دعوات في الدولة العبرية تدفع باتجاه حصار بيروت للضغط أكثر على «حزب الله» لتسليم سلاحه

– نتنياهو: قتلنا 8 آلاف من «حزب الله» منذ مارس
– مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة حول لبنان
بعبورها نهر الليطاني شمالاً واحتلال قلعة الشقيف، لا تكون اسرائيل فقط أعادت عقارب الساعة عقوداً إلى الوراء، إلى ما قبل انسحابها من جنوب لبنان في 25 مايو 2000، بل أعطتْ إشارةً متقدّمة إلى «ما سيكون» على الجبهة مع «حزب الله» في الأيام المقبلة التي تشي بأنها ستكون حبْلى بأشرس المواجهات وأحْلك السيناريوهات التي يبدو أنها تُسابِق إمكانَ بلوغِ اتفاقٍ إطاري بين الولايات المتحدة وإيران قد يَفرض عودةَ دينامية الميدان إلى التصعيد الأدنى ما لم تسلّم تل أبيب بتطبيقٍ حقيقي لاتفاقِ وَقْفِ النار مع «بلاد الأرز» بما يزيل عائقاً رئيسياً من أمام انطلاقةٍ واعدةٍ أكثر للمفاوضات المباشرة بين البلدين التي تستضيفها واشنطن.
ولم يكن رَفْعُ العلم الاسرائيلي الأحد، على قلعة الشقيف الضاربة في التاريخ حتى الحقبة الصليبية، مجرّد تطور عسكري بالغ الأهمية لاسرائيل، يرتكز على الموقع الاستراتيجي لهذه النقطة الحاكمة التي تطلّ على مستوطنة المطلة وتشرف على المنطقة الواقعة بين الليطاني والزهراني، بل جاء الاحتلال الثاني لهذه البقعة مدجَّجاً بأبعاد عسكرية وسياسية تعكس تحولاً دراماتيكياً في الميدان موْصولاً بميزانِ المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية في واشنطن، والذي تريد تل أبيب تعزيزَ «فائض قوتها» فيه بتعزيزِ العمق الدفاعي في شمال الليطاني وربما وصولاً إلى 40 كيلومتراً، وتالياً تعميق فصل المسار اللبناني عن المَسار الإيراني.
«الوحش على الجبل»
وفيما كانت القيادة السياسية والعسكرية في اسرائيل تحتفي بعودة جيشها الى ما سَبَقَ أن أُطلق عليه في تل أبيب «الوحش على الجبل» والذي ارتبط بذاكرة الدولة العبرية ابان اجتياح 1982 بخسائر كبيرة تكبّدتها قواتها لاحتلالها وكانت تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية، فإنّ البُعد الموازي لهذا التطور لم يقلّ دلالةً ليس فقط لجهة ما شكّله من انتكاسة ميدانية جديدة تُسجَّل ضد «حزب الله» الذي تتوالى الوقائع التي تمحو تباعاً إنجاز التحرير الذي حققه العام 2000 وحلّت ذكراه هذه السنة و«كأنه لم يكن» بل أيضاً لأن سقوط «الحُصن الجميل» الذي يقع قرب بلدة ارنون (النبطية) وعلى ارتفاع أكثر من 700 متر جاء بمثابة وَضْعٍ لـ «الوحش على التلة» ومنْحه مزيداً من الاستحكامات للمضيّ في توغّلاته وعملياته التي صارت «بين النهرين» (الليطاني والزهراني).
جلسة طارئة
وفي الوقت الذي فرضت التطوراتُ العسكريةُ المتدحرجةُ عَقْدَ جلسة طارئة لمجلس الأمن الإثنين بدعوة من فرنسا وفتْح «الخط الساخن» بين بيروت وعواصم عربية وغربية، وَجَدَ «حزب الله» وقتاً ليوزّع «مهماته»، بين تكثيفِ العمليات «غير الرادعة» ضدّ الجيش الاسرائيلي في المناطق التي يحتلها في جنوب لبنان ومستوطناتٍ في الشمال يُمْطرها بالصواريخ والمسيّرات، وبين ما يشبه «أمر العمليات» بإطلاقِ «تمرينٍ» في الشارع تحت عنوان إسقاط حكومة الرئيس نواف سلام عبر تجمّع هزيل حصل في وسط بيروت، وهو ما اعتُبر في سياق إمعان الحزب في تجويف مَهمة المفاوض اللبناني على طاولة واشنطن وزيادة الضغط على الدولة.
«تحول حاسم»
ولم يتأخّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الإطلالة على ما وصفه بأنه «تحول حاسم» في الهجوم على لبنان شكلتْه السيطرة على قلعة الشقيف، موضحاً أنّ احتلال القلعة يأتي كمرحلة إضافية في سياسة إسرائيل الهادفة إلى إقامة «مناطق عازلة على كل الجبهات في سوريا وغزة ولبنان».
وأكد أن إسرائيل ستواصل استهداف البنية العسكرية والقيادات الميدانية للحزب إلى أن «تزول التهديدات التي تطول شمال إسرائيل»، مشدداً على «أن الحزب لن تكون لديه قريباً القدرة على تهديد شمال إسرائيل»، ولافتاً إلى أنه «أصدر تعليمات بتعميق تمركز الجيش في ما وصفها بـ«معاقل حزب الله» شمال الليطاني وتعميق مناورة قواته في لبنان، ومشيراً إلى أن الجيش قتل نحو 700 عنصر من الحزب خلال مايو الماضي و8 آلاف منذ مارس، ومعتبراً أن العمليات العسكرية المتواصلة أدت إلى إضعاف قدرات الحزب بشكل كبير.
معركة بوفور
وفي سياق متصل، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، على قناته في تطبيق«تلغرام»، انه«بعد 44 عاماً من معركة بوفور البطولية، وفي اليوم الذي نحيي فيه ذكرى الجنود الذين سقطوا خلال حرب لبنان الأولى (1982)، عاد الجنود إلى قلعة بوفور ورفعوا علم إسرائيل هناك من جديد»، مشيراً إلى«ان المعركة في جنوب لبنان لن تنتهي بالسيطرة على قلعة شقيف ونصرّ على تدمير قوات حزب الله وقوّاتنا ستظل في القلعة كجزء من المنطقة الآمنة في لبنان».
أما وزير المال بتسلئيل سموتريتش، فأكد أن«أمن إسرائيل يُعزَّز بالقوّة لا بالاستسلام والانسحابات. وقد وَعدنا سكان الشّمال الشّجعان بأمن طويل الأمد، ونحن نعمل بحزم لتحقيق ذلك»، مشيراً إلى أنّ«العودة إلى قلعة الشقيف هي تعبير عن تصحيح أخطاء وطنيّة قديمة ومفاهيم مشوّهة»، ومؤكّداً أنّه«مقابل كلّ طائرة مسيّرة مفخّخة، يجب أن تسقط عشرة مبانٍ في بيروت وعلى إسرائيل تغيير المعادلة».
وإذ نَشر الجيش الإسرائيلي فيديو لأول دبابة تعبر نهر الليطاني باتجاه قلعة الشقيف التي تشرف على محور النبطية – مرجعيون، إضافة إلى مناطق أرنون وكفرتبنيت ويحمر وزوطر، وتتيح السيطرةُ عليها قدرة متقدمة على الرصد والتوجيه والتحكم بخطوط الحركة والإمداد، فإن البيان الذي كان أصدره قبيل السيطرة على القلعة عَكَسَ ما سيكون على جبهة لبنان التي تتجه إلى موجات أعتى من التصعيد عزّز الخشية منه أيضاً ما أوردته القناة 14 العبرية عن انه بعد سلسلة من المناقشات، يميل نتنياهو وكاتس إلى الموافقة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق في مختلف أنحاء لبنان خلال الساعات المقبلة، بما في ذلك إصدار إشعارات إخلاء لمئات الآلاف من المدنيين، وذلك بالتنسيق مع الأميركيين.
وكان الناطق باسم الجيش أفيخاي أدرعي كتب عبر «إكس» إن «القيادة الشمالية باشرت عملية قيادية في مرتفعات الشقيف (البوفور) ومنطقة وادي السلوقي في جنوب لبنان، بهدف تدمير البنى التحتية وتصفية عناصر حزب الله، في إطار تعزيز السيطرة العملياتية في جنوب لبنان وإزالة التهديد المباشر عن إصبع الجليل وبلدة المطلة».
وأضاف أن العملية بدأت قبل أيام عدة «حيث شرعت قوات برية كبيرة، من بينها لواء غولاني، اللواء 7، لواء جفعاتي، لواء النيران، والوحدة متعددة الأبعاد، العاملة تحت قيادة الفرقة 36 وبتوجيه استخباراتي من هيئة الاستخبارات العسكرية، في تنفيذ نشاط هجومي لتوسيع خط الدفاع الأمامي».
وتابع «صادق رئيس الأركان الجنرال أيال زامير على العملية، وتم تنفيذ إجراءات الاستعداد القتالي لها بصورة منظمة، وتركّز العملية على فرض السيطرة على مرتفعات الشقيف ومنطقة وادي السلوقي، وتعميق الضربة الموجّهة ضد حزب الله، وتدمير بنى تحتية مركزية أُقيمت في المرتفعات بتوجيه إيراني، استخدمها حزب الله لإدارة القتال وتنفيذ العديد من المخططات».
وأشار إلى أن قوات إسرائيلية «عبرت نهر الليطاني ووسّعت هجماتها ضد حزب الله إلى شمال النهر، فيما تتوسع العمليات في هذه الأثناء إلى مناطق إضافية»، وقال:«نعمل في محيط النبطية، التي تعد أحد مراكز القوة الرئيسية لحزب الله في جنوب لبنان، والجيش مستعد وجاهز لتوسيع الهجوم وفق ما تقتضيه الحاجة».
عرقلة المفاوضات!
في موازاة كشْفِ«هيئة البث الاسرائيلية» عن تقييمات أميركية وإسرائيلية تفيد أن إطلاق «حزب الله» صواريخ بعيدة المدى وتوسيع دائرة استهدافاته داخل إسرائيل، للمرة الأولى منذ أسابيع، يهدفان إلى عرقلة المفاوضات مع لبنان، أشارت تقارير إلى أن الجيش الإسرائيلي أعدّ خطة هجومية في عمق لبنان، بانتظار موافقة المستوى السياسي.
وإذ طلب المستوى العسكري من السكان البقاء قرب المخابئ والملاجئ قدر الإمكان يومي الأحد والاثنين، أعلنت الجبهة الداخلية تعليمات مشددة تشمل تعطيل المدارس والحضانات، وإغلاق مقرات العمل والشواطئ وغيرها.
وجاءت هذه التطوّرات غداة المشاورات الأمنية العاجلة التي أجراها الكابينيت مساء السبت لدرس سبل الردّ على هجمات الحزب، والتي استبقها كاتس بالقول«الهجوم على بيروت بات مسألة وقت. فإذا لم يكن هناك هدوء في كريات شمونة وبلدات الجليل، لن يكون هناك هدوء في بيروت».
أمّا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فقال إن «الوقت حان لتسوية الضاحية بالأرض».
حصار بيروت
والأخطر ما نقلته قناة «العربية»عن أن دعوات تبرز في اسرائيل من مسؤولين أمنيين تدفع في اتجاه حصار بيروت للضغط أكثر على«حزب الله» لتسليم سلاحه، وسط اقتناعٍ بأن الحكومة اللبنانية غير راغبة ولا قادرة على فعل ذلك بالقوة ما يحتّم على تل ابيب القيام بالأمر على طريقتها.
ويَطرح هذا المناخ المتأجّج علامات استفهام ليس فقط حول مصير اتفاق وقف النار مع لبنان الذي بات واقعياً «رماداً» من دم ودمار، ترتفع حصيلة الأول يومياً وتتوسع رقعة الثاني على مدار الساعة، بل أيضاً حول أفق المفاوضاتِ المباشرة في واشنطن التي لم تُحْدِث اي اختراق في مسارها الأمني المستحدَث الذي عقد اول جولاته «العقيمة» الجمعة، والتي تَضرب موعداً مع جولةٍ جديدة للمسار السياسي بصيغته المعزّزة الثلاثاء والأربعاء والذي لا يمكن لبيروت الانسحاب منه لأن ذلك سيَعني سحْب اليد من اليد التي مدّها الرئيس دونالد ترامب للبنان برعايته طاولة واشنطن وتحوّله الكابح الوحيد لأي اندفاعاتٍ بلا سقوف لنتنياهو تجاه «بلاد الأرز».
التزام بري
وفي وقت كانت مدينتا صور والنبطية، وهما المعقلان الرئيسيان لرئيس البرلمان نبيه بري، تشهدان إعصار نار اسرائيلياً، وعلى وهج احتلال قلعة الشقيف، قال بري لمحطة «NBN» إنه «يضمن التزاماً كاملاً وشاملاً وفورياً لوقف النار من المقاومة، لكن السؤال مَن يلزم إسرائيل وقف عدوانها براً وبحراً وجواً وهدمها للقرى والمنازل»؟
ورأت أوساط سياسية أن هذا الموقف غير كافٍ لوقف اندفاعة اسرائيل، بعدما أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، لبنان أن «حزب الله» يتحمّل مسؤولية التصعيد بهجماته المستمرة وأن وقف الأخير عملياته هو مفتاح خفض التصعيد، والأهمّ في ضوء ربط تل ابيب التزام الوقف الشامل للنار الذي يَتضمّن إسقاط شرط «الحق بالدفاع عن النفس»، بتبلور خريطة طريق واضحة لسحب سلاح الحزب تكون مجدولة زمنياً وقابلة للتطبيق بآلية مراقبة وإشراف يجري بلورتها من ضمن المسار الأمني للمفاوضات مع لبنان متى أظهرت بيروت إمكانية فعلية لنزع السلاح.
ولم يكد أن يجف حبر كلام بري حتى احتدم الميدان بعد إعلان القناة 12 الإسرائيلية وقوع عدد من الاصابات بينها 3 خطيرة جرّاء سقوط مسيّرة أُطلقت من لبنان في بيت هيلل قرب كريات شمونة.
وسبق ذلك، تكثيف الغارات على منطقة الزهراني ومدينة النبطية ومدينة صور التي أبلغ الجيش الإسرائيلي مركز الدفاع المدني اللبناني فيها بضرورة إخلائه، وهو ما حصل ايضاً مع عدد كبير من مراكزه جنوب الزهراني بحيث تم إقامة نقطة إغاثة في صيدا.
وعلى وقع هذه التطورات المتسارعة برزت محاولة من فرنسا للجم كرة النار المتدحرجة، عبر إبلاغ وزير خارجيتها جان – نويل بارو الى نظيره اللبناني يوسف رجي، أن باريس ستطلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، في ضوء التصعيد الإسرائيلي المستمر في لبنان وتوسّع نطاق العمليات العسكرية وأوامر الإخلاء.
كما تحدّثت تقارير عن أن الموفد الفرنسي جان إيف لودريان سيصل إلى لبنان الأربعاء في زيارة تستمر 3 أيام.
دعوات في الدولة العبرية تدفع باتجاه حصار بيروت للضغط أكثر على «حزب الله» لتسليم سلاحه

– نتنياهو: قتلنا 8 آلاف من «حزب الله» منذ مارس
– مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة حول لبنان
بعبورها نهر الليطاني شمالاً واحتلال قلعة الشقيف، لا تكون اسرائيل فقط أعادت عقارب الساعة عقوداً إلى الوراء، إلى ما قبل انسحابها من جنوب لبنان في 25 مايو 2000، بل أعطتْ إشارةً متقدّمة إلى «ما سيكون» على الجبهة مع «حزب الله» في الأيام المقبلة التي تشي بأنها ستكون حبْلى بأشرس المواجهات وأحْلك السيناريوهات التي يبدو أنها تُسابِق إمكانَ بلوغِ اتفاقٍ إطاري بين الولايات المتحدة وإيران قد يَفرض عودةَ دينامية الميدان إلى التصعيد الأدنى ما لم تسلّم تل أبيب بتطبيقٍ حقيقي لاتفاقِ وَقْفِ النار مع «بلاد الأرز» بما يزيل عائقاً رئيسياً من أمام انطلاقةٍ واعدةٍ أكثر للمفاوضات المباشرة بين البلدين التي تستضيفها واشنطن.
ولم يكن رَفْعُ العلم الاسرائيلي الأحد، على قلعة الشقيف الضاربة في التاريخ حتى الحقبة الصليبية، مجرّد تطور عسكري بالغ الأهمية لاسرائيل، يرتكز على الموقع الاستراتيجي لهذه النقطة الحاكمة التي تطلّ على مستوطنة المطلة وتشرف على المنطقة الواقعة بين الليطاني والزهراني، بل جاء الاحتلال الثاني لهذه البقعة مدجَّجاً بأبعاد عسكرية وسياسية تعكس تحولاً دراماتيكياً في الميدان موْصولاً بميزانِ المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية في واشنطن، والذي تريد تل أبيب تعزيزَ «فائض قوتها» فيه بتعزيزِ العمق الدفاعي في شمال الليطاني وربما وصولاً إلى 40 كيلومتراً، وتالياً تعميق فصل المسار اللبناني عن المَسار الإيراني.
«الوحش على الجبل»
وفيما كانت القيادة السياسية والعسكرية في اسرائيل تحتفي بعودة جيشها الى ما سَبَقَ أن أُطلق عليه في تل أبيب «الوحش على الجبل» والذي ارتبط بذاكرة الدولة العبرية ابان اجتياح 1982 بخسائر كبيرة تكبّدتها قواتها لاحتلالها وكانت تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية، فإنّ البُعد الموازي لهذا التطور لم يقلّ دلالةً ليس فقط لجهة ما شكّله من انتكاسة ميدانية جديدة تُسجَّل ضد «حزب الله» الذي تتوالى الوقائع التي تمحو تباعاً إنجاز التحرير الذي حققه العام 2000 وحلّت ذكراه هذه السنة و«كأنه لم يكن» بل أيضاً لأن سقوط «الحُصن الجميل» الذي يقع قرب بلدة ارنون (النبطية) وعلى ارتفاع أكثر من 700 متر جاء بمثابة وَضْعٍ لـ «الوحش على التلة» ومنْحه مزيداً من الاستحكامات للمضيّ في توغّلاته وعملياته التي صارت «بين النهرين» (الليطاني والزهراني).
جلسة طارئة
وفي الوقت الذي فرضت التطوراتُ العسكريةُ المتدحرجةُ عَقْدَ جلسة طارئة لمجلس الأمن الإثنين بدعوة من فرنسا وفتْح «الخط الساخن» بين بيروت وعواصم عربية وغربية، وَجَدَ «حزب الله» وقتاً ليوزّع «مهماته»، بين تكثيفِ العمليات «غير الرادعة» ضدّ الجيش الاسرائيلي في المناطق التي يحتلها في جنوب لبنان ومستوطناتٍ في الشمال يُمْطرها بالصواريخ والمسيّرات، وبين ما يشبه «أمر العمليات» بإطلاقِ «تمرينٍ» في الشارع تحت عنوان إسقاط حكومة الرئيس نواف سلام عبر تجمّع هزيل حصل في وسط بيروت، وهو ما اعتُبر في سياق إمعان الحزب في تجويف مَهمة المفاوض اللبناني على طاولة واشنطن وزيادة الضغط على الدولة.
«تحول حاسم»
ولم يتأخّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الإطلالة على ما وصفه بأنه «تحول حاسم» في الهجوم على لبنان شكلتْه السيطرة على قلعة الشقيف، موضحاً أنّ احتلال القلعة يأتي كمرحلة إضافية في سياسة إسرائيل الهادفة إلى إقامة «مناطق عازلة على كل الجبهات في سوريا وغزة ولبنان».
وأكد أن إسرائيل ستواصل استهداف البنية العسكرية والقيادات الميدانية للحزب إلى أن «تزول التهديدات التي تطول شمال إسرائيل»، مشدداً على «أن الحزب لن تكون لديه قريباً القدرة على تهديد شمال إسرائيل»، ولافتاً إلى أنه «أصدر تعليمات بتعميق تمركز الجيش في ما وصفها بـ«معاقل حزب الله» شمال الليطاني وتعميق مناورة قواته في لبنان، ومشيراً إلى أن الجيش قتل نحو 700 عنصر من الحزب خلال مايو الماضي و8 آلاف منذ مارس، ومعتبراً أن العمليات العسكرية المتواصلة أدت إلى إضعاف قدرات الحزب بشكل كبير.
معركة بوفور
وفي سياق متصل، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، على قناته في تطبيق«تلغرام»، انه«بعد 44 عاماً من معركة بوفور البطولية، وفي اليوم الذي نحيي فيه ذكرى الجنود الذين سقطوا خلال حرب لبنان الأولى (1982)، عاد الجنود إلى قلعة بوفور ورفعوا علم إسرائيل هناك من جديد»، مشيراً إلى«ان المعركة في جنوب لبنان لن تنتهي بالسيطرة على قلعة شقيف ونصرّ على تدمير قوات حزب الله وقوّاتنا ستظل في القلعة كجزء من المنطقة الآمنة في لبنان».
أما وزير المال بتسلئيل سموتريتش، فأكد أن«أمن إسرائيل يُعزَّز بالقوّة لا بالاستسلام والانسحابات. وقد وَعدنا سكان الشّمال الشّجعان بأمن طويل الأمد، ونحن نعمل بحزم لتحقيق ذلك»، مشيراً إلى أنّ«العودة إلى قلعة الشقيف هي تعبير عن تصحيح أخطاء وطنيّة قديمة ومفاهيم مشوّهة»، ومؤكّداً أنّه«مقابل كلّ طائرة مسيّرة مفخّخة، يجب أن تسقط عشرة مبانٍ في بيروت وعلى إسرائيل تغيير المعادلة».
وإذ نَشر الجيش الإسرائيلي فيديو لأول دبابة تعبر نهر الليطاني باتجاه قلعة الشقيف التي تشرف على محور النبطية – مرجعيون، إضافة إلى مناطق أرنون وكفرتبنيت ويحمر وزوطر، وتتيح السيطرةُ عليها قدرة متقدمة على الرصد والتوجيه والتحكم بخطوط الحركة والإمداد، فإن البيان الذي كان أصدره قبيل السيطرة على القلعة عَكَسَ ما سيكون على جبهة لبنان التي تتجه إلى موجات أعتى من التصعيد عزّز الخشية منه أيضاً ما أوردته القناة 14 العبرية عن انه بعد سلسلة من المناقشات، يميل نتنياهو وكاتس إلى الموافقة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق في مختلف أنحاء لبنان خلال الساعات المقبلة، بما في ذلك إصدار إشعارات إخلاء لمئات الآلاف من المدنيين، وذلك بالتنسيق مع الأميركيين.
وكان الناطق باسم الجيش أفيخاي أدرعي كتب عبر «إكس» إن «القيادة الشمالية باشرت عملية قيادية في مرتفعات الشقيف (البوفور) ومنطقة وادي السلوقي في جنوب لبنان، بهدف تدمير البنى التحتية وتصفية عناصر حزب الله، في إطار تعزيز السيطرة العملياتية في جنوب لبنان وإزالة التهديد المباشر عن إصبع الجليل وبلدة المطلة».
وأضاف أن العملية بدأت قبل أيام عدة «حيث شرعت قوات برية كبيرة، من بينها لواء غولاني، اللواء 7، لواء جفعاتي، لواء النيران، والوحدة متعددة الأبعاد، العاملة تحت قيادة الفرقة 36 وبتوجيه استخباراتي من هيئة الاستخبارات العسكرية، في تنفيذ نشاط هجومي لتوسيع خط الدفاع الأمامي».
وتابع «صادق رئيس الأركان الجنرال أيال زامير على العملية، وتم تنفيذ إجراءات الاستعداد القتالي لها بصورة منظمة، وتركّز العملية على فرض السيطرة على مرتفعات الشقيف ومنطقة وادي السلوقي، وتعميق الضربة الموجّهة ضد حزب الله، وتدمير بنى تحتية مركزية أُقيمت في المرتفعات بتوجيه إيراني، استخدمها حزب الله لإدارة القتال وتنفيذ العديد من المخططات».
وأشار إلى أن قوات إسرائيلية «عبرت نهر الليطاني ووسّعت هجماتها ضد حزب الله إلى شمال النهر، فيما تتوسع العمليات في هذه الأثناء إلى مناطق إضافية»، وقال:«نعمل في محيط النبطية، التي تعد أحد مراكز القوة الرئيسية لحزب الله في جنوب لبنان، والجيش مستعد وجاهز لتوسيع الهجوم وفق ما تقتضيه الحاجة».
عرقلة المفاوضات!
في موازاة كشْفِ«هيئة البث الاسرائيلية» عن تقييمات أميركية وإسرائيلية تفيد أن إطلاق «حزب الله» صواريخ بعيدة المدى وتوسيع دائرة استهدافاته داخل إسرائيل، للمرة الأولى منذ أسابيع، يهدفان إلى عرقلة المفاوضات مع لبنان، أشارت تقارير إلى أن الجيش الإسرائيلي أعدّ خطة هجومية في عمق لبنان، بانتظار موافقة المستوى السياسي.
وإذ طلب المستوى العسكري من السكان البقاء قرب المخابئ والملاجئ قدر الإمكان يومي الأحد والاثنين، أعلنت الجبهة الداخلية تعليمات مشددة تشمل تعطيل المدارس والحضانات، وإغلاق مقرات العمل والشواطئ وغيرها.
وجاءت هذه التطوّرات غداة المشاورات الأمنية العاجلة التي أجراها الكابينيت مساء السبت لدرس سبل الردّ على هجمات الحزب، والتي استبقها كاتس بالقول«الهجوم على بيروت بات مسألة وقت. فإذا لم يكن هناك هدوء في كريات شمونة وبلدات الجليل، لن يكون هناك هدوء في بيروت».
أمّا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فقال إن «الوقت حان لتسوية الضاحية بالأرض».
حصار بيروت
والأخطر ما نقلته قناة «العربية»عن أن دعوات تبرز في اسرائيل من مسؤولين أمنيين تدفع في اتجاه حصار بيروت للضغط أكثر على«حزب الله» لتسليم سلاحه، وسط اقتناعٍ بأن الحكومة اللبنانية غير راغبة ولا قادرة على فعل ذلك بالقوة ما يحتّم على تل ابيب القيام بالأمر على طريقتها.
ويَطرح هذا المناخ المتأجّج علامات استفهام ليس فقط حول مصير اتفاق وقف النار مع لبنان الذي بات واقعياً «رماداً» من دم ودمار، ترتفع حصيلة الأول يومياً وتتوسع رقعة الثاني على مدار الساعة، بل أيضاً حول أفق المفاوضاتِ المباشرة في واشنطن التي لم تُحْدِث اي اختراق في مسارها الأمني المستحدَث الذي عقد اول جولاته «العقيمة» الجمعة، والتي تَضرب موعداً مع جولةٍ جديدة للمسار السياسي بصيغته المعزّزة الثلاثاء والأربعاء والذي لا يمكن لبيروت الانسحاب منه لأن ذلك سيَعني سحْب اليد من اليد التي مدّها الرئيس دونالد ترامب للبنان برعايته طاولة واشنطن وتحوّله الكابح الوحيد لأي اندفاعاتٍ بلا سقوف لنتنياهو تجاه «بلاد الأرز».
التزام بري
وفي وقت كانت مدينتا صور والنبطية، وهما المعقلان الرئيسيان لرئيس البرلمان نبيه بري، تشهدان إعصار نار اسرائيلياً، وعلى وهج احتلال قلعة الشقيف، قال بري لمحطة «NBN» إنه «يضمن التزاماً كاملاً وشاملاً وفورياً لوقف النار من المقاومة، لكن السؤال مَن يلزم إسرائيل وقف عدوانها براً وبحراً وجواً وهدمها للقرى والمنازل»؟
ورأت أوساط سياسية أن هذا الموقف غير كافٍ لوقف اندفاعة اسرائيل، بعدما أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، لبنان أن «حزب الله» يتحمّل مسؤولية التصعيد بهجماته المستمرة وأن وقف الأخير عملياته هو مفتاح خفض التصعيد، والأهمّ في ضوء ربط تل ابيب التزام الوقف الشامل للنار الذي يَتضمّن إسقاط شرط «الحق بالدفاع عن النفس»، بتبلور خريطة طريق واضحة لسحب سلاح الحزب تكون مجدولة زمنياً وقابلة للتطبيق بآلية مراقبة وإشراف يجري بلورتها من ضمن المسار الأمني للمفاوضات مع لبنان متى أظهرت بيروت إمكانية فعلية لنزع السلاح.
ولم يكد أن يجف حبر كلام بري حتى احتدم الميدان بعد إعلان القناة 12 الإسرائيلية وقوع عدد من الاصابات بينها 3 خطيرة جرّاء سقوط مسيّرة أُطلقت من لبنان في بيت هيلل قرب كريات شمونة.
وسبق ذلك، تكثيف الغارات على منطقة الزهراني ومدينة النبطية ومدينة صور التي أبلغ الجيش الإسرائيلي مركز الدفاع المدني اللبناني فيها بضرورة إخلائه، وهو ما حصل ايضاً مع عدد كبير من مراكزه جنوب الزهراني بحيث تم إقامة نقطة إغاثة في صيدا.
وعلى وقع هذه التطورات المتسارعة برزت محاولة من فرنسا للجم كرة النار المتدحرجة، عبر إبلاغ وزير خارجيتها جان – نويل بارو الى نظيره اللبناني يوسف رجي، أن باريس ستطلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، في ضوء التصعيد الإسرائيلي المستمر في لبنان وتوسّع نطاق العمليات العسكرية وأوامر الإخلاء.
كما تحدّثت تقارير عن أن الموفد الفرنسي جان إيف لودريان سيصل إلى لبنان الأربعاء في زيارة تستمر 3 أيام.









