
وكأن الإئتلاف الحاكم في لبنان يتفنّن في ممارسة ساديته عبر وضع موظفي القطاع العام في مواجهة المواطنين بدل أن يكون الطرفان يداً واحدة في مواجهة الأزمة المستفحلة ومَن تَسَبَّبَ بها. الحكومة المستقيلة تسعى لترقيع الوضع وإيجاد حلول موقتة تخفّف بعضاً من نقمة الموظفين، لكن حتى الآن لا يبدو أنهم سيعودون عن إضرابهم المفتوح بل يُخشى أن تنضم إليهم فئات جديدة كل يوم.
وقد بدأ تعطيل الإدارات الرسمية يرخي بظلاله الثقيلة جداً على كافة القطاعات الإقتصادية في لبنان ويراكم الخسائر وقد دخل أسبوعه السادس. ويقدر الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين أن خسائر الإقتصاد اللبناني تقارب 12 مليار ليرة لبنانية يومياً نتيجة توقف أكثر من 300000 موظف عن العمل، لا بل أن ثمة إيرادات للدولة لن تستطيع تحصيلها فيما بعد وستكون الخسارة أكبر على المدى البعيد.
بعض الخبراء يقدّرون الخسائر بأرقام أكبر من ذلك بكثير ولا سيما في القطاع الخاص وفي مجاليْ الإستيراد والتصدير. فإضراب مرفأ بيروت جعل مستوعبات البضائع المستوردة تتكدّس في أرضية المرفأ مع عدم إمكان إخراجها، مع ما يعنيه ذلك من تلف للمواد الغذائية أو المواد الأولية المستخدَمة في الصناعات الغذائية وغيرها. كما كبّد بقاء هذه المستوعبات في باحات المرفأ أموالاً طائلة لمستورديها مع إضطرارهم لدفع رسوم تعرف برسوم الأرضية تراوح قيمتها بين 50 و250 دولاراً عن كل يوم تأخير وبقاء للبضائع على أرض المرفأ.
وكانت نقابة مستوردي المواد الغذائية برئاسة هاني بحصلي قد أطلقت نداءً ناشدت فيه «المسؤولين المعنيين، إتخاذ الإجراءات اللازمة والكفيلة بإخراج مئات الحاويات الملأى بالمواد الغذائية المستوردة والمكدّسة في باحات مرفأ بيروت، نتيجة عدم إنجاز معاملاتها في الوزارات المعنية، بسبب الإضراب المفتوح الذي ينفّذه موظفو الإدارة العامة… وحذّرت من إبقاء الوضع على ما هو عليه، بما سيؤدي حتماً إلى تداعيات سلبية، في مقدّمها إمكان حصول شح في بعض المواد الغذائية، وكذلك تكبيد الشركات خسائر مالية كبيرة ستدفعها مقابل تراكم رسوم أرضية المرفأ». وكانت الجهود والإتصالات مع المسؤولين قد أثمرت عن تأمين يومي عمل على الأقل في المرفأ لإخراج البضائع المكدسة ولكنهما غير كافيين مطلقاً ولا يلبيان إلا 30 في المئة من مجمل العمل المطلوب لإخراج البضائع التي تتكدس يوماً بعد يوم.
وما يصح بالنسبة للإستيراد وإنعكاسه على الأمن الغذائي في لبنان يصح أيضاً على التصدير ولا سيما تصدير الخضار والفاكهة حيث أوضح رئيس تجمع المزارعين والفلاحين ابراهيم الترشيشي، انّ «آلاف الأطنان من الفاكهة والخضار اللبنانية ممنوعة من التصدير وإدخال العُمْلة الصعبة، والسبب إضراب الموظفين، وإن كنا نتضامن مع مطالبهم، ولكن نناشدهم تسهيل أمور التصدير الزراعي، ولا يجوز تحميلنا مسؤولية هذا الإنهيار الإقتصادي». وقد هدد المزارعون بالتصعيد ورمي إنتاجهم أمام الإدارات المختصة في مرفأ بيروت وعلى المراكز الحدودية.
المؤسسات والإدارات العامة المُضْرِبة أكثر من أن تُعَدّ، وإضرابُها يطال كل مصالح المواطنين اليومية وليس فقط المصالح الإقتصادية.
مصلحة تسجيل السيارات والآليات، دوائر النفوس، الدوائر العقارية، المساحة، التنظيم المُدُني، تعاونية موظفي الدولة، المناطق التربوية، الأشغال، الصناعة والزراعة والمالية وحتى الصحة كلها مضربة، كما هدد موظفو أوجيرو بالإنضمام إلى المضربين. وقد شكل إضراب الموظفين في مختلف المديريات التابعة للمالية العامة ضربة كبيرة لباقي موظفي الإدارات العامة إذ باتت رواتب هؤلاء مهددة وثمة خطر في عدم حصولهم عليها إن لم يعد موظفو المالية إلى مراكزهم ليُتموا واجباتهم وإعداد جداول الرواتب وصرفها.
وكان الأخطر بين هذه الإضرابات إضراب موظفي وزارة الصحة للمرة الأولى في لبنان ما عرّض حياة مرضى السرطان وبعض الأمراض المزمنة الأخرى للخطر كونهم يعتمدون على الوزارة لتأمين أدويتهم وإستشفائهم. ومع إرتفاع صرخات الإستغاثة من المرضى عاد الموظفون وببادرة إنسانية إلى تسليم الأدوية إلى المرضى، علماً أن قسماً كبيراً منها مقطوع.
ولكن حتى الإضراب العام الذي يفترض أن يوحّد بين جميع موظفي الإدارة العامة للمطالبة بحقوقهم تحوّل إلى شد حبال حزبي وطائفي حيث خرج بعض الموظفين المحسوبين على بعض أحزاب السلطة عن الإجماع العام وعمدوا إلى الحضور إلى مراكز عملهم لا حباً منهم للمواطنين بل رغبة بإرضاء زعيمهم وعدم كسر هيبته.
فوضى إدارية عارمة
… مواطنون يسيرون بسياراتهم بلا أوراق تثبت ملكيتها بسبب إقفال مصلحة تسجيل السيارات لأبوابها بعدما انقطعت عنها كل الإمدادات ولم تعد تجد ورقاً أو حبراً في مكاتبها… منازل وأراض يعجز أصحابها عن بيعها أو تسجيلها في شكل قانوني إذا وُجد من يشتريها وذلك لعدم حضور موظفي الدوائر العقارية إلى مكاتبهم بعدما بات راتب بعضهم لا يعادل بضعة سندويشات كما يقولون.
طلاب يعجزون عن الحصول على إفادات تربوية مطلوبة للدراسة في الخارج، ومواطنون غير قادرين على الحصول على إخراجات قيد مهما تكن حاجتهم إليها مُلِحّة وحيوية. حتى معاملات موظفي الدولة أنفسهم الإستشفائية متوقفة بسبب إضراب تعاونية موظفي الدولة.
ويحار المواطن المغلوب على أمره الغارق في لجج اليأس والنقمة على مَن يلقي اللوم في تَعَثُّر حصوله على حقوق أساسية تيسر متطلبات حياته اليومية. هل يلوم زملاء وأخوة له يعانون كما يعاني أم يلوم حظه العاثر الذي جعله يحتاج إلى معاملة رسمية في هذا الزمن الرديء؟ أم يلقي باللوم كما هو مفترض على دولة باتت عاجزة تماماً عن حل مشاكلها وتنوء تحت ثقل قطاع عام إستنزف الكثير من ميزانياتها؟









