هل تنقذ الـ 200 مليون دولار الإيرانية “الحزب”؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
11 تشرين الأول 2026

قد تمنح الـ 200 مليون دولار المنسوبة إلى إيران “حزب الله” جرعة مالية يحتاج إليها بشدة في هذه المرحلة، لكنها لا تكفي وحدها لإنقاذه من أزمته الأعمق. فالمشكلة التي يواجهها الحزب اليوم لا تتعلق فقط بقدرته على تأمين الأموال، بل أيضاً بكيفية استعادة ثقة بيئته المتضررة، وإعادة ترميم ما أصاب بنيته العسكرية والتنظيمية، والتعامل مع الضغوطات السياسية والمالية التي تتزايد في الداخل والخارج.

فبحسب ما تردّد من معلومات فإن إيران قد نقلت إلى الحزب مبلغاً قدره 200 مليون دولار خلال أيلول الماضي، على أن يُستخدم جزء أساسي منه لمساعدة عائلات نزحت أو تضررت من الحرب، على أن تعمد الوحدات المالية في “حارة حريك “على  تنفيذ خطة لتقديم دفعة أولية بقيمة ثلاثة آلاف دولار لنحو خمسين ألف عائلة، أي ما مجموعه 150 مليون دولار، فيما أشارت المعلومات إلى أن الوسطاء الذين تولوا نقل الأموال تقاضوا عمولات مرتفعة بلغت، وفق أحد المصادر، 20 في المئة. غير أن الرواية الأميركية شككت في حصول التحويل أساساً، إذ نفت وزارة الخارجية الأميركية وجود هذه الأموال، واتهمت الحزب بمحاولة إظهار قدرته على تجاوز أزمته المالية. وفي المقابل، أكد مسؤول في الحزب توافر مبلغ مالي من دون أن يوضح مصدره أو قيمته.

وبين النفي الأميركي والتأكيدات المنقولة عن مصادر قريبة من الحزب، يبقى من الضروري التعامل مع الرقم بوصفه معلومة أوردتها تقارير صحافية ولم تُحسم كل تفاصيلها بصورة مستقلة. لكن، سواء تأكد المبلغ بكامله أم ظهرت لاحقاً أرقام مختلفة، فإن مجرد طرحه بهذا الحجم يعكس أهمية المال في معركة الحزب على أكثر من جبهة.

أول الاختبارات هو اجتماعي. فالعائلات التي خسرت منازلها ومصادر رزقها لا تستطيع الانتظار طويلاً أمام وعود غير محددة، ولا يمكنها أن تستعيد استقرارها بالشعارات. وقد شكّلت المساعدات المالية التي قدمها الحزب بعد حرب عام 2006 جزءاً من قدرته على الحفاظ على صلاته ببيئته، إذ اقترنت آنذاك بالتعويضات والتحرك لإعادة الإعمار. أما اليوم، فتبدو المهمة أكثر تعقيداً في ظل اتساع حجم الدمار، وتراكم الخسائر، وارتفاع كلفة إعادة البناء، التي تقدّر بأكثر من 27 مليار دولار.

ومن هنا، فإن مبلغاً كهذا، أي 200 مليون دولار، قد يتيح للحزب إطلاق دفعة مساعدات أولية، وتخفيف جزء من الاحتقان لدى المتضررين، وإظهار أنه لم يتخلَّ عن عائلاته. لكنه لا يستطيع أن يعوّض وحده خسارة المنازل والأعمال، ولا أن يضمن عودة السكان إلى قرى لا تزال مدمرة أو يتعذر الوصول إليها. فالمساعدة النقدية قد تشتري وقتاً، لكنها لا تصنع إعادة إعمار مستدامة ما لم تتوافر الموارد والخطط والظروف الأمنية اللازمة.

أما الاختبار الثاني، فيتصل بالقدرة التنظيمية والمالية للحزب. فالأموال التي تُستخدم في التعويضات والإغاثة ليست بالضرورة أموالاً مخصصة للإنفاق العسكري، ولا يجوز افتراض أن كامل المبلغ سيذهب إلى هذا الغرض. لكن ضخ سيولة جديدة، إذا ثبت حصوله، يمنح الحزب هامشاً أوسع لتوزيع موارده بين المساعدات الاجتماعية والتزاماته التنظيمية الأخرى، في وقت يواجه فيه تضييقاً أميركياً على شبكات التمويل والتحويلات. وكانت واشنطن قد أعلنت في آب الماضي إجراءات جديدة استهدفت شبكات وأفراداً اتهمتهم بتسهيل التمويل المرتبط بالحزب.

ولا تتوقف المسألة عند حجم الأموال، بل عند القدرة على تكرار تدفقها. فإذا كان المبلغ استثنائياً، فقد يتيح معالجة جزء من الاحتياجات الآنية، لكنه لا يضمن استمرار التمويل في الأشهر المقبلة. أما إذا كان هذا الأمر جزءاً من مسار دعم متجدد، فإن دلالته تتجاوز المساعدة المباشرة إلى قدرة طهران على إبقاء قنواتها المالية مفتوحة على رغم العقوبات والضغوطات. وهذا تحديداً ما يجعل القضية موضع اهتمام يتجاوز حدود لبنان إلى المواجهة الأوسع بين واشنطن وطهران.

لكن المال، مهما بلغ حجمه، لا يبدد الأسئلة السياسية التي فرضتها الحرب. فهل يستطيع الحزب تحويل المساعدة إلى عامل استعادة للثقة، فيما لا تزال عائلات كثيرة تنتظر التعويض والإيواء؟ وهل تكفي الأموال لترميم علاقاته الداخلية، في ظل النقاش المتصاعد حول كلفة الحرب وقرار الانخراط فيها؟ ثم هل يؤدي الدعم الإيراني إلى تخفيف الضغوط عنه، أم أنه يعمّق في المقابل الاعتراض على ارتباط مصير لبنان بحسابات إقليمية تتجاوز قدرته على التحكم بها؟

هنا تكمن المفارقة، خصوصًا إذا سلّمنا جدلًا أن بيئة الحزب تحتاج إلى هذه الأموال بصورة عاجلة، لكن وصولها من إيران وبطريقة غامضة وملتبسة يعيد فتح هلالين عن العلاقة بين المساعدة الاجتماعية والقرار السياسي. فالمتضرر يريد سقفاً يأويه وتعويضاً يساعده على استعادة حياته، فيما تنظر واشنطن إلى أي تمويل محتمل باعتباره جزءاً من معركة أوسع لتجفيف مصادر قوة الحزب. وبين هذين المنظورين، يبقى المواطن اللبناني في قلب أزمة لا تُحل بمجرد تحويل مالي، مهما كان حجمه.

قد تنقذ الـ 200 مليون دولار الإيرانية “حزب الله” من ضائقة مالية آنية، وتمنحه فرصة لالتقاط الأنفاس واحتواء بعض التداعيات الاجتماعية للحرب. لكنها لا تعيد تلقائياً بناء ما تهدّم، ولا تحسم مستقبله السياسي، ولا تجيب عن الأسئلة المتعلقة بالسلاح ودور الدولة وقرار الحرب والسلم.

فالمال قد يخفف من وطأة أزمة “حزب الله”، لكنه لا يستطيع وحده أن يغيّر الوقائع التي صنعتها الحرب. والاختبار الحقيقي لن يكون في الإعلان عن المبلغ، بل في كيفية استخدامه، وفي ما إذا كان سيصل فعلاً إلى العائلات المتضررة، وفي قدرة الحزب على تقديم إجابات تتجاوز المساعدات المؤقتة إلى مستقبل أكثر استقراراً للبنان.

هل تنقذ الـ 200 مليون دولار الإيرانية “الحزب”؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
11 تشرين الأول 2026

قد تمنح الـ 200 مليون دولار المنسوبة إلى إيران “حزب الله” جرعة مالية يحتاج إليها بشدة في هذه المرحلة، لكنها لا تكفي وحدها لإنقاذه من أزمته الأعمق. فالمشكلة التي يواجهها الحزب اليوم لا تتعلق فقط بقدرته على تأمين الأموال، بل أيضاً بكيفية استعادة ثقة بيئته المتضررة، وإعادة ترميم ما أصاب بنيته العسكرية والتنظيمية، والتعامل مع الضغوطات السياسية والمالية التي تتزايد في الداخل والخارج.

فبحسب ما تردّد من معلومات فإن إيران قد نقلت إلى الحزب مبلغاً قدره 200 مليون دولار خلال أيلول الماضي، على أن يُستخدم جزء أساسي منه لمساعدة عائلات نزحت أو تضررت من الحرب، على أن تعمد الوحدات المالية في “حارة حريك “على  تنفيذ خطة لتقديم دفعة أولية بقيمة ثلاثة آلاف دولار لنحو خمسين ألف عائلة، أي ما مجموعه 150 مليون دولار، فيما أشارت المعلومات إلى أن الوسطاء الذين تولوا نقل الأموال تقاضوا عمولات مرتفعة بلغت، وفق أحد المصادر، 20 في المئة. غير أن الرواية الأميركية شككت في حصول التحويل أساساً، إذ نفت وزارة الخارجية الأميركية وجود هذه الأموال، واتهمت الحزب بمحاولة إظهار قدرته على تجاوز أزمته المالية. وفي المقابل، أكد مسؤول في الحزب توافر مبلغ مالي من دون أن يوضح مصدره أو قيمته.

وبين النفي الأميركي والتأكيدات المنقولة عن مصادر قريبة من الحزب، يبقى من الضروري التعامل مع الرقم بوصفه معلومة أوردتها تقارير صحافية ولم تُحسم كل تفاصيلها بصورة مستقلة. لكن، سواء تأكد المبلغ بكامله أم ظهرت لاحقاً أرقام مختلفة، فإن مجرد طرحه بهذا الحجم يعكس أهمية المال في معركة الحزب على أكثر من جبهة.

أول الاختبارات هو اجتماعي. فالعائلات التي خسرت منازلها ومصادر رزقها لا تستطيع الانتظار طويلاً أمام وعود غير محددة، ولا يمكنها أن تستعيد استقرارها بالشعارات. وقد شكّلت المساعدات المالية التي قدمها الحزب بعد حرب عام 2006 جزءاً من قدرته على الحفاظ على صلاته ببيئته، إذ اقترنت آنذاك بالتعويضات والتحرك لإعادة الإعمار. أما اليوم، فتبدو المهمة أكثر تعقيداً في ظل اتساع حجم الدمار، وتراكم الخسائر، وارتفاع كلفة إعادة البناء، التي تقدّر بأكثر من 27 مليار دولار.

ومن هنا، فإن مبلغاً كهذا، أي 200 مليون دولار، قد يتيح للحزب إطلاق دفعة مساعدات أولية، وتخفيف جزء من الاحتقان لدى المتضررين، وإظهار أنه لم يتخلَّ عن عائلاته. لكنه لا يستطيع أن يعوّض وحده خسارة المنازل والأعمال، ولا أن يضمن عودة السكان إلى قرى لا تزال مدمرة أو يتعذر الوصول إليها. فالمساعدة النقدية قد تشتري وقتاً، لكنها لا تصنع إعادة إعمار مستدامة ما لم تتوافر الموارد والخطط والظروف الأمنية اللازمة.

أما الاختبار الثاني، فيتصل بالقدرة التنظيمية والمالية للحزب. فالأموال التي تُستخدم في التعويضات والإغاثة ليست بالضرورة أموالاً مخصصة للإنفاق العسكري، ولا يجوز افتراض أن كامل المبلغ سيذهب إلى هذا الغرض. لكن ضخ سيولة جديدة، إذا ثبت حصوله، يمنح الحزب هامشاً أوسع لتوزيع موارده بين المساعدات الاجتماعية والتزاماته التنظيمية الأخرى، في وقت يواجه فيه تضييقاً أميركياً على شبكات التمويل والتحويلات. وكانت واشنطن قد أعلنت في آب الماضي إجراءات جديدة استهدفت شبكات وأفراداً اتهمتهم بتسهيل التمويل المرتبط بالحزب.

ولا تتوقف المسألة عند حجم الأموال، بل عند القدرة على تكرار تدفقها. فإذا كان المبلغ استثنائياً، فقد يتيح معالجة جزء من الاحتياجات الآنية، لكنه لا يضمن استمرار التمويل في الأشهر المقبلة. أما إذا كان هذا الأمر جزءاً من مسار دعم متجدد، فإن دلالته تتجاوز المساعدة المباشرة إلى قدرة طهران على إبقاء قنواتها المالية مفتوحة على رغم العقوبات والضغوطات. وهذا تحديداً ما يجعل القضية موضع اهتمام يتجاوز حدود لبنان إلى المواجهة الأوسع بين واشنطن وطهران.

لكن المال، مهما بلغ حجمه، لا يبدد الأسئلة السياسية التي فرضتها الحرب. فهل يستطيع الحزب تحويل المساعدة إلى عامل استعادة للثقة، فيما لا تزال عائلات كثيرة تنتظر التعويض والإيواء؟ وهل تكفي الأموال لترميم علاقاته الداخلية، في ظل النقاش المتصاعد حول كلفة الحرب وقرار الانخراط فيها؟ ثم هل يؤدي الدعم الإيراني إلى تخفيف الضغوط عنه، أم أنه يعمّق في المقابل الاعتراض على ارتباط مصير لبنان بحسابات إقليمية تتجاوز قدرته على التحكم بها؟

هنا تكمن المفارقة، خصوصًا إذا سلّمنا جدلًا أن بيئة الحزب تحتاج إلى هذه الأموال بصورة عاجلة، لكن وصولها من إيران وبطريقة غامضة وملتبسة يعيد فتح هلالين عن العلاقة بين المساعدة الاجتماعية والقرار السياسي. فالمتضرر يريد سقفاً يأويه وتعويضاً يساعده على استعادة حياته، فيما تنظر واشنطن إلى أي تمويل محتمل باعتباره جزءاً من معركة أوسع لتجفيف مصادر قوة الحزب. وبين هذين المنظورين، يبقى المواطن اللبناني في قلب أزمة لا تُحل بمجرد تحويل مالي، مهما كان حجمه.

قد تنقذ الـ 200 مليون دولار الإيرانية “حزب الله” من ضائقة مالية آنية، وتمنحه فرصة لالتقاط الأنفاس واحتواء بعض التداعيات الاجتماعية للحرب. لكنها لا تعيد تلقائياً بناء ما تهدّم، ولا تحسم مستقبله السياسي، ولا تجيب عن الأسئلة المتعلقة بالسلاح ودور الدولة وقرار الحرب والسلم.

فالمال قد يخفف من وطأة أزمة “حزب الله”، لكنه لا يستطيع وحده أن يغيّر الوقائع التي صنعتها الحرب. والاختبار الحقيقي لن يكون في الإعلان عن المبلغ، بل في كيفية استخدامه، وفي ما إذا كان سيصل فعلاً إلى العائلات المتضررة، وفي قدرة الحزب على تقديم إجابات تتجاوز المساعدات المؤقتة إلى مستقبل أكثر استقراراً للبنان.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار