العقوبات الأميركية تهزّ التوازنات داخل الدولة اللبنانية

الكاتب: ناديا الحلاق | المصدر: هنا لبنان
23 أيار 2026

العقوبات على نواب الحزب ليست جديدةً، لكنّ اللّافت هذه المرّة هو اقترابها من الدائرة الأمنية الأقرب إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا سيما عبر استهداف شخصيّات تُعدّ من أبرز المسؤولين الأمنيين داخل الحركة، وخصوصاً في الجنوب.

في تطوّرٍ يُعدّ من الأكثر حساسيةً منذ سنوات في مسار العقوبات الأميركية المرتبطة بلبنان، وسّعت واشنطن دائرة إجراءاتها المالية لتطال للمرة الأولى ضباطاً ومسؤولين ضمن أجهزة أمنية وعسكرية رسمية، إلى جانب شخصيات سياسية مرتبطة بـ”حزب الله” و”حركة أمل”، إضافةً إلى السفير الإيراني في بيروت. خطوة تعكس تحوّلاً واضحاً في المقاربة الأميركية تجاه النفوذ السياسي والأمني للحزب داخل مؤسّسات الدولة اللبنانية، وتفتح الباب أمام تساؤلاتٍ واسعةٍ حول تداعياتها السياسية والاقتصادية والمالية، في وقتٍ يعاني فيه لبنان أصلاً من واحدة من أعمق أزماته البنيوية.

وبين المخاوف من اهتزازٍ إضافيٍّ في الثقة المالية، والتداعيات المحتملة على العلاقات المصرفيّة والتحويلات والاستثمارات، تتزايد المؤشرات إلى دخول لبنان مرحلةً أكثر تعقيداً على مستوى علاقته بالولايات المتحدة والمؤسّسات الدولية، وسط تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على بُنية السلطة وموازين القوى الداخلية.

وفي هذا الإطار، أكّد المنسّق العام الوطني للتحالف اللبناني للحوكمة الرشيدة، مارون الخولي، لـ”هنا لبنان”، أنّ أي عقوبات دولية جديدة، ولا سيما إذا طالت شخصيّات لبنانية مرتبطة بمؤسّسات رسمية أو أمنية، قد تنعكس بصورة غير مباشرة على مُناخ الثقة في الاقتصاد اللبناني، نظراً إلى تأثّر الأسواق المالية بمستوى المخاطر والاستقرار القانوني والرقابي.

وأوضح الخولي أنّ المستثمرين المحليّين والأجانب يعتمدون في قراراتهم على الاستقرار المؤسّسي والشفافية المالية، ما قد يدفع بعض الجهات إلى اعتماد سياسات أكثر حذراً في التعاملات والاستثمارات إلى حين اتّضاح الإطار القانوني للعقوبات. وشدد في الوقت نفسه على أنّ حجم التأثير يبقى مرتبطاً بطبيعة هذه العقوبات ونطاقها ومدى ارتباطها بالنظام المالي اللبناني.

وعن العلاقات المالية الخارجية، شدّد الخولي على ضرورة التمييز بين استهداف أفراد محددين وبين استهداف مؤسسات الدولة اللبنانية، موضحاً أن العقوبات الفردية لا تعني تلقائيّاً فرض قيود على المؤسسات الرسمية. لكنّه أشار إلى أن المؤسّسات والأسواق المالية الدولية تتعامل بحساسيّة مرتفعة مع ملفّات الامتثال والمخاطر القانونية، الأمر الذي قد ينعكس تشدّداً إضافيّاً في التدقيق في التحويلات والعلاقات المصرفية الخارجية، في ظلّ أزمة اقتصادية لا يحتمل معها لبنان أي ضغوط إضافية تمسّ الثقة المالية أو تُعرقل استعادة علاقاته الطبيعية مع الخارج.

وأشار الخولي إلى أنّ تحويلات المُغتربين اللبنانيين تُشكل ركيزةً أساسيةً للصمود الاقتصادي والاجتماعي، وهي ترتبط مباشرةً بالنظام المالي العالمي وقواعد الامتثال الدولية. لذلك، فإنّ أي توسّع في العقوبات قد يؤدّي إلى تباطؤ إجرائي أو مزيد من الحذر في بعض العمليات الماليّة. أمّا بالنسبة للاستثمارات الأجنبية، فاعتبر أنّ المستثمر يبحث أوّلاً عن بيئةٍ مستقرّةٍ وقابلةٍ للتوقع سياسيّاً وتشريعيّاً وماليّاً، ما يعني أنّ استمرار الضبابية السياسية والاقتصادية، إلى جانب أي تطوّرات مرتبطة بالعقوبات، قد يؤدّي إلى تأجيل قرارات استثمارية جديدة أكثر من إلغائها نهائيّاً.

وفي ملف المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية، أكّد الخولي أنّ برامج الإنقاذ والإصلاح ترتكز أساساً على الحوكمة والشفافية والإصلاح المالي والإداري وإعادة هيكلة القطاع المالي. إلّا أنّ أي ارتفاع في مستوى المخاطر السياسية أو المالية ينعكس سلباً على المُناخ المحيط بهذه المفاوضات. وأضاف أنّ المطلوب من الدولة اللبنانية اليوم ليس انتظار التطوّرات الخارجية، بل الإسراع في تنفيذ الإصلاحات الجوهرية، وتعزيز استقلالية القضاء، وتحديث المنظومة الرقابية، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، لأن استعادة الثقة تبدأ من الدّاخل قبل الخارج.

وقال الخولي إنّ لبنان يحتاج في هذه المرحلة إلى تحصين مؤسّساته الدستورية والمالية والأمنية من أي ارتدادات سياسية أو اقتصادية خارجية، عبر اعتماد مقاربةٍ قائمةٍ على سيادة القانون والشفافيّة، بما يحفظ استقرار الدولة ومصالحها المالية والنقدية.

ودعا الخولي وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية إلى لعب دور أكثر فاعلية من خلال التواصل الرسمي مع الجهات الأميركية المختصّة، وتشكيل وفد لبناني يضم ممثّلين عن وزارات الخارجية والعدل والجهات الرقابية والأمنية، بهدف فتح قنوات تواصل مباشرة مع “United States Department of the Treasury”، لعرض الموقف اللبناني واستيضاح الوقائع والمُعطيات التي استندت إليها التدابير المتخذة بحقّ الشخصيات اللبنانية المعنية.

كما شدّد على ضرورة اعتماد مقاربة واضحة وحازمة في الحوار مع الجانب الأميركي، تقوم على الفصل بين المسؤوليّات الفردية ومؤسّسات الدولة اللبنانية، ولا سيما المؤسّسات العسكرية والأمنية والرسمية، بحيث لا تؤدّي أي إجراءات تستهدف أشخاصاً محدّدين إلى إضعاف الثّقة بالمؤسّسات العامة أو التأثير في دورها الوطني والإداري.

وأضاف أنّ حماية سمعة المؤسّسات الأمنية والعسكرية لا تتحقّق عبر البيانات الإعلامية فقط، بل من خلال تعزيز الثّقة بالمسار القانوني والمؤسّساتي عبر فتح تحقيقات داخلية مستقلة وشفّافة بشأن أي ادّعاءات مرتبطة بالأشخاص المستهدفين، وفق معايير واضحة للمُساءلة واحترام الأصول القانونية وحقوق الدفاع.

وأوضح أنّه في حال ثبوت عدم صحة الادعاءات، يجب على الدولة اللبنانية مخاطبة الجهات الدولية المختصة وتقديم المعطيات القانونية التي تدعم براءة الأشخاص المعنيين، وطلب إعادة النظر في الإجراءات المتّخذة بحقّهم. أمّا إذا ثبت وجود مخالفات قانونية، فيجب معالجتها ضمن الأطر القضائيّة والتأديبيّة اللبنانيّة المختصّة، بما يعزّز سيادة الدولة وقدرة مؤسّساتها على ممارسة المحاسبة وفق القانون.

وختم الخولي بالتأكيد على أهمية فتح مسار دائم من الشفافيّة والتعاون المؤسساتي مع الجانب الأميركي لمعالجة أي هواجس أو معطيات ضمن أطر قانونية واضحة، بما يسمح للبنان بمعالجة أي ملاحظات عبر مؤسّساته الدستورية والقضائية المختصّة، ويحول دون انتقال الملفّات إلى مسارات قد تترك تداعيات سياسية أو مالية أو اقتصادية أوسع على الدولة اللبنانية ومؤسّساتها.

وفي موازاة التداعيات المالية والاقتصادية المُحتملة، يكتسب البعد السياسي والأمني للعقوبات أهميةً استثنائيةً، خصوصاً مع اتساع دائرة الاستهداف الأميركي لتشمل للمرة الأولى شخصيّات أمنية وعسكرية رسمية.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلّل السياسي نبيل بو منصف أنّ العقوبات الأميركية الأخيرة تتجاوز إطار الضغط المالي التقليدي، لتدخل مباشرةً في صلب البُنية السياسية والأمنية المرتبطة بالثنائية الشيعية داخل مؤسّسات الدولة اللبنانية.

وبرأيه، فإنّ هذه العقوبات لن تؤدّي إلى تفكيك التحالف القائم بين حركة أمل وحزب الله داخل الدولة، لأنّ هذا التحالف بات جزءاً راسخاً من الواقع السياسي اللبناني. إلّا أنّ خطورتها تكمن، وفق بو منصف، في حجم الإحراج والتشهير الذي تكشفه حول مدى تغلغل نفوذ هذا المحور داخل ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” في لبنان.

ويعتبر بو منصف أنّ التطور الأخطر في هذه الرزمة يتمثّل باستهداف ضباط كبار في الجيش اللبناني والأمن العام، وهو أمر غير مسبوق من حيث وضوح الاتهام الأميركي المباشر لهم بالتعاون مع حزب الله وتقديم خدمات له. ويُشير إلى أنّ هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية شديدة الحساسيّة، لأنها تعكس تحوّلاً في طريقة التعاطي الأميركي مع المؤسّسات الأمنية اللبنانية، خصوصاً لجهة مراقبة النفوذ الذي يمارسه بعض الأفراد داخل الهرمية العسكرية والأمنية وتأثيرهم في القرار الأمني في البلاد.

ويلفت إلى أنّ توقيت العقوبات ليس تفصيلاً عابراً، إذ جاءت قبيل جولة المفاوضات العسكرية والأمنية المُرتقبة في البنتاغون أواخر أيار، ما يوحي بأنّ واشنطن توجّه رسالةً مباشرةً مفادها أنّ المرحلة المقبلة ستشهد تشدّداً أكبر في رصد أي نفوذ مرتبط بحزب الله داخل المؤسّسات الرسمية اللبنانية.

أمّا ما يتعلق بالعقوبات التي طالت شخصيّات من حزب الله وحركة أمل، فيرى بو منصف أنّ بُعدها الاستراتيجي يفوق بكثير بُعدها المالي. فالعقوبات على نواب حزب الله ليست جديدةً، لكنّ اللّافت هذه المرّة هو اقترابها من الدائرة الأمنية الأقرب إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا سيما عبر استهداف شخصيّات تُعدّ من أبرز المسؤولين الأمنيين داخل حركة أمل، وخصوصاً في الجنوب. ويعتبر أنّ هذه الرسائل تحمل تصعيداً أميركياً واضحاً باتجاه الثنائية الشيعية، وتؤشر إلى أنّ واشنطن تتجه نحو تشديد أوسع في ملف العقوبات خلال المرحلة المقبلة.

وعن تأثير هذه العقوبات في الانتخابات النيابية المقبلة، يرى بو منصف أنّ الحديث عن نتائج انتخابية مباشرة يبقى سابقاً لأوانه، لأنّ لبنان يقف أمام مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها التحوّلات الأمنية والسياسية والإقليمية، بما يتجاوز مجرّد ملف العقوبات بحدّ ذاته.

إلا أنّه يؤكد في المقابل أنّ وقع هذه الإجراءات على الداخل اللبناني بدأ يظهر بوضوح، لا باعتبارها خطوة مالية فحسب، بل كجزء من مسار ضغط سياسي وأمني مُتصاعد يحمل رسائل تتجاوز الأشخاص المستهدفين إلى بنية السلطة نفسها.

ويعتبر أنّ تزامن العقوبات مع المسار التفاوضي الأمني والعسكري يمنحها أبعاداً أكثر خطورةً، إذ تبدو واشنطن وكأنّها تعيد رسم قواعد الاشتباك السياسي والأمني مع الدولة اللبنانية، وتبعث بإشارات حاسمة حول طبيعة المرحلة المقبلة.

ومن هنا، فإنّ الدولة اللبنانية ستجد نفسها أمام اختبار بالغ الحساسيّة بين ضغوط الخارج وتعقيدات التوازنات الداخلية، ما سيضع مؤسّساتها أمام حالةٍ متزايدةٍ من الإرباك والإحراج السياسي. وبحسب بو منصف، فإنّ ملامح هذا التوتّر بدأت تتسرّب تدريجياً إلى المشهد الداخلي، وسط ترقّب لما قد تحمله المرحلة المقبلة من خطوات أميركية أكثر تشدّداً وتأثيراً.

العقوبات الأميركية تهزّ التوازنات داخل الدولة اللبنانية

الكاتب: ناديا الحلاق | المصدر: هنا لبنان
23 أيار 2026

العقوبات على نواب الحزب ليست جديدةً، لكنّ اللّافت هذه المرّة هو اقترابها من الدائرة الأمنية الأقرب إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا سيما عبر استهداف شخصيّات تُعدّ من أبرز المسؤولين الأمنيين داخل الحركة، وخصوصاً في الجنوب.

في تطوّرٍ يُعدّ من الأكثر حساسيةً منذ سنوات في مسار العقوبات الأميركية المرتبطة بلبنان، وسّعت واشنطن دائرة إجراءاتها المالية لتطال للمرة الأولى ضباطاً ومسؤولين ضمن أجهزة أمنية وعسكرية رسمية، إلى جانب شخصيات سياسية مرتبطة بـ”حزب الله” و”حركة أمل”، إضافةً إلى السفير الإيراني في بيروت. خطوة تعكس تحوّلاً واضحاً في المقاربة الأميركية تجاه النفوذ السياسي والأمني للحزب داخل مؤسّسات الدولة اللبنانية، وتفتح الباب أمام تساؤلاتٍ واسعةٍ حول تداعياتها السياسية والاقتصادية والمالية، في وقتٍ يعاني فيه لبنان أصلاً من واحدة من أعمق أزماته البنيوية.

وبين المخاوف من اهتزازٍ إضافيٍّ في الثقة المالية، والتداعيات المحتملة على العلاقات المصرفيّة والتحويلات والاستثمارات، تتزايد المؤشرات إلى دخول لبنان مرحلةً أكثر تعقيداً على مستوى علاقته بالولايات المتحدة والمؤسّسات الدولية، وسط تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على بُنية السلطة وموازين القوى الداخلية.

وفي هذا الإطار، أكّد المنسّق العام الوطني للتحالف اللبناني للحوكمة الرشيدة، مارون الخولي، لـ”هنا لبنان”، أنّ أي عقوبات دولية جديدة، ولا سيما إذا طالت شخصيّات لبنانية مرتبطة بمؤسّسات رسمية أو أمنية، قد تنعكس بصورة غير مباشرة على مُناخ الثقة في الاقتصاد اللبناني، نظراً إلى تأثّر الأسواق المالية بمستوى المخاطر والاستقرار القانوني والرقابي.

وأوضح الخولي أنّ المستثمرين المحليّين والأجانب يعتمدون في قراراتهم على الاستقرار المؤسّسي والشفافية المالية، ما قد يدفع بعض الجهات إلى اعتماد سياسات أكثر حذراً في التعاملات والاستثمارات إلى حين اتّضاح الإطار القانوني للعقوبات. وشدد في الوقت نفسه على أنّ حجم التأثير يبقى مرتبطاً بطبيعة هذه العقوبات ونطاقها ومدى ارتباطها بالنظام المالي اللبناني.

وعن العلاقات المالية الخارجية، شدّد الخولي على ضرورة التمييز بين استهداف أفراد محددين وبين استهداف مؤسسات الدولة اللبنانية، موضحاً أن العقوبات الفردية لا تعني تلقائيّاً فرض قيود على المؤسسات الرسمية. لكنّه أشار إلى أن المؤسّسات والأسواق المالية الدولية تتعامل بحساسيّة مرتفعة مع ملفّات الامتثال والمخاطر القانونية، الأمر الذي قد ينعكس تشدّداً إضافيّاً في التدقيق في التحويلات والعلاقات المصرفية الخارجية، في ظلّ أزمة اقتصادية لا يحتمل معها لبنان أي ضغوط إضافية تمسّ الثقة المالية أو تُعرقل استعادة علاقاته الطبيعية مع الخارج.

وأشار الخولي إلى أنّ تحويلات المُغتربين اللبنانيين تُشكل ركيزةً أساسيةً للصمود الاقتصادي والاجتماعي، وهي ترتبط مباشرةً بالنظام المالي العالمي وقواعد الامتثال الدولية. لذلك، فإنّ أي توسّع في العقوبات قد يؤدّي إلى تباطؤ إجرائي أو مزيد من الحذر في بعض العمليات الماليّة. أمّا بالنسبة للاستثمارات الأجنبية، فاعتبر أنّ المستثمر يبحث أوّلاً عن بيئةٍ مستقرّةٍ وقابلةٍ للتوقع سياسيّاً وتشريعيّاً وماليّاً، ما يعني أنّ استمرار الضبابية السياسية والاقتصادية، إلى جانب أي تطوّرات مرتبطة بالعقوبات، قد يؤدّي إلى تأجيل قرارات استثمارية جديدة أكثر من إلغائها نهائيّاً.

وفي ملف المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية، أكّد الخولي أنّ برامج الإنقاذ والإصلاح ترتكز أساساً على الحوكمة والشفافية والإصلاح المالي والإداري وإعادة هيكلة القطاع المالي. إلّا أنّ أي ارتفاع في مستوى المخاطر السياسية أو المالية ينعكس سلباً على المُناخ المحيط بهذه المفاوضات. وأضاف أنّ المطلوب من الدولة اللبنانية اليوم ليس انتظار التطوّرات الخارجية، بل الإسراع في تنفيذ الإصلاحات الجوهرية، وتعزيز استقلالية القضاء، وتحديث المنظومة الرقابية، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، لأن استعادة الثقة تبدأ من الدّاخل قبل الخارج.

وقال الخولي إنّ لبنان يحتاج في هذه المرحلة إلى تحصين مؤسّساته الدستورية والمالية والأمنية من أي ارتدادات سياسية أو اقتصادية خارجية، عبر اعتماد مقاربةٍ قائمةٍ على سيادة القانون والشفافيّة، بما يحفظ استقرار الدولة ومصالحها المالية والنقدية.

ودعا الخولي وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية إلى لعب دور أكثر فاعلية من خلال التواصل الرسمي مع الجهات الأميركية المختصّة، وتشكيل وفد لبناني يضم ممثّلين عن وزارات الخارجية والعدل والجهات الرقابية والأمنية، بهدف فتح قنوات تواصل مباشرة مع “United States Department of the Treasury”، لعرض الموقف اللبناني واستيضاح الوقائع والمُعطيات التي استندت إليها التدابير المتخذة بحقّ الشخصيات اللبنانية المعنية.

كما شدّد على ضرورة اعتماد مقاربة واضحة وحازمة في الحوار مع الجانب الأميركي، تقوم على الفصل بين المسؤوليّات الفردية ومؤسّسات الدولة اللبنانية، ولا سيما المؤسّسات العسكرية والأمنية والرسمية، بحيث لا تؤدّي أي إجراءات تستهدف أشخاصاً محدّدين إلى إضعاف الثّقة بالمؤسّسات العامة أو التأثير في دورها الوطني والإداري.

وأضاف أنّ حماية سمعة المؤسّسات الأمنية والعسكرية لا تتحقّق عبر البيانات الإعلامية فقط، بل من خلال تعزيز الثّقة بالمسار القانوني والمؤسّساتي عبر فتح تحقيقات داخلية مستقلة وشفّافة بشأن أي ادّعاءات مرتبطة بالأشخاص المستهدفين، وفق معايير واضحة للمُساءلة واحترام الأصول القانونية وحقوق الدفاع.

وأوضح أنّه في حال ثبوت عدم صحة الادعاءات، يجب على الدولة اللبنانية مخاطبة الجهات الدولية المختصة وتقديم المعطيات القانونية التي تدعم براءة الأشخاص المعنيين، وطلب إعادة النظر في الإجراءات المتّخذة بحقّهم. أمّا إذا ثبت وجود مخالفات قانونية، فيجب معالجتها ضمن الأطر القضائيّة والتأديبيّة اللبنانيّة المختصّة، بما يعزّز سيادة الدولة وقدرة مؤسّساتها على ممارسة المحاسبة وفق القانون.

وختم الخولي بالتأكيد على أهمية فتح مسار دائم من الشفافيّة والتعاون المؤسساتي مع الجانب الأميركي لمعالجة أي هواجس أو معطيات ضمن أطر قانونية واضحة، بما يسمح للبنان بمعالجة أي ملاحظات عبر مؤسّساته الدستورية والقضائية المختصّة، ويحول دون انتقال الملفّات إلى مسارات قد تترك تداعيات سياسية أو مالية أو اقتصادية أوسع على الدولة اللبنانية ومؤسّساتها.

وفي موازاة التداعيات المالية والاقتصادية المُحتملة، يكتسب البعد السياسي والأمني للعقوبات أهميةً استثنائيةً، خصوصاً مع اتساع دائرة الاستهداف الأميركي لتشمل للمرة الأولى شخصيّات أمنية وعسكرية رسمية.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلّل السياسي نبيل بو منصف أنّ العقوبات الأميركية الأخيرة تتجاوز إطار الضغط المالي التقليدي، لتدخل مباشرةً في صلب البُنية السياسية والأمنية المرتبطة بالثنائية الشيعية داخل مؤسّسات الدولة اللبنانية.

وبرأيه، فإنّ هذه العقوبات لن تؤدّي إلى تفكيك التحالف القائم بين حركة أمل وحزب الله داخل الدولة، لأنّ هذا التحالف بات جزءاً راسخاً من الواقع السياسي اللبناني. إلّا أنّ خطورتها تكمن، وفق بو منصف، في حجم الإحراج والتشهير الذي تكشفه حول مدى تغلغل نفوذ هذا المحور داخل ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” في لبنان.

ويعتبر بو منصف أنّ التطور الأخطر في هذه الرزمة يتمثّل باستهداف ضباط كبار في الجيش اللبناني والأمن العام، وهو أمر غير مسبوق من حيث وضوح الاتهام الأميركي المباشر لهم بالتعاون مع حزب الله وتقديم خدمات له. ويُشير إلى أنّ هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية شديدة الحساسيّة، لأنها تعكس تحوّلاً في طريقة التعاطي الأميركي مع المؤسّسات الأمنية اللبنانية، خصوصاً لجهة مراقبة النفوذ الذي يمارسه بعض الأفراد داخل الهرمية العسكرية والأمنية وتأثيرهم في القرار الأمني في البلاد.

ويلفت إلى أنّ توقيت العقوبات ليس تفصيلاً عابراً، إذ جاءت قبيل جولة المفاوضات العسكرية والأمنية المُرتقبة في البنتاغون أواخر أيار، ما يوحي بأنّ واشنطن توجّه رسالةً مباشرةً مفادها أنّ المرحلة المقبلة ستشهد تشدّداً أكبر في رصد أي نفوذ مرتبط بحزب الله داخل المؤسّسات الرسمية اللبنانية.

أمّا ما يتعلق بالعقوبات التي طالت شخصيّات من حزب الله وحركة أمل، فيرى بو منصف أنّ بُعدها الاستراتيجي يفوق بكثير بُعدها المالي. فالعقوبات على نواب حزب الله ليست جديدةً، لكنّ اللّافت هذه المرّة هو اقترابها من الدائرة الأمنية الأقرب إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا سيما عبر استهداف شخصيّات تُعدّ من أبرز المسؤولين الأمنيين داخل حركة أمل، وخصوصاً في الجنوب. ويعتبر أنّ هذه الرسائل تحمل تصعيداً أميركياً واضحاً باتجاه الثنائية الشيعية، وتؤشر إلى أنّ واشنطن تتجه نحو تشديد أوسع في ملف العقوبات خلال المرحلة المقبلة.

وعن تأثير هذه العقوبات في الانتخابات النيابية المقبلة، يرى بو منصف أنّ الحديث عن نتائج انتخابية مباشرة يبقى سابقاً لأوانه، لأنّ لبنان يقف أمام مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها التحوّلات الأمنية والسياسية والإقليمية، بما يتجاوز مجرّد ملف العقوبات بحدّ ذاته.

إلا أنّه يؤكد في المقابل أنّ وقع هذه الإجراءات على الداخل اللبناني بدأ يظهر بوضوح، لا باعتبارها خطوة مالية فحسب، بل كجزء من مسار ضغط سياسي وأمني مُتصاعد يحمل رسائل تتجاوز الأشخاص المستهدفين إلى بنية السلطة نفسها.

ويعتبر أنّ تزامن العقوبات مع المسار التفاوضي الأمني والعسكري يمنحها أبعاداً أكثر خطورةً، إذ تبدو واشنطن وكأنّها تعيد رسم قواعد الاشتباك السياسي والأمني مع الدولة اللبنانية، وتبعث بإشارات حاسمة حول طبيعة المرحلة المقبلة.

ومن هنا، فإنّ الدولة اللبنانية ستجد نفسها أمام اختبار بالغ الحساسيّة بين ضغوط الخارج وتعقيدات التوازنات الداخلية، ما سيضع مؤسّساتها أمام حالةٍ متزايدةٍ من الإرباك والإحراج السياسي. وبحسب بو منصف، فإنّ ملامح هذا التوتّر بدأت تتسرّب تدريجياً إلى المشهد الداخلي، وسط ترقّب لما قد تحمله المرحلة المقبلة من خطوات أميركية أكثر تشدّداً وتأثيراً.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار