علي الطاهر… أكثر من تلة وأقل من خط بارليف

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
12 آب 2026

من المتعارف عليه أنه في الحروب، ليست كل التلال مجرد مرتفعات جغرافية، وليست كل المواقع العسكرية مجرد نقاط على الخرائط. فهناك أماكن تتحول إلى رموز استراتيجية تختصر معركة بأكملها، وتصبح السيطرة عليها معياراً لتبدل موازين القوى. ومن هذا المنطلق، بدأ كثير من الخبراء العسكريين ينظرون إلى تلة علي الطاهر في جنوب لبنان باعتبارها الموقع الأكثر حساسية في المرحلة الحالية، حتى إن بعضهم شبّهها، من حيث الأهمية الاستراتيجية، بخط بارليف الذي أقامته إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس بعد حرب عام 1967.

بطبيعة الحال، لا تصح المقارنة من الناحية العسكرية البحتة. فخط بارليف كان منظومة دفاعية متكاملة امتدت على طول قناة السويس، وضمت تحصينات هندسية وسواتر ترابية ومواقع مدفعية ونقاط مراقبة، وأُنشئت لمنع أي عبور مصري نحو سيناء. أما تلة علي الطاهر فهي مرتفع طبيعي يشرف على مساحة واسعة من جنوب لبنان، وتستمد أهميتها من موقعها الجغرافي وقدرتها على توفير أفضلية في الرصد والسيطرة النارية على الطرق والمحاور المحيطة.

ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بينهما يكمن في الوظيفة الاستراتيجية، لا في الشكل الهندسي. فكلا الموقعين يمثل عقدة ميدانية تؤثر بصورة مباشرة في حرية الحركة والسيطرة على مسرح العمليات. وكما كان سقوط خط بارليف عام 1973 نقطة تحول في الحرب العربية –

الإسرائيلية، ينظر كثيرون اليوم إلى أي تغيير في واقع تلة علي الطاهر باعتباره عاملاً مؤثراً في مستقبل التوازنات العسكرية في الجنوب اللبناني.

وتكتسب التلة أهمية استثنائية لأنها تشرف على محاور تربط النبطية ومرتفعات الشقيف ومناطق واسعة تمتد حتى الليطاني، ما يجعلها نقطة مراقبة متقدمة لأي قوة تسيطر عليها. ومن الناحية العملياتية، تمنح السيطرة على المرتفعات دائماً أفضلية في الرصد، وتوجيه النيران، ومراقبة التحركات العسكرية، وهو ما يفسر احتدام الصراع حولها.

كما أن الحديث المتكرر عن وجود بنى عسكرية أو منشآت تحت الأرض في محيط التلة، بصرف النظر عن صحة كل ما يُتداول في هذا الشأن، يعكس إدراكاً عاماً لأهمية الموقع في الحسابات العسكرية. وفي المقابل، لم تصدر معطيات رسمية لبنانية تؤكد تفاصيل هذه الروايات، ما يفرض التعامل معها بحذر، بعيداً من الجزم أو المبالغة.

لكن أهمية علي الطاهر لا تتوقف عند بعدها العسكري. فهي أصبحت أيضاً جزءاً من معادلة التفاوض. ففي الحروب الحديثة، تتحول بعض المواقع إلى أوراق سياسية بقدر ما هي مواقع قتالية، ويصبح الاحتفاظ بها أو الانسحاب منها مرتبطاً بمسار المفاوضات أكثر مما يرتبط بالاعتبارات الميدانية وحدها.

ومن هنا، يمكن فهم سبب تمسك إسرائيل بمواقع مرتفعة في الجنوب خلال المراحل الانتقالية، كما يمكن فهم إصرار لبنان على أن أي انسحاب غير مكتمل يبقي أسباب التوتر قائمة. فالمسألة لا تتعلق فقط بمساحة جغرافية، بل بقدرة كل طرف على التأثير في ميزان الردع وفي شروط أي تسوية مقبلة.

وفي الداخل اللبناني، ينعكس هذا الواقع مباشرة على النقاش حول حصرية السلاح، إذ يرى فريق أن استمرار الاحتلال أو السيطرة على مواقع استراتيجية يمنح مبرراً لاستمرار السلاح خارج إطار الدولة، فيما يعتبر فريق آخر أن استعادة هذه المواقع يجب أن تتم عبر الدولة ومؤسساتها الشرعية ومن خلال مسار تفاوضي مدعوم بضمانات دولية، لا عبر تكريس واقع موازٍ للدولة.

أما إقليمياً، فإن معركة التلال والمرتفعات تعكس تحولاً في طبيعة الصراع. فبعدما كانت الحروب تُحسم بالسيطرة على المدن، باتت تُدار اليوم من خلال التحكم بالعقد الجغرافية التي تؤمن التفوق الاستخباري والقدرة على مراقبة خطوط الإمداد والحركة. ولهذا، تبدو تلة علي الطاهر أكثر من مجرد موقع عسكري؛ إنها جزء من هندسة أمنية يراد لها أن تؤثر في أي ترتيبات مستقبلية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.

لكن، وعلى الرغم من فرضية التشبيه التشبيه، يبقى من الضروري التمييز بين الرمز والواقع. فخط بارليف كان مشروعاً دفاعياً متكاملاً أصبح عنواناً لمرحلة تاريخية وانتهى باقتحامه في حرب نظامية واسعة. أما تلة علي الطاهر، فهي موقع استراتيجي بالغ الأهمية ضمن ساحة عمليات مختلفة، يخضع لحسابات ميدانية وسياسية متغيرة، ولا يمكن اعتباره نسخة مطابقة لذلك الخط.

ومع ذلك، فإن الرسالة التي يحملها هذا التشبيه تبقى واضحة، وهي أنه في الشرق الأوسط، كثيراً ما تختصر تلة واحدة مصير معركة، كما قد تختصر معركة واحدة مستقبل تسوية بأكملها. وربما لهذا السبب، لم تعد تلة علي الطاهر مجرد اسم على الخريطة، بل تحولت إلى عنوان لصراع يتجاوز حدود الجنوب، ليطال مستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في لبنان والمنطقة.

علي الطاهر… أكثر من تلة وأقل من خط بارليف

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
12 آب 2026

من المتعارف عليه أنه في الحروب، ليست كل التلال مجرد مرتفعات جغرافية، وليست كل المواقع العسكرية مجرد نقاط على الخرائط. فهناك أماكن تتحول إلى رموز استراتيجية تختصر معركة بأكملها، وتصبح السيطرة عليها معياراً لتبدل موازين القوى. ومن هذا المنطلق، بدأ كثير من الخبراء العسكريين ينظرون إلى تلة علي الطاهر في جنوب لبنان باعتبارها الموقع الأكثر حساسية في المرحلة الحالية، حتى إن بعضهم شبّهها، من حيث الأهمية الاستراتيجية، بخط بارليف الذي أقامته إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس بعد حرب عام 1967.

بطبيعة الحال، لا تصح المقارنة من الناحية العسكرية البحتة. فخط بارليف كان منظومة دفاعية متكاملة امتدت على طول قناة السويس، وضمت تحصينات هندسية وسواتر ترابية ومواقع مدفعية ونقاط مراقبة، وأُنشئت لمنع أي عبور مصري نحو سيناء. أما تلة علي الطاهر فهي مرتفع طبيعي يشرف على مساحة واسعة من جنوب لبنان، وتستمد أهميتها من موقعها الجغرافي وقدرتها على توفير أفضلية في الرصد والسيطرة النارية على الطرق والمحاور المحيطة.

ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بينهما يكمن في الوظيفة الاستراتيجية، لا في الشكل الهندسي. فكلا الموقعين يمثل عقدة ميدانية تؤثر بصورة مباشرة في حرية الحركة والسيطرة على مسرح العمليات. وكما كان سقوط خط بارليف عام 1973 نقطة تحول في الحرب العربية –

الإسرائيلية، ينظر كثيرون اليوم إلى أي تغيير في واقع تلة علي الطاهر باعتباره عاملاً مؤثراً في مستقبل التوازنات العسكرية في الجنوب اللبناني.

وتكتسب التلة أهمية استثنائية لأنها تشرف على محاور تربط النبطية ومرتفعات الشقيف ومناطق واسعة تمتد حتى الليطاني، ما يجعلها نقطة مراقبة متقدمة لأي قوة تسيطر عليها. ومن الناحية العملياتية، تمنح السيطرة على المرتفعات دائماً أفضلية في الرصد، وتوجيه النيران، ومراقبة التحركات العسكرية، وهو ما يفسر احتدام الصراع حولها.

كما أن الحديث المتكرر عن وجود بنى عسكرية أو منشآت تحت الأرض في محيط التلة، بصرف النظر عن صحة كل ما يُتداول في هذا الشأن، يعكس إدراكاً عاماً لأهمية الموقع في الحسابات العسكرية. وفي المقابل، لم تصدر معطيات رسمية لبنانية تؤكد تفاصيل هذه الروايات، ما يفرض التعامل معها بحذر، بعيداً من الجزم أو المبالغة.

لكن أهمية علي الطاهر لا تتوقف عند بعدها العسكري. فهي أصبحت أيضاً جزءاً من معادلة التفاوض. ففي الحروب الحديثة، تتحول بعض المواقع إلى أوراق سياسية بقدر ما هي مواقع قتالية، ويصبح الاحتفاظ بها أو الانسحاب منها مرتبطاً بمسار المفاوضات أكثر مما يرتبط بالاعتبارات الميدانية وحدها.

ومن هنا، يمكن فهم سبب تمسك إسرائيل بمواقع مرتفعة في الجنوب خلال المراحل الانتقالية، كما يمكن فهم إصرار لبنان على أن أي انسحاب غير مكتمل يبقي أسباب التوتر قائمة. فالمسألة لا تتعلق فقط بمساحة جغرافية، بل بقدرة كل طرف على التأثير في ميزان الردع وفي شروط أي تسوية مقبلة.

وفي الداخل اللبناني، ينعكس هذا الواقع مباشرة على النقاش حول حصرية السلاح، إذ يرى فريق أن استمرار الاحتلال أو السيطرة على مواقع استراتيجية يمنح مبرراً لاستمرار السلاح خارج إطار الدولة، فيما يعتبر فريق آخر أن استعادة هذه المواقع يجب أن تتم عبر الدولة ومؤسساتها الشرعية ومن خلال مسار تفاوضي مدعوم بضمانات دولية، لا عبر تكريس واقع موازٍ للدولة.

أما إقليمياً، فإن معركة التلال والمرتفعات تعكس تحولاً في طبيعة الصراع. فبعدما كانت الحروب تُحسم بالسيطرة على المدن، باتت تُدار اليوم من خلال التحكم بالعقد الجغرافية التي تؤمن التفوق الاستخباري والقدرة على مراقبة خطوط الإمداد والحركة. ولهذا، تبدو تلة علي الطاهر أكثر من مجرد موقع عسكري؛ إنها جزء من هندسة أمنية يراد لها أن تؤثر في أي ترتيبات مستقبلية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.

لكن، وعلى الرغم من فرضية التشبيه التشبيه، يبقى من الضروري التمييز بين الرمز والواقع. فخط بارليف كان مشروعاً دفاعياً متكاملاً أصبح عنواناً لمرحلة تاريخية وانتهى باقتحامه في حرب نظامية واسعة. أما تلة علي الطاهر، فهي موقع استراتيجي بالغ الأهمية ضمن ساحة عمليات مختلفة، يخضع لحسابات ميدانية وسياسية متغيرة، ولا يمكن اعتباره نسخة مطابقة لذلك الخط.

ومع ذلك، فإن الرسالة التي يحملها هذا التشبيه تبقى واضحة، وهي أنه في الشرق الأوسط، كثيراً ما تختصر تلة واحدة مصير معركة، كما قد تختصر معركة واحدة مستقبل تسوية بأكملها. وربما لهذا السبب، لم تعد تلة علي الطاهر مجرد اسم على الخريطة، بل تحولت إلى عنوان لصراع يتجاوز حدود الجنوب، ليطال مستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في لبنان والمنطقة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار