ثروة من دمار: ركام حروب لبنان يفتح سوقا للمعادن والنفوذ

خلّفت الحروب المتتالية على لبنان خسائر قد تتجاوز 27 مليار دولار، وفتحت ملايين أطنان الركام سوقاً للعقود والمعادن والنفوذ، وتراوحت تقديرات الأنقاض ما بين 10 و14 مليون طن، بحاجات معالجة تبلغ 105 ملايين دولار، وتتيح بعض العقود للمتعهدين الاستفادة من المواد المفروزة، مما يضيف إيرادات محتملة من الحديد إلى بدل الإزالة.
لم تقتصر آثار الحروب التي توالت على لبنان منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على المنازل المهدمة والبلدات المنكوبة، بل امتدت إلى الاقتصاد، مخلفة خسائر قال رئيس الحكومة نواف سلام إنها قد تتجاوز 27 مليار دولار، عند اكتمال احتسابها، فكلفة حرب 2023 – 2024 بلغت نحو 14 مليار دولار، فيما قُدرت الأضرار المباشرة للحرب التي بدأت في الثاني من مارس (آذار) 2026 بما بين 3 و4 مليارات دولار، تضاف إليها خسائر اقتصادية أولية تتراوح ما بين 4 و5 مليارات دولار.
ومن قلب هذه الكارثة يبرز ملف الردميات، بوصفه أحد أبواب الإنفاق التي تسبق إعادة الإعمار، فملايين الأطنان من الركام في عشرات البلدات الجنوبية وفي الضاحية الجنوبية لبيروت وبعض مناطق البقاع شرقاً، تحتاج إلى رفع وفرز ونقل ومعالجة، لكنها تحوي أيضاً معادن ومواد قابلة للاسترداد والبيع، وهكذا تتحول إزالة آثار الحرب إلى سوق تتداخل فيها العقود العامة مع العوائد الخاصة، ويصبح السؤال عن مصير الأنقاض مرتبطاً بمن يتولى إدارتها، ومن يستفيد منها، وكيف تتوزع الأموال والنفوذ قبل أن تبدأ ورشة إعادة بناء البيوت نفسها.
وتعكس تقديرات الركام ضخامة هذا الملف، وإن اختلفت نطاقاتها ومواعيد احتسابها، فتقارير المجلس الوطني للبحوث العلمية تقول إن هناك ما بين 10 و14 مليون طن من الركام، بينما تورد وثيقة رسمية لـ “مجلس الإنماء والإعمار”، ضمن مشروع المساعدة الطارئة للبنان، تقديراً بنحو 17 مليون طن للفترة الممتدة من الثامن من أكتوبر 2023 وحتر الـ 20 من ديسمبر (كانون الأول) 2024، وتشمل هذه الكمية الركام والنفايات الخطرة التي تستلزم إزالة وإدارة آمنتين، بحاجات مالية مقدرة بـ105 ملايين دولار، وهذا الرقم يعبّر عن الحاجات المقدرة، ولا يمثل قيمة عقود أُبرمت أو أموال صُرفت.
توزيع الأدوار
بدأ المسار المالي المعلن لهذا الملف في الـ 17 من ديسمبر 2024، عندما أعلن وزير الأشغال آنذاك، علي حمية، اعتماد دفتري شروط الهدم والإزالة، مع الالتزام بالضمانات البيئية، وتحويل 900 مليار ليرة إلى “اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية”، ومبلغ مماثل إلى “مجلس الجنوب”، و500 مليار ليرة إلى “الهيئة العليا للإغاثة”، وبلغ مجموع التحويلات 2.3 تريليون ليرة (25.7 مليون دولار)، خُصصت لجهات عامة تتولى إدارة الأعمال.
سياسياً، أبقى هذا التوزيع إدارة الملف في أيدي مؤسسات محلية ذات صلة بموازين القوى القائمة، وتصف دراسة فرنسية منشورة في “ميتروبوليتكس” مجلس الجنوب بأنه تحت نفوذ “حركة أمل”، واتحاد بلديات الضاحية الجنوبية بأنه تحت نفوذ “حزب الله”، وهذا لا يثبت بذاته وجود مخالفة في التلزيمات، لكنه يجعل شفافية الإجراءات مسألة أساسية، فالمؤسسات التي تدير إزالة الركام تعمل في مناطق يتمتع فيها الطرفان بنفوذ واسع، مما يطرح سؤالاً عن مدى قدرة الدولة على إخضاع العقود للرقابة والمنافسة، بعيداً من نمط المحاصصة الذي حكم توزيع الموارد العامة طوال عقود.
خمسة عقود
تظهر ملامح هذا السوق في جدول رسمي موقّع من “مجلس الجنوب”، يحدد خمس مناقصات رئيسة لإزالة الركام توزعت على شركتين، فقد نالت “بيتا للهندسة والمقاولات” أربع مناقصات، في مقابل مناقصة واحدة لشركة المهندس إيلي نعيم معلوف (EMC)، وبلغت القيمة الإجمالية للتلزيمات نحو 15.375 مليون دولار، استحوذت “بيتا” منها على نحو 10.654 مليون دولار، أي 80 في المئة من عدد المناقصات ونحو 69.3 في المئة من قيمتها، مما يجعلها المتعهد الأكبر ضمن الأعمال الواردة في الجدول.
وتفاوتت أسعار إزالة المتر المكعب بحسب النطاق الجغرافي، ففي بلدة مرجعيون جنوب لبنان، بلغ السعر 1.61 دولار لكل متر من الركام تجري إزالته، في مقابل 2.61 دولار في قرى صور، و3.61 دولار في مدينتي صور والنبطية، أما المجموعة التي تضم قرى صيدا وجزين والنبطية وحاصبيا والبقاع الغربي، فبلغ السعر فيها 2.11 دولار، فيما سُجّل في بنت جبيل 3.125 دولار.
غير أن الأرقام الواردة في الجدول لا تتطابق بالكامل مع رد آخر منشور باسم “مجلس الجنوب”، أورد سعراً مقداره 3.12 دولار للمتر المكعب في بنت جبيل، و3.61 دولار في مدينتي صور والنبطية، و2.3 دولار لمجموعات أخرى، وبينما يبدو الفارق بين 3.125 و3.12 دولار مرتبطاً بالتقريب الحسابي، فإن الفوارق الأخرى تحتاج إلى تفسير يستند إلى العقود ودفاتر الشروط والملاحق والمعالجة الضريبية، ولا يكفي اختلاف الأرقام المنشورة وحده لإثبات زيادة غير مبررة في الأسعار.
ويمتد التفاوت إلى القيمة الإجمالية للعقود، فقد تداول أحد التقارير رقماً يبلغ 11.4 مليون دولار لأعمال الجنوب، مرتبطاً بتقدير حجم الركام بنحو 5.35 مليون متر مكعب، فيما أورد آخر قيمة تقارب 15.4 مليون دولار، وهي الأقرب إلى مجموع التلزيمات في الجدول الرسمي، وتكشف هذه الفوارق الحاجة إلى سجل موحد يميز بين قيمة التلزيم الأصلية، وقيمة الأعمال المنفذة، وأية تعديلات لاحقة، ليصبح ممكناً تتبع الأموال من قرار التخصيص إلى الدفع الفعلي.
عقد الضاحية الجنوبية
في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، فُضّت عروض المناقصة في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2025، ورست على شركة “لبنيان” بقيمة 5.5 مليون دولار، وبإضافة هذا العقد إلى مجموع تلزيمات “مجلس الجنوب”، تصل قيمة العقود المذكورة إلى نحو 20.875 مليون دولار، من دون أن يمثل ذلك كامل الإنفاق الوطني على الردميات.
وبحسب مادة تنقل محضر التلزيم، تقدّم 16 عارضاً، تأهلت منهم سبع شركات، وهي “البنيان” و”الأرز للتعهدات والتجارة” و”أبو سعدى إخوان” و”إيلي معلوف” و”صلاح الدين عضاضة” و”حنا الخوري” و”ASD”، وقدمت “البنيان” أدنى سعر وهو 3.65 دولار للمتر المكعب، قبل ضريبة القيمة المضافة البالغة 11 في المئة، بما يعادل حسابياً 4.0515 دولار بعد الضريبة، فيما بلغ أعلى عرض بين المؤهلين 7.3 دولار قبل الضريبة.
لكن اختيار العرض الأدنى لم ينهِ الأسئلة حول الإجراءات، ففي تحقيق نشرته “فايننشال تايمز” الأميركية في الـ 13 من أبريل (نيسان) 2025، أثارت الصحيفة مسألة التعاقد المباشر مع صاحب السعر الأقل، قبل انتهاء مهلة الإعلان، وعدم نشر المستندات حينها، ورد مسؤول العمليات في “البنيان”، علي الموسوي، بأن انخفاض السعر يعود لخبرة الشركة وإيرادات بيع الحديد، نافياً ارتباطاً مباشراً بـ “حزب الله”.
الحديد المخفي
في المقابل، يؤكد إيضاح صادر عن مجلس الجنوب السماح للمتعهد بالانتفاع بالمواد المفروزة، وبذلك يجمع العقد بين بدل الأشغال وإمكان تحقيق إيرادات إضافية من المواد المستخرجة، وفي مقدمها المعادن، وتصبح قيمة الركام نفسه عنصراً مؤثراً في تسعير العرض، إضافة إلى كلفة رفعه ونقله ومعالجته، وبعملية حسابية افتراضية، نفهم الصورة بشكل أوضح.
وفي المادة المتعلقة بتلزيم الضاحية مثلاً، ورد افتراض استخراج 80 كيلوغراماً من الحديد لكل متر مكعب، بسعر 240 دولاراً لطن الخردة، ولإظهار أثر اختلاف الكميات على الإيرادات، فإن معالجة مليون متر مكعب من الردم، بافتراض استخراج 20 كيلوغراماً من الحديد القابل للبيع من كل متر، تنتج 20 ألف طن بإيراد إجمالي يبلغ 4.8 مليون دولار، وعند رفع الافتراض إلى 40 كيلوغراماً، تصبح الكمية 40 ألف طن، والإيرادات 9.6 مليون دولار، أما عند 80 كيلوغراماً، فتصل الكمية إلى 80 ألف طن، والإيرادات إلى 19.2 مليون دولار.
هذه حسابات افتراضية قبل الكُلف، وليست أرباحاً محققة لأية شركة، لكنها توضح لماذا لا يكفي النظر إلى بدل الإزالة لتقييم الصفقة، فالمتعهد يحتسب أيضاً قيمة المواد التي قد يستخرجها ويبيعها في مرحلة لاحقة، بينما تبقى الكميات المباعة وأسعارها وكُلف الفرز والنقل والعمل، وآلية تقاسم العائد مع المتعهدين الفرعيين وأصحاب الأبنية، غير قابلة للتحديد من دون كشوف وفواتير.
ومن هنا يبرز سؤال حق المتضرر، أي صاحب السكن المتضرر أو المحل التجاري أو أية أملاك أخرى، فهل يتضمن اتفاق إزالة منزله تنازلاً عن الحديد والألومنيوم وسائر المواد القابلة للبيع؟ وهل يعرف قيمتها وما يحصل عليه في مقابلها؟ فالأنقاض تبقى بقايا ملكية خاصة، حتى عندما تتولى مؤسسة عامة إدارة رفعها، مما يجعل تحديد حقوق أصحابها جزءاً من شفافية الملف.
وجهات الركام
بعد استخراج المواد القابلة للاستفادة من الدمار الذي خلفته الحروب الأخيرة، يحضر السؤال عن مصير الكميات الباقية من هذا الردم، والتي تكون في الغالب من دون قيمة مادية، ففي الضاحية تشير التقارير إلى مواقع فرز في منطقتي المريجة والأوزاعي، من بينها العقار 338، الذي يحدده أحد التقارير بأنه مملوك لوزارة الأشغال، ويديره اتحاد البلديات، قبل نقل الجزء المناسب إلى مكبّ “الكوستا برافا” للنفايات، الواقع جنوب العاصمة بيروت.
وفي الجنوب تتجه كميات من ركام النبطية إلى بلدتي عين قانا وحبوش، ومن ركام صور إلى بلدتي الرشيدية وطيردبا، بحسب ما أُعلن عن الإشراف وموافقة وزارة البيئة، وقبل الحرب الأخيرة في مارس 2026، كانت نسبة رفع الأنقاض قد بلغت نحو 65 في المئة إجمالاً، ووصلت إلى 75 في المئة في بعض القرى، بينما تعذر الوصول إلى بلدات كفركلا والعديسة ومركبا.
لكن الوجهات المعلنة لا تلغي الأسئلة عن الالتزام بها، فحين وُجهت اتهامات إلى بعض المتعهدين بالرمي العشوائي وتوسيع هوامش الربح، نفى “مجلس الجنوب” انطباقها على ملتزميه، ونسب مخالفات إلى أعمال خاصة ينفذها أصحاب الأبنية أو متعهدون بتكليف منهم.
مطمر يتوسع
يمثل مكب “الكوستا برافا” نقطة التقاء بين ملف الردميات الناتجة من الدمار وإدارة النفايات، إذ يمكن استخدام الركام المطابق للمواصفات في أعمال توسعة المطمر، وفي السياق تقول دراسة لـ “دار الهندسة” اللبنانية إن مساحة ردم تبلغ 150 ألف متر مربع، توفر قدرة إضافية لاستيعاب 575 ألف طن من النفايات، وعمر تشغيل إضافياً مقداره 16 شهراً، عند معدل استقبال يومي يبلغ 1200 طن.
وفي هذا المسار، يظهر اسم جهاد العرب وشركته لناحية إدارة المكب المذكور وتوسعته، وليس بوصفه صاحب عقد إزالة ركام الضاحية، وبذلك يطرح وصول ركام الحرب إلى المطمر سؤالاً عن شروط استخدامه، وقيمته، والجهة التي تستفيد من توفيره.
ويحمل حضور جهاد العرب خلفية مرتبطة بالعقود العامة، فقد أعلنت الخزانة الأميركية في الـ 28 من أكتوبر 2021 فرض عقوبات عليه، ونسبت إليه الاستفادة من علاقات سياسية في الحصول على عقود، وذكرت عقد مطمر بقيمة 288 مليون دولار عام 2016، وهذه الخلفية تعزز أهمية التدقيق في العقود الحالية، لكنها لا تثبت بذاتها وجود مخالفة في استخدام ركام الحرب أو توسعة المطمر.
خريطة الدمار
نحمل هذا الملف ومعه كثير من التساؤلات إلى الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، الذي قال إن حجم الدمار في لبنان يتجاوز صور الأبنية المنهارة التي طبعت مشهد الحرب، ووفق تقديراته، فقد دُمّرت نحو 50 ألف وحدة سكنية بالكامل، فيما لحقت أضرار متفاوتة بنحو 100 ألف وحدة أخرى، تركز معظمها في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع شرق البلاد.
ويشير شمس الدين إلى أن الدمار الكلي أو الجزئي طاول نحو 132 بلدة جنوبية، أي ما يقارب نصف قرى الجنوب وفق تقديره، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن نحو 68 ألف وحدة سكنية مدمرة أو متضررة في الجنوب وحده، وعن أجزاء واسعة من نحو 30 بلدة باتت غير صالحة للسكن، مستنداً إلى المعطيات الميدانية والتواصل مع البلديات والصور التي توثق الأضرار، وفي تفصيل لتوزع الوحدات المدمرة كلياً، يقدّر عددها بنحو 22 ألفاً في قرى الشريط الحدودي مع إسرائيل، و12 ألفاً في مناطق جنوبية أخرى، و9 آلاف في الضاحية الجنوبية، و1200 في البقاع، ويعطي هذا التوزيع مجموعاً يقارب 44 ألف وحدة، أما تقديره الأوسع البالغ نحو 50 ألفاً إلى 51 ألف وحدة، فيرتبط بنطاق رصد أوسع وبتحديث الأرقام، ولذلك يشدد على التعامل مع هذه الحصيلة كتقديرات قابلة للمراجعة مع استكمال المسوحات، لا كإحصاء نهائي.
وتقدم التقييمات الدولية المنشورة حتى عام 2026 مقياساً آخر، وهو عدد المباني لا الوحدات السكنية، ففي المنطقة التي يغطيها تقييم جنوب نهر الليطاني، سُجل تدمير كامل لـ11095 مبنى، وأضرار جزئية في 2242 مبنى، وأضرار طفيفة في 9311 مبنى، مع تقدير الركام الناتج بنحو 3.1 مليون متر مكعب.
ويشمل نطاق هذا التقييم مناطق ضمن أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور وصيدا الجنوبية، ولا يغطي كامل الأضرار في لبنان، ومن ثم لا يمكن وضع أرقام المباني هذه في مواجهة مباشرة مع تقديرات الوحدات السكنية على مستوى البلاد.
وتظهر الخريطة الميدانية تفاوتاً في حجم الدمار داخل الجنوب نفسه، فقد سجل قضاء بنت جبيل أعداداً مرتفعة من الأبنية المدمرة، وتعرضت ميس الجبل والطيبة في قضاء مرجعيون، وبرج الشمالي والناقورة في قضاء صور، لأضرار واسعة، ويشير شمس الدين أيضاً إلى تقدير سابق بأن مساحة الشريط الحدودي الذي طاوله الدمار تمتد على نحو 300 كيلومتر مربع، فيما فقدت أجزاء من بلدات عدة وظيفتها السكنية والتجارية.
وتساعد هذه الفوارق في فهم تباين أرقام الركام، فتقدير 3.1 مليون متر مكعب يتعلق بنطاق جنوبي محدد، بينما تتحدث تقديرات وطنية أوسع عن أكثر من 10 ملايين طن، ضمن المجال المتداول البالغ 10 إلى 14 مليون طن، والوحدتان مختلفتان أيضاً، فالمتر المكعب يقيس الحجم والطن يقيس الوزن، ولا تصح المقارنة المباشرة بينهما من دون تحديد كثافة الركام ومكوناته.
وبالنسبة إلى شمس الدين، فلا تكمن خطورة الدمار في رقم واحد، بل في اجتماع عشرات آلاف المساكن المتضررة مع اتساع رقعة البلدات المصابة، وتراكم ملايين الأمتار المكعبة من الأنقاض، وهذه الخريطة، الممتدة من الحدود الجنوبية إلى الضاحية والبقاع، تحدد حجم العمل الذي ينتظر لبنان، قبل أن تستعيد المناطق المدمرة قدرتها على السكن والحياة.
ثروة الركام
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة أن ملايين الأطنان من الركام التي خلّفتها الحرب يمكن أن تتحول من عبء بيئي ومالي إلى مورد لإعادة الإعمار، إذا خضعت للفرز والمعالجة وفق معايير واضحة، مشيراً إلى تقديرات تتراوح ما بين 10 و14 مليون طن، تتركز في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، وتضم خرسانة وحجارة وحديداً يمكن استردادها بدلاً من الاكتفاء بنقلها إلى مواقع التخلص.
ويوضح عجاقة أن تكسير حطام الخرسانة يتيح إنتاج ركام معاد تدويره يصلح لطبقات تأسيس الطرق وأعمال الردم وبعض مشاريع تأهيل المحاجر، وقد يحل، بحسب تقديراته، محل 30 إلى 50 في المئة من الركام الطبيعي المستخدم في هذه الأعمال، مما يخفف الحاجة إلى استخراج مواد جديدة ونقلها، وكذلك يمكن فصل حديد التسليح باستخدام معدات مغناطيسية وإعادته لدورة الإنتاج، وهو ما يوافر مادة أولية محلية، ويحد من الحاجة إلى استيراد الصلب والطلب على الدولار.
ويقدّر عجاقة أن إعادة التدوير محلياً قد تخفض كلفة بعض المواد بنسبة تتراوح ما بين 25 و40 في المئة لكل متر مكعب مقارنة بالركام الطبيعي، لكن تحقيق هذا الوفر يتوقف على المسافة بين مواقع الدمار ومراكز المعالجة.
ويقول “إذا لم تتوافر مراكز إقليمية على مسافة تقارب 15 كيلومتراً، فقد تلتهم كلفة النقل والوقود القيمة السوقية للمواد المستخرجة”، ولذلك يقترح وحدات تكسير متنقلة قريبة من المناطق المتضررة، تقلل حركة الشاحنات وتتيح معالجة جزء من الركام قرب مصدره.
وتسبق الجدوى الاقتصادية، في رأيه، شروطُ السلامة، فقد يحوي ركام الحروب الأسبستوس والمعادن الثقيلة والغبار السام، فضلاً عن احتمال وجود ذخائر غير منفجرة، ويستدعي ذلك فحص المواد الخطرة وعزلها قبل الفرز والتدوير، مما يرفع كلفة التشغيل ويجعل التمويل العام أو دعم الجهات المانحة ضرورياً في المراحل الأولى.
ويضيف عجاقة أن السوق اللبنانية تحتاج إلى معايير أكثر وضوحاً لاستخدام مواد البناء المعاد تدويرها، فالقانون رقم (80) لعام 2018، المتعلق بالإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، لا يوفر، وفق قراءته، إطاراً عملياً كافياً يطمئن المهندسين والمقاولين إلى مواصفات هذه المواد واستخداماتها، وكذلك تعوق الأزمة المصرفية تمويل معدات التكسير والفرز والفصل المغناطيسي وضبط الغبار، ومن هنا يدعو عجاقة إلى أن يخلق القطاع العام طلباً أولياً، عبر استخدام الركام المعاد تدويره في مشاريع البنية التحتية، بالتوازي مع تخصيص تمويل دولي لعمليات المعالجة.
أما الخطر الذي يتجاوز الحسابات التقنية، فيرتبط بطريقة التعاقد، فالإزالة الطارئة قد تدفع نحو تلزيمات سريعة يصعب تتبع كمياتها وعائداتها، ولذلك يشدد عجاقة على نشر العقود وبيانات النقل والفرز والتدوير، باعتبارها شرطاً لمعرفة ما إذا كان الركام سيخفض فاتورة إعادة الإعمار، أم سيضيف إليها كلفة جديدة.
ثروة من دمار: ركام حروب لبنان يفتح سوقا للمعادن والنفوذ

خلّفت الحروب المتتالية على لبنان خسائر قد تتجاوز 27 مليار دولار، وفتحت ملايين أطنان الركام سوقاً للعقود والمعادن والنفوذ، وتراوحت تقديرات الأنقاض ما بين 10 و14 مليون طن، بحاجات معالجة تبلغ 105 ملايين دولار، وتتيح بعض العقود للمتعهدين الاستفادة من المواد المفروزة، مما يضيف إيرادات محتملة من الحديد إلى بدل الإزالة.
لم تقتصر آثار الحروب التي توالت على لبنان منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على المنازل المهدمة والبلدات المنكوبة، بل امتدت إلى الاقتصاد، مخلفة خسائر قال رئيس الحكومة نواف سلام إنها قد تتجاوز 27 مليار دولار، عند اكتمال احتسابها، فكلفة حرب 2023 – 2024 بلغت نحو 14 مليار دولار، فيما قُدرت الأضرار المباشرة للحرب التي بدأت في الثاني من مارس (آذار) 2026 بما بين 3 و4 مليارات دولار، تضاف إليها خسائر اقتصادية أولية تتراوح ما بين 4 و5 مليارات دولار.
ومن قلب هذه الكارثة يبرز ملف الردميات، بوصفه أحد أبواب الإنفاق التي تسبق إعادة الإعمار، فملايين الأطنان من الركام في عشرات البلدات الجنوبية وفي الضاحية الجنوبية لبيروت وبعض مناطق البقاع شرقاً، تحتاج إلى رفع وفرز ونقل ومعالجة، لكنها تحوي أيضاً معادن ومواد قابلة للاسترداد والبيع، وهكذا تتحول إزالة آثار الحرب إلى سوق تتداخل فيها العقود العامة مع العوائد الخاصة، ويصبح السؤال عن مصير الأنقاض مرتبطاً بمن يتولى إدارتها، ومن يستفيد منها، وكيف تتوزع الأموال والنفوذ قبل أن تبدأ ورشة إعادة بناء البيوت نفسها.
وتعكس تقديرات الركام ضخامة هذا الملف، وإن اختلفت نطاقاتها ومواعيد احتسابها، فتقارير المجلس الوطني للبحوث العلمية تقول إن هناك ما بين 10 و14 مليون طن من الركام، بينما تورد وثيقة رسمية لـ “مجلس الإنماء والإعمار”، ضمن مشروع المساعدة الطارئة للبنان، تقديراً بنحو 17 مليون طن للفترة الممتدة من الثامن من أكتوبر 2023 وحتر الـ 20 من ديسمبر (كانون الأول) 2024، وتشمل هذه الكمية الركام والنفايات الخطرة التي تستلزم إزالة وإدارة آمنتين، بحاجات مالية مقدرة بـ105 ملايين دولار، وهذا الرقم يعبّر عن الحاجات المقدرة، ولا يمثل قيمة عقود أُبرمت أو أموال صُرفت.
توزيع الأدوار
بدأ المسار المالي المعلن لهذا الملف في الـ 17 من ديسمبر 2024، عندما أعلن وزير الأشغال آنذاك، علي حمية، اعتماد دفتري شروط الهدم والإزالة، مع الالتزام بالضمانات البيئية، وتحويل 900 مليار ليرة إلى “اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية”، ومبلغ مماثل إلى “مجلس الجنوب”، و500 مليار ليرة إلى “الهيئة العليا للإغاثة”، وبلغ مجموع التحويلات 2.3 تريليون ليرة (25.7 مليون دولار)، خُصصت لجهات عامة تتولى إدارة الأعمال.
سياسياً، أبقى هذا التوزيع إدارة الملف في أيدي مؤسسات محلية ذات صلة بموازين القوى القائمة، وتصف دراسة فرنسية منشورة في “ميتروبوليتكس” مجلس الجنوب بأنه تحت نفوذ “حركة أمل”، واتحاد بلديات الضاحية الجنوبية بأنه تحت نفوذ “حزب الله”، وهذا لا يثبت بذاته وجود مخالفة في التلزيمات، لكنه يجعل شفافية الإجراءات مسألة أساسية، فالمؤسسات التي تدير إزالة الركام تعمل في مناطق يتمتع فيها الطرفان بنفوذ واسع، مما يطرح سؤالاً عن مدى قدرة الدولة على إخضاع العقود للرقابة والمنافسة، بعيداً من نمط المحاصصة الذي حكم توزيع الموارد العامة طوال عقود.
خمسة عقود
تظهر ملامح هذا السوق في جدول رسمي موقّع من “مجلس الجنوب”، يحدد خمس مناقصات رئيسة لإزالة الركام توزعت على شركتين، فقد نالت “بيتا للهندسة والمقاولات” أربع مناقصات، في مقابل مناقصة واحدة لشركة المهندس إيلي نعيم معلوف (EMC)، وبلغت القيمة الإجمالية للتلزيمات نحو 15.375 مليون دولار، استحوذت “بيتا” منها على نحو 10.654 مليون دولار، أي 80 في المئة من عدد المناقصات ونحو 69.3 في المئة من قيمتها، مما يجعلها المتعهد الأكبر ضمن الأعمال الواردة في الجدول.
وتفاوتت أسعار إزالة المتر المكعب بحسب النطاق الجغرافي، ففي بلدة مرجعيون جنوب لبنان، بلغ السعر 1.61 دولار لكل متر من الركام تجري إزالته، في مقابل 2.61 دولار في قرى صور، و3.61 دولار في مدينتي صور والنبطية، أما المجموعة التي تضم قرى صيدا وجزين والنبطية وحاصبيا والبقاع الغربي، فبلغ السعر فيها 2.11 دولار، فيما سُجّل في بنت جبيل 3.125 دولار.
غير أن الأرقام الواردة في الجدول لا تتطابق بالكامل مع رد آخر منشور باسم “مجلس الجنوب”، أورد سعراً مقداره 3.12 دولار للمتر المكعب في بنت جبيل، و3.61 دولار في مدينتي صور والنبطية، و2.3 دولار لمجموعات أخرى، وبينما يبدو الفارق بين 3.125 و3.12 دولار مرتبطاً بالتقريب الحسابي، فإن الفوارق الأخرى تحتاج إلى تفسير يستند إلى العقود ودفاتر الشروط والملاحق والمعالجة الضريبية، ولا يكفي اختلاف الأرقام المنشورة وحده لإثبات زيادة غير مبررة في الأسعار.
ويمتد التفاوت إلى القيمة الإجمالية للعقود، فقد تداول أحد التقارير رقماً يبلغ 11.4 مليون دولار لأعمال الجنوب، مرتبطاً بتقدير حجم الركام بنحو 5.35 مليون متر مكعب، فيما أورد آخر قيمة تقارب 15.4 مليون دولار، وهي الأقرب إلى مجموع التلزيمات في الجدول الرسمي، وتكشف هذه الفوارق الحاجة إلى سجل موحد يميز بين قيمة التلزيم الأصلية، وقيمة الأعمال المنفذة، وأية تعديلات لاحقة، ليصبح ممكناً تتبع الأموال من قرار التخصيص إلى الدفع الفعلي.
عقد الضاحية الجنوبية
في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، فُضّت عروض المناقصة في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2025، ورست على شركة “لبنيان” بقيمة 5.5 مليون دولار، وبإضافة هذا العقد إلى مجموع تلزيمات “مجلس الجنوب”، تصل قيمة العقود المذكورة إلى نحو 20.875 مليون دولار، من دون أن يمثل ذلك كامل الإنفاق الوطني على الردميات.
وبحسب مادة تنقل محضر التلزيم، تقدّم 16 عارضاً، تأهلت منهم سبع شركات، وهي “البنيان” و”الأرز للتعهدات والتجارة” و”أبو سعدى إخوان” و”إيلي معلوف” و”صلاح الدين عضاضة” و”حنا الخوري” و”ASD”، وقدمت “البنيان” أدنى سعر وهو 3.65 دولار للمتر المكعب، قبل ضريبة القيمة المضافة البالغة 11 في المئة، بما يعادل حسابياً 4.0515 دولار بعد الضريبة، فيما بلغ أعلى عرض بين المؤهلين 7.3 دولار قبل الضريبة.
لكن اختيار العرض الأدنى لم ينهِ الأسئلة حول الإجراءات، ففي تحقيق نشرته “فايننشال تايمز” الأميركية في الـ 13 من أبريل (نيسان) 2025، أثارت الصحيفة مسألة التعاقد المباشر مع صاحب السعر الأقل، قبل انتهاء مهلة الإعلان، وعدم نشر المستندات حينها، ورد مسؤول العمليات في “البنيان”، علي الموسوي، بأن انخفاض السعر يعود لخبرة الشركة وإيرادات بيع الحديد، نافياً ارتباطاً مباشراً بـ “حزب الله”.
الحديد المخفي
في المقابل، يؤكد إيضاح صادر عن مجلس الجنوب السماح للمتعهد بالانتفاع بالمواد المفروزة، وبذلك يجمع العقد بين بدل الأشغال وإمكان تحقيق إيرادات إضافية من المواد المستخرجة، وفي مقدمها المعادن، وتصبح قيمة الركام نفسه عنصراً مؤثراً في تسعير العرض، إضافة إلى كلفة رفعه ونقله ومعالجته، وبعملية حسابية افتراضية، نفهم الصورة بشكل أوضح.
وفي المادة المتعلقة بتلزيم الضاحية مثلاً، ورد افتراض استخراج 80 كيلوغراماً من الحديد لكل متر مكعب، بسعر 240 دولاراً لطن الخردة، ولإظهار أثر اختلاف الكميات على الإيرادات، فإن معالجة مليون متر مكعب من الردم، بافتراض استخراج 20 كيلوغراماً من الحديد القابل للبيع من كل متر، تنتج 20 ألف طن بإيراد إجمالي يبلغ 4.8 مليون دولار، وعند رفع الافتراض إلى 40 كيلوغراماً، تصبح الكمية 40 ألف طن، والإيرادات 9.6 مليون دولار، أما عند 80 كيلوغراماً، فتصل الكمية إلى 80 ألف طن، والإيرادات إلى 19.2 مليون دولار.
هذه حسابات افتراضية قبل الكُلف، وليست أرباحاً محققة لأية شركة، لكنها توضح لماذا لا يكفي النظر إلى بدل الإزالة لتقييم الصفقة، فالمتعهد يحتسب أيضاً قيمة المواد التي قد يستخرجها ويبيعها في مرحلة لاحقة، بينما تبقى الكميات المباعة وأسعارها وكُلف الفرز والنقل والعمل، وآلية تقاسم العائد مع المتعهدين الفرعيين وأصحاب الأبنية، غير قابلة للتحديد من دون كشوف وفواتير.
ومن هنا يبرز سؤال حق المتضرر، أي صاحب السكن المتضرر أو المحل التجاري أو أية أملاك أخرى، فهل يتضمن اتفاق إزالة منزله تنازلاً عن الحديد والألومنيوم وسائر المواد القابلة للبيع؟ وهل يعرف قيمتها وما يحصل عليه في مقابلها؟ فالأنقاض تبقى بقايا ملكية خاصة، حتى عندما تتولى مؤسسة عامة إدارة رفعها، مما يجعل تحديد حقوق أصحابها جزءاً من شفافية الملف.
وجهات الركام
بعد استخراج المواد القابلة للاستفادة من الدمار الذي خلفته الحروب الأخيرة، يحضر السؤال عن مصير الكميات الباقية من هذا الردم، والتي تكون في الغالب من دون قيمة مادية، ففي الضاحية تشير التقارير إلى مواقع فرز في منطقتي المريجة والأوزاعي، من بينها العقار 338، الذي يحدده أحد التقارير بأنه مملوك لوزارة الأشغال، ويديره اتحاد البلديات، قبل نقل الجزء المناسب إلى مكبّ “الكوستا برافا” للنفايات، الواقع جنوب العاصمة بيروت.
وفي الجنوب تتجه كميات من ركام النبطية إلى بلدتي عين قانا وحبوش، ومن ركام صور إلى بلدتي الرشيدية وطيردبا، بحسب ما أُعلن عن الإشراف وموافقة وزارة البيئة، وقبل الحرب الأخيرة في مارس 2026، كانت نسبة رفع الأنقاض قد بلغت نحو 65 في المئة إجمالاً، ووصلت إلى 75 في المئة في بعض القرى، بينما تعذر الوصول إلى بلدات كفركلا والعديسة ومركبا.
لكن الوجهات المعلنة لا تلغي الأسئلة عن الالتزام بها، فحين وُجهت اتهامات إلى بعض المتعهدين بالرمي العشوائي وتوسيع هوامش الربح، نفى “مجلس الجنوب” انطباقها على ملتزميه، ونسب مخالفات إلى أعمال خاصة ينفذها أصحاب الأبنية أو متعهدون بتكليف منهم.
مطمر يتوسع
يمثل مكب “الكوستا برافا” نقطة التقاء بين ملف الردميات الناتجة من الدمار وإدارة النفايات، إذ يمكن استخدام الركام المطابق للمواصفات في أعمال توسعة المطمر، وفي السياق تقول دراسة لـ “دار الهندسة” اللبنانية إن مساحة ردم تبلغ 150 ألف متر مربع، توفر قدرة إضافية لاستيعاب 575 ألف طن من النفايات، وعمر تشغيل إضافياً مقداره 16 شهراً، عند معدل استقبال يومي يبلغ 1200 طن.
وفي هذا المسار، يظهر اسم جهاد العرب وشركته لناحية إدارة المكب المذكور وتوسعته، وليس بوصفه صاحب عقد إزالة ركام الضاحية، وبذلك يطرح وصول ركام الحرب إلى المطمر سؤالاً عن شروط استخدامه، وقيمته، والجهة التي تستفيد من توفيره.
ويحمل حضور جهاد العرب خلفية مرتبطة بالعقود العامة، فقد أعلنت الخزانة الأميركية في الـ 28 من أكتوبر 2021 فرض عقوبات عليه، ونسبت إليه الاستفادة من علاقات سياسية في الحصول على عقود، وذكرت عقد مطمر بقيمة 288 مليون دولار عام 2016، وهذه الخلفية تعزز أهمية التدقيق في العقود الحالية، لكنها لا تثبت بذاتها وجود مخالفة في استخدام ركام الحرب أو توسعة المطمر.
خريطة الدمار
نحمل هذا الملف ومعه كثير من التساؤلات إلى الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، الذي قال إن حجم الدمار في لبنان يتجاوز صور الأبنية المنهارة التي طبعت مشهد الحرب، ووفق تقديراته، فقد دُمّرت نحو 50 ألف وحدة سكنية بالكامل، فيما لحقت أضرار متفاوتة بنحو 100 ألف وحدة أخرى، تركز معظمها في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع شرق البلاد.
ويشير شمس الدين إلى أن الدمار الكلي أو الجزئي طاول نحو 132 بلدة جنوبية، أي ما يقارب نصف قرى الجنوب وفق تقديره، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن نحو 68 ألف وحدة سكنية مدمرة أو متضررة في الجنوب وحده، وعن أجزاء واسعة من نحو 30 بلدة باتت غير صالحة للسكن، مستنداً إلى المعطيات الميدانية والتواصل مع البلديات والصور التي توثق الأضرار، وفي تفصيل لتوزع الوحدات المدمرة كلياً، يقدّر عددها بنحو 22 ألفاً في قرى الشريط الحدودي مع إسرائيل، و12 ألفاً في مناطق جنوبية أخرى، و9 آلاف في الضاحية الجنوبية، و1200 في البقاع، ويعطي هذا التوزيع مجموعاً يقارب 44 ألف وحدة، أما تقديره الأوسع البالغ نحو 50 ألفاً إلى 51 ألف وحدة، فيرتبط بنطاق رصد أوسع وبتحديث الأرقام، ولذلك يشدد على التعامل مع هذه الحصيلة كتقديرات قابلة للمراجعة مع استكمال المسوحات، لا كإحصاء نهائي.
وتقدم التقييمات الدولية المنشورة حتى عام 2026 مقياساً آخر، وهو عدد المباني لا الوحدات السكنية، ففي المنطقة التي يغطيها تقييم جنوب نهر الليطاني، سُجل تدمير كامل لـ11095 مبنى، وأضرار جزئية في 2242 مبنى، وأضرار طفيفة في 9311 مبنى، مع تقدير الركام الناتج بنحو 3.1 مليون متر مكعب.
ويشمل نطاق هذا التقييم مناطق ضمن أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور وصيدا الجنوبية، ولا يغطي كامل الأضرار في لبنان، ومن ثم لا يمكن وضع أرقام المباني هذه في مواجهة مباشرة مع تقديرات الوحدات السكنية على مستوى البلاد.
وتظهر الخريطة الميدانية تفاوتاً في حجم الدمار داخل الجنوب نفسه، فقد سجل قضاء بنت جبيل أعداداً مرتفعة من الأبنية المدمرة، وتعرضت ميس الجبل والطيبة في قضاء مرجعيون، وبرج الشمالي والناقورة في قضاء صور، لأضرار واسعة، ويشير شمس الدين أيضاً إلى تقدير سابق بأن مساحة الشريط الحدودي الذي طاوله الدمار تمتد على نحو 300 كيلومتر مربع، فيما فقدت أجزاء من بلدات عدة وظيفتها السكنية والتجارية.
وتساعد هذه الفوارق في فهم تباين أرقام الركام، فتقدير 3.1 مليون متر مكعب يتعلق بنطاق جنوبي محدد، بينما تتحدث تقديرات وطنية أوسع عن أكثر من 10 ملايين طن، ضمن المجال المتداول البالغ 10 إلى 14 مليون طن، والوحدتان مختلفتان أيضاً، فالمتر المكعب يقيس الحجم والطن يقيس الوزن، ولا تصح المقارنة المباشرة بينهما من دون تحديد كثافة الركام ومكوناته.
وبالنسبة إلى شمس الدين، فلا تكمن خطورة الدمار في رقم واحد، بل في اجتماع عشرات آلاف المساكن المتضررة مع اتساع رقعة البلدات المصابة، وتراكم ملايين الأمتار المكعبة من الأنقاض، وهذه الخريطة، الممتدة من الحدود الجنوبية إلى الضاحية والبقاع، تحدد حجم العمل الذي ينتظر لبنان، قبل أن تستعيد المناطق المدمرة قدرتها على السكن والحياة.
ثروة الركام
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة أن ملايين الأطنان من الركام التي خلّفتها الحرب يمكن أن تتحول من عبء بيئي ومالي إلى مورد لإعادة الإعمار، إذا خضعت للفرز والمعالجة وفق معايير واضحة، مشيراً إلى تقديرات تتراوح ما بين 10 و14 مليون طن، تتركز في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، وتضم خرسانة وحجارة وحديداً يمكن استردادها بدلاً من الاكتفاء بنقلها إلى مواقع التخلص.
ويوضح عجاقة أن تكسير حطام الخرسانة يتيح إنتاج ركام معاد تدويره يصلح لطبقات تأسيس الطرق وأعمال الردم وبعض مشاريع تأهيل المحاجر، وقد يحل، بحسب تقديراته، محل 30 إلى 50 في المئة من الركام الطبيعي المستخدم في هذه الأعمال، مما يخفف الحاجة إلى استخراج مواد جديدة ونقلها، وكذلك يمكن فصل حديد التسليح باستخدام معدات مغناطيسية وإعادته لدورة الإنتاج، وهو ما يوافر مادة أولية محلية، ويحد من الحاجة إلى استيراد الصلب والطلب على الدولار.
ويقدّر عجاقة أن إعادة التدوير محلياً قد تخفض كلفة بعض المواد بنسبة تتراوح ما بين 25 و40 في المئة لكل متر مكعب مقارنة بالركام الطبيعي، لكن تحقيق هذا الوفر يتوقف على المسافة بين مواقع الدمار ومراكز المعالجة.
ويقول “إذا لم تتوافر مراكز إقليمية على مسافة تقارب 15 كيلومتراً، فقد تلتهم كلفة النقل والوقود القيمة السوقية للمواد المستخرجة”، ولذلك يقترح وحدات تكسير متنقلة قريبة من المناطق المتضررة، تقلل حركة الشاحنات وتتيح معالجة جزء من الركام قرب مصدره.
وتسبق الجدوى الاقتصادية، في رأيه، شروطُ السلامة، فقد يحوي ركام الحروب الأسبستوس والمعادن الثقيلة والغبار السام، فضلاً عن احتمال وجود ذخائر غير منفجرة، ويستدعي ذلك فحص المواد الخطرة وعزلها قبل الفرز والتدوير، مما يرفع كلفة التشغيل ويجعل التمويل العام أو دعم الجهات المانحة ضرورياً في المراحل الأولى.
ويضيف عجاقة أن السوق اللبنانية تحتاج إلى معايير أكثر وضوحاً لاستخدام مواد البناء المعاد تدويرها، فالقانون رقم (80) لعام 2018، المتعلق بالإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، لا يوفر، وفق قراءته، إطاراً عملياً كافياً يطمئن المهندسين والمقاولين إلى مواصفات هذه المواد واستخداماتها، وكذلك تعوق الأزمة المصرفية تمويل معدات التكسير والفرز والفصل المغناطيسي وضبط الغبار، ومن هنا يدعو عجاقة إلى أن يخلق القطاع العام طلباً أولياً، عبر استخدام الركام المعاد تدويره في مشاريع البنية التحتية، بالتوازي مع تخصيص تمويل دولي لعمليات المعالجة.
أما الخطر الذي يتجاوز الحسابات التقنية، فيرتبط بطريقة التعاقد، فالإزالة الطارئة قد تدفع نحو تلزيمات سريعة يصعب تتبع كمياتها وعائداتها، ولذلك يشدد عجاقة على نشر العقود وبيانات النقل والفرز والتدوير، باعتبارها شرطاً لمعرفة ما إذا كان الركام سيخفض فاتورة إعادة الإعمار، أم سيضيف إليها كلفة جديدة.









