“الصدفة” التي كشفت “7 أيار” جديدًا

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
1 آب 2026

تطرح مداهمة شقة رأس النبع وما تكشّف عنها من مضبوطات تساؤلات لا تنتهي. لكنها تكشف قبل أي شيء آخر عن مفارقة شديدة الخطورة. ذلك أن أخطر ما جرى العثور عليه في قلب العاصمة لم يكن نتيجة عمل أمني استباقي، بل كشف عنه بـ”الصدفة”!

هذه “الصدفة” تشكل تحديًا أخطر من المضبوطات نفسها لقرار مجلس الوزراء بجعل بيروت منزوعة السلاح وتضعه أمام اختبار جدي. من أنواع الأسلحة، إلى شرائح الهواتف والأجهزة الالكترونية، مرورًا بالخرائط التفصيلية للحي، وصولا إلى تسجيلات كاميرات المراقبة، تتجمع العناصر لتوحي بوجود بنية عملانية متكاملة، تندرج ضمن عملية انقلاب عسكري قيد الإعداد، تنتظر فقط “ساعة الصفر” لوضع الخطط موضع التنفيذ.

وتزداد خطورة المشهد مع ما أظهرته التسريبات من اعتراف صاحب الشقة في التحقيقات الرسمية بانتمائه التنظيمي لـ”حزب الله”، علمًا أنه كان معروفًا في المنطقة بمجاهرته بهذا الانتماء. فإذا كان الرجل جزءًا من تنظيم هرمي، فمن هو المسؤول المباشر عنه؟ وهل يندرج ضمن مجموعات موزعة على الأحياء تخضع لسلسلة قيادة وإدارة؟

وهل سيقتصر التحقيق على شخص واحد؟ أم يتوسع ليطال من يرتبط بهم تنظيميًا؟ والأهم، هل ستتوجه الدولة إلى “الحزب” بسؤال بديهي: “ما هذا”؟ المثير للاستغراب أن “الحزب” لم يصدر عنه حتى اللحظة أي تعليق رسمي، رغم خطورة القضية وحساسيتها، ورغم السيولة الهائلة في مواقفه وخطبه وتسريباته و”معلقات” القدح والذم التي لا تتوقف بحق السلطة السياسية.

في المقابل، تمنح المضبوطات، ولا سيما الخرائط والتسجيلات، مصداقية للمعلومات التي راجت غداة توريط “الحزب” للبنان في حرب الثأر لخامنئي، حول نقل بنيته الأمنية وفرض هيمنته على شوارع وأحياء بيروت، ونشر “فرسان” الدراجات النارية في نقاط حساسة بطريقة منظمة. كما تعزز الشبهات حول التحضير لعمل عسكري يرقى إلى “7 أيار” محدثة لفرض أمر واقع، خصوصًا أن الشقة المضبوطة لا تبعد عن السراي الحكومي سوى كيلومترات معدودة.

بيد أن المفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا “الصيد الثمين” تحقق بـ”الصدفة”. وبالتالي السؤال الذي يفرض نفسه: كم “صدفة” تحتاج العاصمة قبل أن يتحول قرار “بيروت منزوعة السلاح” من عنوان سياسي إلى خطة تنفيذية؟ وإذا كانت شقة واحدة فقط كشفت كل هذا المشهد المفزع، هل يمتلك أحد جوابًا عن حجم ما لم يصر إلى كشفه بعد في محيط مؤسسات الدولة الحساسة؟

هذه الواقعة تكشف قصورًا سياسيًا في متابعة تنفيذ قرار “بيروت منزوعة السلاح”، بما يتناسب مع دقته وأهميته، وتحوله إلى مادة للاستثمار السياسي وتجميل صورة الدولة خارجيًا، أكثر منه برنامجًا تنفيذيًا يخضع للتقييم والمحاسبة.

أما على المستوى الأمني، فالتقصير يبدو أشد وأفدح. فهذه الوسائل الانقلابية لم تجمع بين عشية وضحاها، وبالتالي أين كانت أعين الأجهزة الأمنية؟ وكيف تنشغل بعض المؤسسات بتسريب معلومات عن أمراء تنظيمات ومخططات إرهابية، فيما تترك التحضير لاحتلال العاصمة من دون رصد ومتابعة؟ أم ترى أن هوية الفاعلين هي “الفيصل” في تحديد مستوى الاستنفار الوقائي؟

كذلك، لا يمكن فصل حادثة رأس النبع عن الإشكال الذي وقع في عائشة بكار قبل أسابيع، حين كشفت “الصدفة” أيضًا عن تخزين “الجماعة الإسلامية” لأسلحة بطريقة مثيرة للشبهة، خصوصًا في ظل تحالفها مع “الحزب”. والأخطر منها كان أسلوب مقاربة القضية من قبل السلطات والمؤسسات المعنية، والضغوط التي مارستها بعض الأطراف السياسية لإنهاء المسألة وديًا، وكأنها إشكال عادي، من دون الاهتمام بمخزون السلاح ووظيفته.

إن خطورة هذه الحوادث لا تقتصر على ما يكتشف، بل على ما تنتجه من آثار سياسية واجتماعية، من تعزيز الهجرة الداخلية، إلى تشجيع التسلح الذاتي، فضلا عن منح المزيد من المصداقية للتقارير الخارجية التي تعتبر العاصمة ساقطة أمنيًا تحت قبضة “الحزب”.

وعليه، إن تكديس الأسلحة والخرائط وأدوات التنصت في عمق الأحياء السكنية لا يوحي إلا بهدفين متداخلين: توظيف هذا المخزون للضغط السياسي على صناع القرار، واستخدامه لتنفيذ انقلاب عسكري يفرض أمرًا واقعًا عندما تحين “ساعة الصفر”.

“الصدفة” التي كشفت “7 أيار” جديدًا

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
1 آب 2026

تطرح مداهمة شقة رأس النبع وما تكشّف عنها من مضبوطات تساؤلات لا تنتهي. لكنها تكشف قبل أي شيء آخر عن مفارقة شديدة الخطورة. ذلك أن أخطر ما جرى العثور عليه في قلب العاصمة لم يكن نتيجة عمل أمني استباقي، بل كشف عنه بـ”الصدفة”!

هذه “الصدفة” تشكل تحديًا أخطر من المضبوطات نفسها لقرار مجلس الوزراء بجعل بيروت منزوعة السلاح وتضعه أمام اختبار جدي. من أنواع الأسلحة، إلى شرائح الهواتف والأجهزة الالكترونية، مرورًا بالخرائط التفصيلية للحي، وصولا إلى تسجيلات كاميرات المراقبة، تتجمع العناصر لتوحي بوجود بنية عملانية متكاملة، تندرج ضمن عملية انقلاب عسكري قيد الإعداد، تنتظر فقط “ساعة الصفر” لوضع الخطط موضع التنفيذ.

وتزداد خطورة المشهد مع ما أظهرته التسريبات من اعتراف صاحب الشقة في التحقيقات الرسمية بانتمائه التنظيمي لـ”حزب الله”، علمًا أنه كان معروفًا في المنطقة بمجاهرته بهذا الانتماء. فإذا كان الرجل جزءًا من تنظيم هرمي، فمن هو المسؤول المباشر عنه؟ وهل يندرج ضمن مجموعات موزعة على الأحياء تخضع لسلسلة قيادة وإدارة؟

وهل سيقتصر التحقيق على شخص واحد؟ أم يتوسع ليطال من يرتبط بهم تنظيميًا؟ والأهم، هل ستتوجه الدولة إلى “الحزب” بسؤال بديهي: “ما هذا”؟ المثير للاستغراب أن “الحزب” لم يصدر عنه حتى اللحظة أي تعليق رسمي، رغم خطورة القضية وحساسيتها، ورغم السيولة الهائلة في مواقفه وخطبه وتسريباته و”معلقات” القدح والذم التي لا تتوقف بحق السلطة السياسية.

في المقابل، تمنح المضبوطات، ولا سيما الخرائط والتسجيلات، مصداقية للمعلومات التي راجت غداة توريط “الحزب” للبنان في حرب الثأر لخامنئي، حول نقل بنيته الأمنية وفرض هيمنته على شوارع وأحياء بيروت، ونشر “فرسان” الدراجات النارية في نقاط حساسة بطريقة منظمة. كما تعزز الشبهات حول التحضير لعمل عسكري يرقى إلى “7 أيار” محدثة لفرض أمر واقع، خصوصًا أن الشقة المضبوطة لا تبعد عن السراي الحكومي سوى كيلومترات معدودة.

بيد أن المفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا “الصيد الثمين” تحقق بـ”الصدفة”. وبالتالي السؤال الذي يفرض نفسه: كم “صدفة” تحتاج العاصمة قبل أن يتحول قرار “بيروت منزوعة السلاح” من عنوان سياسي إلى خطة تنفيذية؟ وإذا كانت شقة واحدة فقط كشفت كل هذا المشهد المفزع، هل يمتلك أحد جوابًا عن حجم ما لم يصر إلى كشفه بعد في محيط مؤسسات الدولة الحساسة؟

هذه الواقعة تكشف قصورًا سياسيًا في متابعة تنفيذ قرار “بيروت منزوعة السلاح”، بما يتناسب مع دقته وأهميته، وتحوله إلى مادة للاستثمار السياسي وتجميل صورة الدولة خارجيًا، أكثر منه برنامجًا تنفيذيًا يخضع للتقييم والمحاسبة.

أما على المستوى الأمني، فالتقصير يبدو أشد وأفدح. فهذه الوسائل الانقلابية لم تجمع بين عشية وضحاها، وبالتالي أين كانت أعين الأجهزة الأمنية؟ وكيف تنشغل بعض المؤسسات بتسريب معلومات عن أمراء تنظيمات ومخططات إرهابية، فيما تترك التحضير لاحتلال العاصمة من دون رصد ومتابعة؟ أم ترى أن هوية الفاعلين هي “الفيصل” في تحديد مستوى الاستنفار الوقائي؟

كذلك، لا يمكن فصل حادثة رأس النبع عن الإشكال الذي وقع في عائشة بكار قبل أسابيع، حين كشفت “الصدفة” أيضًا عن تخزين “الجماعة الإسلامية” لأسلحة بطريقة مثيرة للشبهة، خصوصًا في ظل تحالفها مع “الحزب”. والأخطر منها كان أسلوب مقاربة القضية من قبل السلطات والمؤسسات المعنية، والضغوط التي مارستها بعض الأطراف السياسية لإنهاء المسألة وديًا، وكأنها إشكال عادي، من دون الاهتمام بمخزون السلاح ووظيفته.

إن خطورة هذه الحوادث لا تقتصر على ما يكتشف، بل على ما تنتجه من آثار سياسية واجتماعية، من تعزيز الهجرة الداخلية، إلى تشجيع التسلح الذاتي، فضلا عن منح المزيد من المصداقية للتقارير الخارجية التي تعتبر العاصمة ساقطة أمنيًا تحت قبضة “الحزب”.

وعليه، إن تكديس الأسلحة والخرائط وأدوات التنصت في عمق الأحياء السكنية لا يوحي إلا بهدفين متداخلين: توظيف هذا المخزون للضغط السياسي على صناع القرار، واستخدامه لتنفيذ انقلاب عسكري يفرض أمرًا واقعًا عندما تحين “ساعة الصفر”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار