وأخيراً اضطرت إيران إلى إعلان أبوّتها لـ”حزب الله”

لأكثر من أربعة عقود، أصرت إيران على التمييز بين دعمها لـ”حزب الله” وبين مسؤوليتها عن قراراته.
كانت تعلن أنها تؤيد الحزب سياسياً وعسكرياً، لكنها كانت ترفض الاعتراف بأنها صاحبة القرار الحاسم في خياراته الاستراتيجية. وكلما طُرحت فكرة إشراكها في معالجة الأزمة اللبنانية، كانت ترد بأن “حزب الله” حزب لبناني مستقل، وأن الدولة اللبنانية هي المرجعية الوحيدة في الشؤون اللبنانية.
في سويسرا، تغير المشهد
مجرد قبول طهران الجلوس مع الولايات المتحدة للبحث في ترتيبات تتعلق بلبنان، وبالهدنة في الجنوب، وبآليات منع التصعيد، يعني أنها انتقلت عملياً من موقع الراعي إلى موقع الشريك المباشر في إدارة الملف. وبذلك، فعلت ما كانت ترفضه طوال سنوات: أقرت، ولو بصورة غير مباشرة، أنها صاحبة التأثير الحاسم على المسار الذي يسلكه “حزب الله”.
المفارقة أن هذا التحول يحقق مطلباً قديماً رفعه خصوم الحزب في لبنان، كما تبنته عواصم عربية وغربية. فهؤلاء كانوا يقولون دائماً إن البحث عن حل لبناني من دون إيران يشبه التفاوض مع النتيجة وترك السبب خارج الغرفة. وإذا كانت طهران تملك القدرة على التأثير في قرارات الحزب، فمن المنطقي أن تكون جزءاً من أي تسوية.
اليوم، يبدو أن إيران اقتنعت بالأمر نفسه. لكن أهمية ما جرى لا تكمن في دخول إيران إلى النقاش اللبناني فحسب، بل في طبيعة الدور الذي دخلت من أجله. فخلافاً لما قد يوحيه المشهد، لم تنتقل الوصاية على القرار اللبناني إلى طهران، ولم تصبح إيران الجهة التي تفاوض باسم لبنان.
فالجمهورية اللبنانية نفسها حاضرة في “خلية منع الاحتكاك” التي أُعلن عن إنشائها بمشاركة الولايات المتحدة وإيران. كما أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل حول الحدود والترتيبات الأمنية والضمانات المستقبلية لا تجري في سويسرا، بل في واشنطن بين الدولة اللبنانية والدولة الإسرائيلية برعاية أميركية.
وهذا يعني أن لبنان لم يُستبدل بإيران على طاولة التفاوض، وأن الدولة اللبنانية لا تزال صاحبة القرار النهائي في أي تفاهم محتمل.
إذن، لماذا احتاجت واشنطن إلى إيران؟
الجواب بسيط: ليس لإعطائها حق التفاوض عن لبنان، بل لمنعها من تعطيل ما قد يتفق عليه اللبنانيون. فالولايات المتحدة تدرك أن الدولة اللبنانية تستطيع التفاوض، لكنها ليست وحدها القادرة على ضمان تنفيذ أي اتفاق يتعلق بالجنوب أو بمستقبل “حزب الله”. ومن هنا جاءت الحاجة إلى إشراك الطرف الذي يملك النفوذ الأكبر على الحزب، ليس لفرض الحل، بل لمنع عرقلته.
في هذا السياق، يمكن فهم كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن لبنان. فهو لا يتحدث فقط عن وقف إطلاق النار، بل عن إعادة تثبيت مرجعية الدولة اللبنانية في قرار الحرب والسلم. ويمكن أيضاً فهم طرح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي دعا إلى الحوار مع “حزب الله” وطمأنة البيئة الشيعية والبحث عن “خيار ثالث يتجاوز منطق الحرب الأهلية أو الحرب مع إسرائيل.
لكنّ ثمة سبباً آخر قد يكون أكثر أهمية وراء التحول الإيراني.
فطهران لم تقرّ بدورها الحاسم في “حزب الله” حباً بالشفافية السياسية، ولا اقتناعاً مفاجئاً بضرورة المشاركة المباشرة في الحلول اللبنانية. ما دفعها إلى ذلك هو إدراكها أن الخناق يضيق تدريجاً على أهم أذرعها الإقليمية وأكثرها قيمة: “درة تاج” ما يسمى محور المقاومة.
فـ”حزب الله” يواجه اليوم تحديات تتجاوز البعد العسكري. ففي الداخل اللبناني تتصاعد المطالب بنزع الشرعية السياسية عن سلاحه وإعادته إلى كنف الدولة. وفي الخارج لا تزال إسرائيل مصرة على استنزافه وإضعافه، حتى لو اضطرت إلى تحمل أثمان عسكرية وأمنية مرتفعة لتحقيق ذلك.
والأخطر من وجهة نظر طهران أن التهديد لم يعد عسكرياً فقط. فالمخاطر السياسية باتت أكبر من المخاطر الميدانية. إذ إن أي تسوية إقليمية أو لبنانية لا تراعي موقع الحزب قد تؤدي إلى تقليص نفوذه ونفوذ إيران معه، في لحظة بدأ فيها لبنان الرسمي والسياسي يظهر استعداداً أكبر لمواجهة النفوذ الإيراني والاعتراض على أدواره في الشأن اللبناني.
من هنا يمكن فهم الاندفاعة الإيرانية نحو طاولة التفاوض. فطهران لا تدافع فقط عن “حزب الله”، بل تدافع عن آخر ركائز نفوذها الفاعل في المشرق. وهي تدرك أن الخطر الذي يواجه الحزب اليوم لا يكمن فقط في الصواريخ أو العمليات العسكرية، بل في احتمال أن يخرج من الحرب أضعف سياسياً وأقل قدرة على التأثير في القرار اللبناني.
ما كشفته سويسرا ليس أن إيران أصبحت صاحبة القرار في لبنان، بل أنها اضطرت أخيراً إلى الاعتراف بأنها صاحبة التأثير الأكبر على الطرف اللبناني الأكثر قوة خارج الدولة. وهذا الاعتراف قد يكون في الوقت نفسه نقطة قوة ونقطة ضعف.
نقطة قوة لأنه يضع المسؤولية حيث يجب أن تكون، ويجعل صاحب النفوذ جزءاً من الحل. ونقطة ضعف لأنه يؤكد، للمرة الأولى بصورة شبه رسمية، أن أزمة لبنان لا تزال تُناقش في جزء منها خارج لبنان.
أما الاختبار الحقيقي، فلن يكون في سويسرا، بل في ما إذا كانت إيران ستستخدم نفوذها لتسهيل تسوية تقودها الدولة اللبنانية، أم أنها ستكتفي بإثبات نفوذها ثم تعود إلى استخدامه ورقة تفاوض في صراعات المنطقة.
وأخيراً اضطرت إيران إلى إعلان أبوّتها لـ”حزب الله”

لأكثر من أربعة عقود، أصرت إيران على التمييز بين دعمها لـ”حزب الله” وبين مسؤوليتها عن قراراته.
كانت تعلن أنها تؤيد الحزب سياسياً وعسكرياً، لكنها كانت ترفض الاعتراف بأنها صاحبة القرار الحاسم في خياراته الاستراتيجية. وكلما طُرحت فكرة إشراكها في معالجة الأزمة اللبنانية، كانت ترد بأن “حزب الله” حزب لبناني مستقل، وأن الدولة اللبنانية هي المرجعية الوحيدة في الشؤون اللبنانية.
في سويسرا، تغير المشهد
مجرد قبول طهران الجلوس مع الولايات المتحدة للبحث في ترتيبات تتعلق بلبنان، وبالهدنة في الجنوب، وبآليات منع التصعيد، يعني أنها انتقلت عملياً من موقع الراعي إلى موقع الشريك المباشر في إدارة الملف. وبذلك، فعلت ما كانت ترفضه طوال سنوات: أقرت، ولو بصورة غير مباشرة، أنها صاحبة التأثير الحاسم على المسار الذي يسلكه “حزب الله”.
المفارقة أن هذا التحول يحقق مطلباً قديماً رفعه خصوم الحزب في لبنان، كما تبنته عواصم عربية وغربية. فهؤلاء كانوا يقولون دائماً إن البحث عن حل لبناني من دون إيران يشبه التفاوض مع النتيجة وترك السبب خارج الغرفة. وإذا كانت طهران تملك القدرة على التأثير في قرارات الحزب، فمن المنطقي أن تكون جزءاً من أي تسوية.
اليوم، يبدو أن إيران اقتنعت بالأمر نفسه. لكن أهمية ما جرى لا تكمن في دخول إيران إلى النقاش اللبناني فحسب، بل في طبيعة الدور الذي دخلت من أجله. فخلافاً لما قد يوحيه المشهد، لم تنتقل الوصاية على القرار اللبناني إلى طهران، ولم تصبح إيران الجهة التي تفاوض باسم لبنان.
فالجمهورية اللبنانية نفسها حاضرة في “خلية منع الاحتكاك” التي أُعلن عن إنشائها بمشاركة الولايات المتحدة وإيران. كما أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل حول الحدود والترتيبات الأمنية والضمانات المستقبلية لا تجري في سويسرا، بل في واشنطن بين الدولة اللبنانية والدولة الإسرائيلية برعاية أميركية.
وهذا يعني أن لبنان لم يُستبدل بإيران على طاولة التفاوض، وأن الدولة اللبنانية لا تزال صاحبة القرار النهائي في أي تفاهم محتمل.
إذن، لماذا احتاجت واشنطن إلى إيران؟
الجواب بسيط: ليس لإعطائها حق التفاوض عن لبنان، بل لمنعها من تعطيل ما قد يتفق عليه اللبنانيون. فالولايات المتحدة تدرك أن الدولة اللبنانية تستطيع التفاوض، لكنها ليست وحدها القادرة على ضمان تنفيذ أي اتفاق يتعلق بالجنوب أو بمستقبل “حزب الله”. ومن هنا جاءت الحاجة إلى إشراك الطرف الذي يملك النفوذ الأكبر على الحزب، ليس لفرض الحل، بل لمنع عرقلته.
في هذا السياق، يمكن فهم كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن لبنان. فهو لا يتحدث فقط عن وقف إطلاق النار، بل عن إعادة تثبيت مرجعية الدولة اللبنانية في قرار الحرب والسلم. ويمكن أيضاً فهم طرح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي دعا إلى الحوار مع “حزب الله” وطمأنة البيئة الشيعية والبحث عن “خيار ثالث يتجاوز منطق الحرب الأهلية أو الحرب مع إسرائيل.
لكنّ ثمة سبباً آخر قد يكون أكثر أهمية وراء التحول الإيراني.
فطهران لم تقرّ بدورها الحاسم في “حزب الله” حباً بالشفافية السياسية، ولا اقتناعاً مفاجئاً بضرورة المشاركة المباشرة في الحلول اللبنانية. ما دفعها إلى ذلك هو إدراكها أن الخناق يضيق تدريجاً على أهم أذرعها الإقليمية وأكثرها قيمة: “درة تاج” ما يسمى محور المقاومة.
فـ”حزب الله” يواجه اليوم تحديات تتجاوز البعد العسكري. ففي الداخل اللبناني تتصاعد المطالب بنزع الشرعية السياسية عن سلاحه وإعادته إلى كنف الدولة. وفي الخارج لا تزال إسرائيل مصرة على استنزافه وإضعافه، حتى لو اضطرت إلى تحمل أثمان عسكرية وأمنية مرتفعة لتحقيق ذلك.
والأخطر من وجهة نظر طهران أن التهديد لم يعد عسكرياً فقط. فالمخاطر السياسية باتت أكبر من المخاطر الميدانية. إذ إن أي تسوية إقليمية أو لبنانية لا تراعي موقع الحزب قد تؤدي إلى تقليص نفوذه ونفوذ إيران معه، في لحظة بدأ فيها لبنان الرسمي والسياسي يظهر استعداداً أكبر لمواجهة النفوذ الإيراني والاعتراض على أدواره في الشأن اللبناني.
من هنا يمكن فهم الاندفاعة الإيرانية نحو طاولة التفاوض. فطهران لا تدافع فقط عن “حزب الله”، بل تدافع عن آخر ركائز نفوذها الفاعل في المشرق. وهي تدرك أن الخطر الذي يواجه الحزب اليوم لا يكمن فقط في الصواريخ أو العمليات العسكرية، بل في احتمال أن يخرج من الحرب أضعف سياسياً وأقل قدرة على التأثير في القرار اللبناني.
ما كشفته سويسرا ليس أن إيران أصبحت صاحبة القرار في لبنان، بل أنها اضطرت أخيراً إلى الاعتراف بأنها صاحبة التأثير الأكبر على الطرف اللبناني الأكثر قوة خارج الدولة. وهذا الاعتراف قد يكون في الوقت نفسه نقطة قوة ونقطة ضعف.
نقطة قوة لأنه يضع المسؤولية حيث يجب أن تكون، ويجعل صاحب النفوذ جزءاً من الحل. ونقطة ضعف لأنه يؤكد، للمرة الأولى بصورة شبه رسمية، أن أزمة لبنان لا تزال تُناقش في جزء منها خارج لبنان.
أما الاختبار الحقيقي، فلن يكون في سويسرا، بل في ما إذا كانت إيران ستستخدم نفوذها لتسهيل تسوية تقودها الدولة اللبنانية، أم أنها ستكتفي بإثبات نفوذها ثم تعود إلى استخدامه ورقة تفاوض في صراعات المنطقة.







