لندن: أموال الأسد المجمّدة… هل تعود إلى ضحايا نظامه؟

الكاتب: ايمان شمص | المصدر: اساس ميديا
5 آب 2026

كشف تحقيق استقصائيّ لصحيفة الأوبزرفر البريطانيّة أنّ عشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينيّة، التي يُعتقد أنّها تعود إلى الرئيس السوريّ السابق بشّار الأسد وأفراد عائلته، لا تزال مجمّدة في حساب مصرفيّ في لندن، وأنّه قد يكون من الممكن إخضاعها للعقوبات والسعي إلى توظيفها في تعويض ضحايا النظام السوريّ.

 

وفقاً للتحقيق، يقود إياد حامد، الباحث السوريّ المتخصّص في شؤون العقوبات، والذي يعيش في المنفى في لندن منذ أكثر من عقد، جهوداً لتعقّب أصول عائلة الأسد. وقد أمضى سنوات في تتبّعها عبر شبكة معقّدة من عمليّات غسل الأموال في موسكو، والملاذات الضريبيّة الخارجيّة، والشركات الوهميّة التي أُنشئت في مالطا وجزر سيشيل. وبالتعاون مع خبراء في البرنامج السوريّ للتطوير القانونيّ، ومقرّه لندن، عمل حامد على تحديد أماكن أصول عائلة الأسد والتأكّد من بقائها خاضعة للعقوبات، أملاً في إعادتها، حيثما كان ذلك ممكناً من الناحية القانونيّة، إلى ضحايا النظام السوريّ.

خيط بريطانيّ يقود إلى 55 مليون جنيه مجمّدة

يشير التحقيق إلى أنّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة قدّرت، عام 2022، صافي ثروة عائلة الأسد بما يراوح بين مليار ومليارَي دولار، موضحةً أنّ معظمها جُمع من الاتّجار بالسلاح والكبتاغون. إلّا أنّ الحكومة الأميركيّة أقرّت بأنّ هذه التقديرات غير دقيقة، بسبب استخدام العائلة شبكة من الشركات الوهميّة والحسابات المصرفيّة والمحافظ العقاريّة والوسطاء، علاوة على تسجيل الأصول في ملاذات ضريبيّة أو بأسماء أشخاص آخرين.

بحسب التحقيق، كانت إحدى المحطّات المفصليّة في أيلول 2024، عندما شارك حامد، البالغ من العمر 39 عاماً، في اجتماع عُقد في العاصمة البولنديّة وارسو، وجمع محامين وخبراء في العقوبات ناقشوا آليّة قانونيّة للاستفادة من أصول سوريّة مجمّدة تقدّر قيمتها بنحو مليار دولار. وتمحورت الفكرة حول تحويل تلك الأموال إلى صندوق مخصّص لتعويض ضحايا نظام الأسد، بدلاً من إبقائها مجمّدة لدى الحكومات الأجنبيّة.

يكشف التقرير أنّ محامين أميركيّين زوّدوا حامد، خلال اجتماع وارسو، بوثائق قضائيّة بريطانيّة تشير إلى احتمال وجود جزء من ثروة الأسد في بريطانيا، وهو ما اعتبره الفريق خيطاً مهمّاً في مسار التحقيق. وتوضح الوثائق أنّ المحكمة العليا البريطانيّة ناقشت وجود ما لا يقلّ عن 40 مليون جنيه إسترليني مودعة في أحد فروع بنك “HSBC” في لندن، تعود إلى الفترة التي كان فيها بشّار الأسد يقيم في بريطانيا، قبل أن يغادر عمله في طبّ العيون في مستشفى “ويسترن آي” في مارليبون، ويعود إلى سوريا عام 1994، ويتولّى الحكم عام 2000. وتشير تقارير نُشرت في كانون الأوّل 2024 إلى أنّ المبلغ قد يكون ارتفع، بفعل الفوائد المتراكمة، إلى نحو 55 مليون جنيه إسترليني.

أموال الأسد بين التّجميد والمصادرة

يعتبر حامد أنّ احتمال وجود ثروة شخصيّة للأسد في حساب مصرفيّ بريطانيّ يمثّل فرصة نادرة للاستفادة منها في التعويض على الضحايا. ويعتقد الفريق أنّ الحساب المزعوم خضع للعقوبات الأوروبيّة المفروضة على الأسد منذ عام 2011، وهو ما حال دون وصول صاحبه إليه أو التصرّف فيه. ويأمل حامد وزملاؤه استخدام الفوائد المتراكمة على تلك الأموال، أو الأموال نفسها إذا أتاح القانون ذلك مستقبلاً، للتعويض على الضحايا.

لكنّ هذه الجهود اصطدمت برفض كلّ من وزارة الخزانة البريطانيّة وبنك HSBC تأكيد وجود الحساب أو نفيه. ويقارن التحقيق بين الموقف البريطانيّ وتجارب دول أخرى استخدمت الأصول المجمّدة أو عائداتها لأغراض التعويض وإعادة الإعمار. فقد أسّست السلطات الأوكرانيّة عام 2022 آليّة قانونيّة لمصادرة الأصول التي يمتلكها رجال أعمال روس بارزون في أوكرانيا، وتوجيه عائداتها إلى جهود إعادة الإعمار. وخصّص الاتّحاد الأوروبيّ 1.4 مليار يورو من الفوائد المتراكمة على أموال البنك المركزيّ الروسيّ المجمّدة لدعم أوكرانيا وشراء السلاح.

يشير التحقيق أيضاً إلى أنّ المحاكم الأميركيّة تمتلك تاريخاً طويلاً في استخدام الأصول الخاضعة للعقوبات لتعويض ضحايا جرائم ارتبطت بدول أجنبية. ففي آذار، قضت محكمة فدراليّة في جنوب نيويورك بمنح 318 مليون دولار من عائدات بيع برج مكاتب في مانهاتن، كان مملوكاً لمصرف إيرانيّ تابع للحكومة، لضحايا جماعات مرتبطة بإيران، بينهم ضحايا تفجير ثكنة عسكريّة أميركيّة في بيروت.

أمّا في بريطانيا فيوضح التحقيق أنّ التشريع البريطانيّ لا يجيز حاليّاً مصادرة أصول الحكّام أو الأوليغارشيات الخاضعة للعقوبات وتحويلها إلى الضحايا، بل يقتصر على تجميدها. ويستشهد التقرير بتصريحات لوزيرة التنمية الدوليّة البريطانيّة جينيفر تشابمان، التي وصفت نظام العقوبات البريطانيّ بأنّه يسمح بتجميد الأصول من دون مصادرتها.

قضيّة قضائيّة تكشف لغز أموال الأسد في لندن

يتناول التحقيق الخلفيّة القانونيّة لظهور مزاعم الحساب المصرفيّ للأسد، والتي تعود إلى قضيّة اختطاف طائرة مصر للطيران، الرحلة رقم 648، عام 1985. فقد اختطف مسلّحون فلسطينيّون الطائرة بعد إقلاعها من أثينا باتّجاه القاهرة، وأجبروها على الهبوط في مالطا. وخلال الحادثة، أُطلق النار على عدد من الركّاب، ثمّ انتهى اقتحام الطائرة بمقتل 56 شخصاً آخرين وتدميرها بصورة شبه كاملة.

انتهت القضيّة بحكم قضائيّ يقضي بدفع 51.5 مليون دولار لمجموعة من المدّعين، بينهم اتّحاد شركات تأمين الطيران الذي طالب بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالطائرة. وأدّى ذلك إلى إطلاق بحث دوليّ عن أصول مجمّدة تابعة لنظام الأسد لتسديد المبلغ، مع تركيز خاصّ على لندن، حيث كان بشّار الأسد وزوجته أسماء يعيشان في أوائل التسعينيّات.

وفقاً للوثائق القضائيّة التي حصلت عليها “الأوبزرفر”، امتلكت شركات التأمين، منذ عام 2009، أسباباً دفعتها إلى الاعتقاد بأنّ للأسد حساباً لدى بنك “HSBC”  تتجاوز قيمته المبلغ المحكوم به، لكنّها لم تتمكّن من إثبات ذلك. وأفاد البنك بعدم العثور على حساب باسم بشّار الأسد، ما دفع خبراء، بينهم حامد، إلى ترجيح أن يكون الحساب مسجّلاً باسم شخص آخر، انسجاماً مع الأساليب التي اتبعتها شبكة الأسد لإخفاء الأصول.

غموض حكوميّ يعرقل كشف الأصول وتعويض الضّحايا

يضيف التحقيق أنّ المحكمة العليا البريطانيّة أقرّت بأنّ وزارة الخزانة تمتلك صلاحيّة الكشف عن المعلومات المتعلّقة بالأصول، لكنّها تركت قرار الإفصاح للوزارة نفسها، فبقي الملفّ دون حسم. وفي ردّها على “الأوبزرفر”، رفضت وزارة الخزانة التعليق على قضيّة محدّدة، وأكّد بنك “HSBC” أنّه لا يناقش علاقاته مع العملاء التزاماً بقواعد السرّيّة والامتثال للعقوبات.

يشير التحقيق إلى أنّ وزير الخارجيّة البريطانيّ كان قد تعهّد بعدم السماح باستمرار لندن كملاذ للأموال غير المشروعة التي يملكها حكّام ديكتاتوريّون أو شخصيّات فاسدة، إلّا أنّ التحقيق يلاحظ استمرار غياب آليّة عمليّة تترجم هذه التصريحات إلى إجراءات قانونيّة تتيح استخدام الأصول المجمّدة.

إلى ذلك يعرض التحقيق بيانات مكتب إنفاذ العقوبات الماليّة البريطاني، التي تظهر تجميد أصول روسيّة وبيلاروسية وليبيّة بقيمة 37 مليار جنيه إسترليني، إضافة إلى أصول سوريّة خاضعة للعقوبات تبلغ قيمتها 383.5 مليون جنيه إسترليني، من دون الإفصاح عن مواقعها أو هويّة أصحابها.

في مقابلة مع المجلّة، انتقدت ليرا نايتينغيل، المسؤولة في منظّمة (REDRESS)، وهي منظّمة حقوقيّة دوليّة مقرّها لندن تُعنى بالدفاع عن ضحايا التعذيب والعمل على حصولهم على العدالة والتعويض، هذا الغموض، موضحةً أنّ الحكومة البريطانيّة تكتفي غالباً بإعلان القيمة الإجماليّة للأصول المجمّدة من دون تقديم معلومات أخرى عنها. ووصفت ذلك بأنّه مشكلة كبيرة تكشف انعداماً واضحاً للشفافيّة. وتدعو المنظّمة بريطانيا إلى إنشاء آليّات لاستخدام الأصول المجمّدة في تعويض ضحايا التعذيب والانتهاكات الحقوقيّة.

يعرض التحقيق تجربة فرنسا بوصفها مثالاً على إمكان استرداد بعض الأصول. فقد أدانت السلطات الفرنسيّة رفعت الأسد، عمّ بشّار الأسد والملقّب بـ”جزّار حماة”، بتهم غسل الأموال واختلاس أموال الدولة السوريّة واستخدامها لبناء إمبراطوريّة عقاريّة في أوروبا. وبدأت فرنسا محادثات مع الحكومة السوريّة الجديدة لإعادة 32 مليون يورو من أمواله المصادرة إلى سوريا.

في المقابل، لم تتّخذ بريطانيا خطوة مماثلة، على الرغم من تحديد قصر في منطقة مايفير في لندن تعود ملكيّته إلى رفعت الأسد وخضوعه للعقوبات. وتقول ناتاليا كوبيش، من منظّمة “REDRESS”، إنّ أحد العقارات التابعة لرفعت الأسد في حيّ مايفير اللندنيّ ما يزال قائماً من دون أيّ خطّة معلنة بشأن مصيره، على الرغم من مرور سنوات على فرض عقوبات عليه، وهو ما يعكس، بحسب رأيها، غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الممتلكات.

يذكر التحقيق أيضاً مثالاً آخر يتعلّق بأنيسة آصف شوكت، ابنة أخت بشّار الأسد، التي تنازلت عام 2019 عن نحو 25 ألف جنيه إسترلينيّ كانت مودعة في حسابها لدى بنك “باركليز”، بعد اتّهامها بارتباط الأموال بأنشطة إجراميّة، إلّا أنّ المبلغ بقي في بريطانيا.

يختم التقرير بالإشارة إلى أنّ الحكومة السوريّة الجديدة تسعى إلى استعادة الأصول السوريّة المجمّدة في أوروبا والولايات المتّحدة. وينقل عن عبدالقادر الحصريّة، حاكم المصرف المركزيّ السوريّ في ظلّ الحكومة الجديدة، تأكيده أنّ استعادة هذه الأموال تبقى ضرورة، حتّى لو لم تكن قيمتها كبيرة، نظراً إلى حاجة سوريا إلى تمويل إعادة الإعمار.

لندن: أموال الأسد المجمّدة… هل تعود إلى ضحايا نظامه؟

الكاتب: ايمان شمص | المصدر: اساس ميديا
5 آب 2026

كشف تحقيق استقصائيّ لصحيفة الأوبزرفر البريطانيّة أنّ عشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينيّة، التي يُعتقد أنّها تعود إلى الرئيس السوريّ السابق بشّار الأسد وأفراد عائلته، لا تزال مجمّدة في حساب مصرفيّ في لندن، وأنّه قد يكون من الممكن إخضاعها للعقوبات والسعي إلى توظيفها في تعويض ضحايا النظام السوريّ.

 

وفقاً للتحقيق، يقود إياد حامد، الباحث السوريّ المتخصّص في شؤون العقوبات، والذي يعيش في المنفى في لندن منذ أكثر من عقد، جهوداً لتعقّب أصول عائلة الأسد. وقد أمضى سنوات في تتبّعها عبر شبكة معقّدة من عمليّات غسل الأموال في موسكو، والملاذات الضريبيّة الخارجيّة، والشركات الوهميّة التي أُنشئت في مالطا وجزر سيشيل. وبالتعاون مع خبراء في البرنامج السوريّ للتطوير القانونيّ، ومقرّه لندن، عمل حامد على تحديد أماكن أصول عائلة الأسد والتأكّد من بقائها خاضعة للعقوبات، أملاً في إعادتها، حيثما كان ذلك ممكناً من الناحية القانونيّة، إلى ضحايا النظام السوريّ.

خيط بريطانيّ يقود إلى 55 مليون جنيه مجمّدة

يشير التحقيق إلى أنّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة قدّرت، عام 2022، صافي ثروة عائلة الأسد بما يراوح بين مليار ومليارَي دولار، موضحةً أنّ معظمها جُمع من الاتّجار بالسلاح والكبتاغون. إلّا أنّ الحكومة الأميركيّة أقرّت بأنّ هذه التقديرات غير دقيقة، بسبب استخدام العائلة شبكة من الشركات الوهميّة والحسابات المصرفيّة والمحافظ العقاريّة والوسطاء، علاوة على تسجيل الأصول في ملاذات ضريبيّة أو بأسماء أشخاص آخرين.

بحسب التحقيق، كانت إحدى المحطّات المفصليّة في أيلول 2024، عندما شارك حامد، البالغ من العمر 39 عاماً، في اجتماع عُقد في العاصمة البولنديّة وارسو، وجمع محامين وخبراء في العقوبات ناقشوا آليّة قانونيّة للاستفادة من أصول سوريّة مجمّدة تقدّر قيمتها بنحو مليار دولار. وتمحورت الفكرة حول تحويل تلك الأموال إلى صندوق مخصّص لتعويض ضحايا نظام الأسد، بدلاً من إبقائها مجمّدة لدى الحكومات الأجنبيّة.

يكشف التقرير أنّ محامين أميركيّين زوّدوا حامد، خلال اجتماع وارسو، بوثائق قضائيّة بريطانيّة تشير إلى احتمال وجود جزء من ثروة الأسد في بريطانيا، وهو ما اعتبره الفريق خيطاً مهمّاً في مسار التحقيق. وتوضح الوثائق أنّ المحكمة العليا البريطانيّة ناقشت وجود ما لا يقلّ عن 40 مليون جنيه إسترليني مودعة في أحد فروع بنك “HSBC” في لندن، تعود إلى الفترة التي كان فيها بشّار الأسد يقيم في بريطانيا، قبل أن يغادر عمله في طبّ العيون في مستشفى “ويسترن آي” في مارليبون، ويعود إلى سوريا عام 1994، ويتولّى الحكم عام 2000. وتشير تقارير نُشرت في كانون الأوّل 2024 إلى أنّ المبلغ قد يكون ارتفع، بفعل الفوائد المتراكمة، إلى نحو 55 مليون جنيه إسترليني.

أموال الأسد بين التّجميد والمصادرة

يعتبر حامد أنّ احتمال وجود ثروة شخصيّة للأسد في حساب مصرفيّ بريطانيّ يمثّل فرصة نادرة للاستفادة منها في التعويض على الضحايا. ويعتقد الفريق أنّ الحساب المزعوم خضع للعقوبات الأوروبيّة المفروضة على الأسد منذ عام 2011، وهو ما حال دون وصول صاحبه إليه أو التصرّف فيه. ويأمل حامد وزملاؤه استخدام الفوائد المتراكمة على تلك الأموال، أو الأموال نفسها إذا أتاح القانون ذلك مستقبلاً، للتعويض على الضحايا.

لكنّ هذه الجهود اصطدمت برفض كلّ من وزارة الخزانة البريطانيّة وبنك HSBC تأكيد وجود الحساب أو نفيه. ويقارن التحقيق بين الموقف البريطانيّ وتجارب دول أخرى استخدمت الأصول المجمّدة أو عائداتها لأغراض التعويض وإعادة الإعمار. فقد أسّست السلطات الأوكرانيّة عام 2022 آليّة قانونيّة لمصادرة الأصول التي يمتلكها رجال أعمال روس بارزون في أوكرانيا، وتوجيه عائداتها إلى جهود إعادة الإعمار. وخصّص الاتّحاد الأوروبيّ 1.4 مليار يورو من الفوائد المتراكمة على أموال البنك المركزيّ الروسيّ المجمّدة لدعم أوكرانيا وشراء السلاح.

يشير التحقيق أيضاً إلى أنّ المحاكم الأميركيّة تمتلك تاريخاً طويلاً في استخدام الأصول الخاضعة للعقوبات لتعويض ضحايا جرائم ارتبطت بدول أجنبية. ففي آذار، قضت محكمة فدراليّة في جنوب نيويورك بمنح 318 مليون دولار من عائدات بيع برج مكاتب في مانهاتن، كان مملوكاً لمصرف إيرانيّ تابع للحكومة، لضحايا جماعات مرتبطة بإيران، بينهم ضحايا تفجير ثكنة عسكريّة أميركيّة في بيروت.

أمّا في بريطانيا فيوضح التحقيق أنّ التشريع البريطانيّ لا يجيز حاليّاً مصادرة أصول الحكّام أو الأوليغارشيات الخاضعة للعقوبات وتحويلها إلى الضحايا، بل يقتصر على تجميدها. ويستشهد التقرير بتصريحات لوزيرة التنمية الدوليّة البريطانيّة جينيفر تشابمان، التي وصفت نظام العقوبات البريطانيّ بأنّه يسمح بتجميد الأصول من دون مصادرتها.

قضيّة قضائيّة تكشف لغز أموال الأسد في لندن

يتناول التحقيق الخلفيّة القانونيّة لظهور مزاعم الحساب المصرفيّ للأسد، والتي تعود إلى قضيّة اختطاف طائرة مصر للطيران، الرحلة رقم 648، عام 1985. فقد اختطف مسلّحون فلسطينيّون الطائرة بعد إقلاعها من أثينا باتّجاه القاهرة، وأجبروها على الهبوط في مالطا. وخلال الحادثة، أُطلق النار على عدد من الركّاب، ثمّ انتهى اقتحام الطائرة بمقتل 56 شخصاً آخرين وتدميرها بصورة شبه كاملة.

انتهت القضيّة بحكم قضائيّ يقضي بدفع 51.5 مليون دولار لمجموعة من المدّعين، بينهم اتّحاد شركات تأمين الطيران الذي طالب بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالطائرة. وأدّى ذلك إلى إطلاق بحث دوليّ عن أصول مجمّدة تابعة لنظام الأسد لتسديد المبلغ، مع تركيز خاصّ على لندن، حيث كان بشّار الأسد وزوجته أسماء يعيشان في أوائل التسعينيّات.

وفقاً للوثائق القضائيّة التي حصلت عليها “الأوبزرفر”، امتلكت شركات التأمين، منذ عام 2009، أسباباً دفعتها إلى الاعتقاد بأنّ للأسد حساباً لدى بنك “HSBC”  تتجاوز قيمته المبلغ المحكوم به، لكنّها لم تتمكّن من إثبات ذلك. وأفاد البنك بعدم العثور على حساب باسم بشّار الأسد، ما دفع خبراء، بينهم حامد، إلى ترجيح أن يكون الحساب مسجّلاً باسم شخص آخر، انسجاماً مع الأساليب التي اتبعتها شبكة الأسد لإخفاء الأصول.

غموض حكوميّ يعرقل كشف الأصول وتعويض الضّحايا

يضيف التحقيق أنّ المحكمة العليا البريطانيّة أقرّت بأنّ وزارة الخزانة تمتلك صلاحيّة الكشف عن المعلومات المتعلّقة بالأصول، لكنّها تركت قرار الإفصاح للوزارة نفسها، فبقي الملفّ دون حسم. وفي ردّها على “الأوبزرفر”، رفضت وزارة الخزانة التعليق على قضيّة محدّدة، وأكّد بنك “HSBC” أنّه لا يناقش علاقاته مع العملاء التزاماً بقواعد السرّيّة والامتثال للعقوبات.

يشير التحقيق إلى أنّ وزير الخارجيّة البريطانيّ كان قد تعهّد بعدم السماح باستمرار لندن كملاذ للأموال غير المشروعة التي يملكها حكّام ديكتاتوريّون أو شخصيّات فاسدة، إلّا أنّ التحقيق يلاحظ استمرار غياب آليّة عمليّة تترجم هذه التصريحات إلى إجراءات قانونيّة تتيح استخدام الأصول المجمّدة.

إلى ذلك يعرض التحقيق بيانات مكتب إنفاذ العقوبات الماليّة البريطاني، التي تظهر تجميد أصول روسيّة وبيلاروسية وليبيّة بقيمة 37 مليار جنيه إسترليني، إضافة إلى أصول سوريّة خاضعة للعقوبات تبلغ قيمتها 383.5 مليون جنيه إسترليني، من دون الإفصاح عن مواقعها أو هويّة أصحابها.

في مقابلة مع المجلّة، انتقدت ليرا نايتينغيل، المسؤولة في منظّمة (REDRESS)، وهي منظّمة حقوقيّة دوليّة مقرّها لندن تُعنى بالدفاع عن ضحايا التعذيب والعمل على حصولهم على العدالة والتعويض، هذا الغموض، موضحةً أنّ الحكومة البريطانيّة تكتفي غالباً بإعلان القيمة الإجماليّة للأصول المجمّدة من دون تقديم معلومات أخرى عنها. ووصفت ذلك بأنّه مشكلة كبيرة تكشف انعداماً واضحاً للشفافيّة. وتدعو المنظّمة بريطانيا إلى إنشاء آليّات لاستخدام الأصول المجمّدة في تعويض ضحايا التعذيب والانتهاكات الحقوقيّة.

يعرض التحقيق تجربة فرنسا بوصفها مثالاً على إمكان استرداد بعض الأصول. فقد أدانت السلطات الفرنسيّة رفعت الأسد، عمّ بشّار الأسد والملقّب بـ”جزّار حماة”، بتهم غسل الأموال واختلاس أموال الدولة السوريّة واستخدامها لبناء إمبراطوريّة عقاريّة في أوروبا. وبدأت فرنسا محادثات مع الحكومة السوريّة الجديدة لإعادة 32 مليون يورو من أمواله المصادرة إلى سوريا.

في المقابل، لم تتّخذ بريطانيا خطوة مماثلة، على الرغم من تحديد قصر في منطقة مايفير في لندن تعود ملكيّته إلى رفعت الأسد وخضوعه للعقوبات. وتقول ناتاليا كوبيش، من منظّمة “REDRESS”، إنّ أحد العقارات التابعة لرفعت الأسد في حيّ مايفير اللندنيّ ما يزال قائماً من دون أيّ خطّة معلنة بشأن مصيره، على الرغم من مرور سنوات على فرض عقوبات عليه، وهو ما يعكس، بحسب رأيها، غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الممتلكات.

يذكر التحقيق أيضاً مثالاً آخر يتعلّق بأنيسة آصف شوكت، ابنة أخت بشّار الأسد، التي تنازلت عام 2019 عن نحو 25 ألف جنيه إسترلينيّ كانت مودعة في حسابها لدى بنك “باركليز”، بعد اتّهامها بارتباط الأموال بأنشطة إجراميّة، إلّا أنّ المبلغ بقي في بريطانيا.

يختم التقرير بالإشارة إلى أنّ الحكومة السوريّة الجديدة تسعى إلى استعادة الأصول السوريّة المجمّدة في أوروبا والولايات المتّحدة. وينقل عن عبدالقادر الحصريّة، حاكم المصرف المركزيّ السوريّ في ظلّ الحكومة الجديدة، تأكيده أنّ استعادة هذه الأموال تبقى ضرورة، حتّى لو لم تكن قيمتها كبيرة، نظراً إلى حاجة سوريا إلى تمويل إعادة الإعمار.

مزيد من الأخبار