واشنطن: الرهان على اتفاق لإعلان نوايا يحفّز على السلام بين لبنان وإسرائيل

مع انطلاق الجولة الثالثة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في وزارة الخارجية الأميركية أمس الخميس، بدا اليوم الأول اختبارًا لما إذا كان الطرفان قادرَين على الاتفاق على شكل المسار التفاوضي نفسه. افتُتحت الجلسة عند التاسعة صباحًا بتوقيت واشنطن، الرابعة عصرًا بتوقيت بيروت. ترأس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم، إلى جانب سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، والقائم بالأعمال وسام بطرس، والملحق العسكري أوليفر حاكمة، بينما ترأس الوفد الإسرائيلي السفير يخئيل لايتر، ونائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي يوسي درازن، ورئيس الشعبة الاستخباراتية في مديرية التخطيط في الجيش الإسرائيلي أميخاي ليفين. أما عن الجانب الأميركي، فحضر كل من مستشار وزير الخارجية الأميركية مايك نيدهام، والسفيرين الأميركيَّين إلى لبنان ميشال عيسى وإلى إسرائيل مايك هاكابي.
ووفقًا لمصادر أميركية، سعى الوسطاء الأميركيون إلى ردم الفجوة العميقة بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي، والتطلّع إلى إعلان نيات يضع هذه المفاوضات على سكة حامية، تعمل على تذليل المعوقات من خلال لجان تقنية، وصولًا إلى اتفاق سلام نهائي.
وبحسب مصادر دبلوماسية أميركية، عرض أمس للمسار السياسي على نطاق واسع، باعتباره يركّز على المبادئ أكثر من الشروط النهائية. وأشارت المصادر إلى أن التوصّل إلى “اتفاق إعلان نيات”، يوجّه مفاوضات لاحقة في شأن ترسيم الحدود والانسحاب وآليات المراقبة وسبل تنفيذ أي هدنة في المستقبل، سيُعتبر اختراقًا كبيرًا وتعميقًا لفصل المسارات اللبنانية – الإسرائيلية عن الأميركية – الإيرانية.
أما الجلسة الأمنية المقررة اليوم الجمعة، فمن المتوقع أن تتناول الأسئلة التشغيلية الأصعب، بما في ذلك الجهة التي ستشرف على الالتزام بتنفيذ الاتفاق، وربما سيتم التطرق إلى دور لجنة الميكانيزم، وإمكان توسيع صلاحياتها لتصبح أكثر فعالية في مراقبة وقف إطلاق النار.
ورغم أن أهداف المحادثات معروفة، إلا أن خطواتها الفورية تبدو متواضعة، لكنها تحمل في المدى البعيد تداعيات واسعة. وتشير مصادر الخارجية الأميركية إلى أن المسألة لا تتعلق بتمديد وقف إطلاق نار هش، فقط، بل باختبار ما إذا كان لبنان قادرًا على استعادة السيطرة السيادية من “حزب الله”، وما إذا كان في الإمكان إقناع إسرائيل بأن الأمن يمكن أن يتحقق من خلال إطار بين دولتين، لا عبر الإكراه الدائم.
ويصف دبلوماسيون أميركيون النتيجة الأكثر ترجيحًا بأنها بداية إطار لترتيب أكثر شمولًا، تكمن دلالته الحقيقية في أن واشنطن تحاول تحويل هدنة هشة إلى مرحلة افتتاحية لهندسة دبلوماسية أوسع بكثير. من هنا، تشير المصادر إلى أن أفضل سيناريو واقعي ممكن هو خريطة طريق يتمكن من خلالها الطرفان من رسم ما وصفه أحد المصادر بأنه نوع من “الهيكل الأولي” لاتفاق مستقبلي في شأن القضايا المدنية، بالتوازي مع فتح محادثات منفصلة في شأن الترتيبات الأمنية.
وتتابع المصادر أن هذا الفصل ليس شكليًا، بل يعكس التناقض الواقعي في اللحظة الراهنة: لبنان يريد وقفًا لإطلاق النار وانسحابًا إسرائيليًا، لكن الدولة اللبنانية لا تزال تفتقر إلى القدرة، أو كما يعتقد بعض الإسرائيليين، إلى الإرادة، لفرض وقف النار. والتحدي يكمن في “تربيع الدائرة”، أي تلبية المطالب اللبنانية بخفض التصعيد، مع منح إسرائيل الثقة بأن حدودها الشمالية لن تبقى عرضة لهجمات تُشن خارج سيطرة الحكومة اللبنانية.
ولهذا، يبقى “حزب الله” مركز الثقل الذي لا يمكن تفاديه في هذه المفاوضات. وهذا يفسر جزئيًا لماذا تبقى المطالب الأمنية الإسرائيلية متصلبة، حتى مع اتساع الإطار الدبلوماسي.
في المقابل، شددت مصادر لبنانية رسمية على أنها عرضت للواقع اللبناني في إطار مفاهيمي مختلف، لافتة إلى أن الدبلوماسية لا يمكن أن تتقدم إلا إذا تم التعامل معها باعتبارها مسارًا موازيًا للمسار العسكري، وليس تسلسلًا تنافسيًا: أي مسار يتناول المطالب الإسرائيلية المتعلقة بضبط السلاح خارج سلطة الدولة، ومسار آخر يتناول المطالب اللبنانية الخاصة بالانسحاب الإسرائيلي، والإفراج عن الأسرى، وترسيم الحدود، وإعادة الإعمار، وعودة السكان إلى قراهم. ووفق هذه الصياغة، لا يُفترض بالمحادثات أن تختار بين السيادة والأمن، بل أن تُزامن بينهما.
ورغم الصعوبة التي اتسمت بها جولة الخميس، أشارت المصادر إلى أن المقاربات التي عُرضت، اكتسبت أهمية سياسية لتوفيقها بين حقيقتين غالبًا ما يُتعامل معهما باعتبارهما متناقضتين: الأولى أن هناك بالفعل بنية مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة اللبنانية، والثانية أن الضربات الإسرائيلية اليومية هي من المحركات المركزية لعدم الاستقرار. من هنا، يعرض لبنان فكرة “السيطرة العملياتية” التي تتوسع تدريجًا إلى أن تصبح احتكارًا كاملًا للسلاح من قبل الدولة.
غير أن الصورة الاستراتيجية الأوسع تجعل هذا التزامن أصعب بكثير مما يبدو. فالتقديرات الاستخبارية الأميركية والإسرائيلية تشكك في قدرة لبنان على تفكيك قوة “حزب الله” العسكرية في القريب المنظور. كما أن التأطير الأميركي نفسه يوضح أن واشنطن تنظر إلى المحادثات على أنها أكثر من مجرد مناورة لإدارة الحدود. وهذا الموقف يعكس ضغوطًا داخلية واستراتيجية على لبنان وإسرائيل، خصوصًا أنه قد يدفع بـ”حزب الله” إلى التصعيد على الحدود أو إشعال اضطرابات داخلية، أو قد تدفع خطوة إسرائيلية زائدة القادة اللبنانيين إلى الانسحاب من المفاوضات.
واشنطن: الرهان على اتفاق لإعلان نوايا يحفّز على السلام بين لبنان وإسرائيل

مع انطلاق الجولة الثالثة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في وزارة الخارجية الأميركية أمس الخميس، بدا اليوم الأول اختبارًا لما إذا كان الطرفان قادرَين على الاتفاق على شكل المسار التفاوضي نفسه. افتُتحت الجلسة عند التاسعة صباحًا بتوقيت واشنطن، الرابعة عصرًا بتوقيت بيروت. ترأس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم، إلى جانب سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، والقائم بالأعمال وسام بطرس، والملحق العسكري أوليفر حاكمة، بينما ترأس الوفد الإسرائيلي السفير يخئيل لايتر، ونائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي يوسي درازن، ورئيس الشعبة الاستخباراتية في مديرية التخطيط في الجيش الإسرائيلي أميخاي ليفين. أما عن الجانب الأميركي، فحضر كل من مستشار وزير الخارجية الأميركية مايك نيدهام، والسفيرين الأميركيَّين إلى لبنان ميشال عيسى وإلى إسرائيل مايك هاكابي.
ووفقًا لمصادر أميركية، سعى الوسطاء الأميركيون إلى ردم الفجوة العميقة بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي، والتطلّع إلى إعلان نيات يضع هذه المفاوضات على سكة حامية، تعمل على تذليل المعوقات من خلال لجان تقنية، وصولًا إلى اتفاق سلام نهائي.
وبحسب مصادر دبلوماسية أميركية، عرض أمس للمسار السياسي على نطاق واسع، باعتباره يركّز على المبادئ أكثر من الشروط النهائية. وأشارت المصادر إلى أن التوصّل إلى “اتفاق إعلان نيات”، يوجّه مفاوضات لاحقة في شأن ترسيم الحدود والانسحاب وآليات المراقبة وسبل تنفيذ أي هدنة في المستقبل، سيُعتبر اختراقًا كبيرًا وتعميقًا لفصل المسارات اللبنانية – الإسرائيلية عن الأميركية – الإيرانية.
أما الجلسة الأمنية المقررة اليوم الجمعة، فمن المتوقع أن تتناول الأسئلة التشغيلية الأصعب، بما في ذلك الجهة التي ستشرف على الالتزام بتنفيذ الاتفاق، وربما سيتم التطرق إلى دور لجنة الميكانيزم، وإمكان توسيع صلاحياتها لتصبح أكثر فعالية في مراقبة وقف إطلاق النار.
ورغم أن أهداف المحادثات معروفة، إلا أن خطواتها الفورية تبدو متواضعة، لكنها تحمل في المدى البعيد تداعيات واسعة. وتشير مصادر الخارجية الأميركية إلى أن المسألة لا تتعلق بتمديد وقف إطلاق نار هش، فقط، بل باختبار ما إذا كان لبنان قادرًا على استعادة السيطرة السيادية من “حزب الله”، وما إذا كان في الإمكان إقناع إسرائيل بأن الأمن يمكن أن يتحقق من خلال إطار بين دولتين، لا عبر الإكراه الدائم.
ويصف دبلوماسيون أميركيون النتيجة الأكثر ترجيحًا بأنها بداية إطار لترتيب أكثر شمولًا، تكمن دلالته الحقيقية في أن واشنطن تحاول تحويل هدنة هشة إلى مرحلة افتتاحية لهندسة دبلوماسية أوسع بكثير. من هنا، تشير المصادر إلى أن أفضل سيناريو واقعي ممكن هو خريطة طريق يتمكن من خلالها الطرفان من رسم ما وصفه أحد المصادر بأنه نوع من “الهيكل الأولي” لاتفاق مستقبلي في شأن القضايا المدنية، بالتوازي مع فتح محادثات منفصلة في شأن الترتيبات الأمنية.
وتتابع المصادر أن هذا الفصل ليس شكليًا، بل يعكس التناقض الواقعي في اللحظة الراهنة: لبنان يريد وقفًا لإطلاق النار وانسحابًا إسرائيليًا، لكن الدولة اللبنانية لا تزال تفتقر إلى القدرة، أو كما يعتقد بعض الإسرائيليين، إلى الإرادة، لفرض وقف النار. والتحدي يكمن في “تربيع الدائرة”، أي تلبية المطالب اللبنانية بخفض التصعيد، مع منح إسرائيل الثقة بأن حدودها الشمالية لن تبقى عرضة لهجمات تُشن خارج سيطرة الحكومة اللبنانية.
ولهذا، يبقى “حزب الله” مركز الثقل الذي لا يمكن تفاديه في هذه المفاوضات. وهذا يفسر جزئيًا لماذا تبقى المطالب الأمنية الإسرائيلية متصلبة، حتى مع اتساع الإطار الدبلوماسي.
في المقابل، شددت مصادر لبنانية رسمية على أنها عرضت للواقع اللبناني في إطار مفاهيمي مختلف، لافتة إلى أن الدبلوماسية لا يمكن أن تتقدم إلا إذا تم التعامل معها باعتبارها مسارًا موازيًا للمسار العسكري، وليس تسلسلًا تنافسيًا: أي مسار يتناول المطالب الإسرائيلية المتعلقة بضبط السلاح خارج سلطة الدولة، ومسار آخر يتناول المطالب اللبنانية الخاصة بالانسحاب الإسرائيلي، والإفراج عن الأسرى، وترسيم الحدود، وإعادة الإعمار، وعودة السكان إلى قراهم. ووفق هذه الصياغة، لا يُفترض بالمحادثات أن تختار بين السيادة والأمن، بل أن تُزامن بينهما.
ورغم الصعوبة التي اتسمت بها جولة الخميس، أشارت المصادر إلى أن المقاربات التي عُرضت، اكتسبت أهمية سياسية لتوفيقها بين حقيقتين غالبًا ما يُتعامل معهما باعتبارهما متناقضتين: الأولى أن هناك بالفعل بنية مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة اللبنانية، والثانية أن الضربات الإسرائيلية اليومية هي من المحركات المركزية لعدم الاستقرار. من هنا، يعرض لبنان فكرة “السيطرة العملياتية” التي تتوسع تدريجًا إلى أن تصبح احتكارًا كاملًا للسلاح من قبل الدولة.
غير أن الصورة الاستراتيجية الأوسع تجعل هذا التزامن أصعب بكثير مما يبدو. فالتقديرات الاستخبارية الأميركية والإسرائيلية تشكك في قدرة لبنان على تفكيك قوة “حزب الله” العسكرية في القريب المنظور. كما أن التأطير الأميركي نفسه يوضح أن واشنطن تنظر إلى المحادثات على أنها أكثر من مجرد مناورة لإدارة الحدود. وهذا الموقف يعكس ضغوطًا داخلية واستراتيجية على لبنان وإسرائيل، خصوصًا أنه قد يدفع بـ”حزب الله” إلى التصعيد على الحدود أو إشعال اضطرابات داخلية، أو قد تدفع خطوة إسرائيلية زائدة القادة اللبنانيين إلى الانسحاب من المفاوضات.








