متفجرات ضهر البيدر… عنوان استقواء الدويلة على الدولة!

الكاتب: يوسف دياب | المصدر: هنا لبنان
27 تشرين الأول 2026

ترك القضاء والأجهزة الأمنية وحدهما في مواجهة التهديد يُضعف قدرتهما على أداء مهمّاتهما، ويكرّس سابقةً يصبح معها تطبيق القانون مرتبطًا بموافقة الجهة المعنية بالملاحقة. كما أنّ المطالبة بإطلاق الموقوفين غير مفهومة وغير مبرّرة إطلاقًا، لا سيما أنّ التحقيقات لا تزال تجمع الأدلة. أمّا مصير المتفجّرات المضبوطة، فتحدّده مقتضيات التحقيق والقرارات القضائية، ولا تحسمه المطالبة السياسية باستردادها.

لم يعد التحدّي في قضية متفجّرات ضهر البيدر مقتصرًا على كشف وجهة الشحنة والغاية من نقلها، طالما أنّ الحزب يتبنّاها ويطلب استعادتها، بل بات يطاول قدرة الدولة على التحقيق مع المطلوبين بعيدًا عن التهديدات.

فالحزب، الذي يقرّ بملكية المتفجّرات ويطالب باستعادتها وإطلاق الموقوفين، يرفع سقف المواجهة باعتبار توقيف أي مطلوب بمثابة “عدوان إسرائيلي”، واضعًا القضاء والأجهزة الأمنية أمام معادلة خطيرة: التراجع عن الملاحقة أو مواجهة تبعات تنفيذ القانون. وبين مخاطر الشحنة ومحاولات فرض خطوط حمراء على التحقيق، تقف الدولة أمام امتحان لسلطتها على أمن البلاد، وبالتأكيد ستكون عنوان المواجهة بين الدولة والدويلة.

تمضي الأجهزة القضائية والأمنية في تفكيك ألغاز الشحنة، وسط ضرورة التمييز بين مسارَيْن متداخلَيْن: أمني وقضائي، يهدفان إلى كشف مصدر المتفجرات ووجهتها وتحديد المسؤوليات والمخاطر؛ وسياسي، يتصل بتعامل الحزب مع مؤسّسات الدولة عندما تطاول التحقيقات عناصر أو مسؤولين مرتبطين به.

في المسار الأول، لا يكفي إعلان ملكيّة المتفجّرات لإقفال الملف. فالتحقيق معنيّ بمعرفة ظروف نقلها، والجهة التي أصدرت التعليمات، والأشخاص الذين تولّوا تنفيذها، والوجهة النهائية للشحنة، والغاية من استخدامها. وهذه أسئلة لا تُحسم بموقف سياسي، ولا تسقط مشروعيّتها بمجرّد إقرار الحزب بأن المضبوطات تعود إليه.

وتكتسب هذه الأسئلة خطورةً إضافيةً بالنظر إلى ما قد تمثّله المتفجرات من تهديد للأمن الداخلي، خصوصًا لجهة احتمال استخدامها في اغتيالات سياسية. صحيح أنّ هذا الاحتمال يبقى موضع تدقيق، وليس نتيجة ثابتة يجوز استباق التحقيق بإعلانها. فالمطلوب كشف الغاية الفعليّة من الشحنة بالأدلة، بما يبدّد الشبهات أو يحدّد المسؤوليات، ويفرض الإجراءات الواجب اتخاذها.

أمّا سياسيًا، فإنّ مطالبة الحزب باستعادة المتفجّرات وإطلاق الموقوفين تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يقبل خضوع الشحنة والمسؤولين عنها لسلطة القضاء، أم يعتبر إعلان ملكيّتها كافيًا لإخراجها من نطاق المساءلة؟ فالإقرار بالملكية يضيف أسئلةً إلى التحقيق، ولا يشكّل بحدّ ذاته جوابًا عن مشروعيّة النقل أو غايته.

والأخطر أن اعتبار توقيف المطلوبين “عدوانًا إسرائيليًا” يمنح الإجراءات القضائية توصيفًا عسكريًا، ويضع منفّذيها في موقع الخصومة مع الحزب. وهكذا يتحوّل تنفيذ مذكرة قضائية إلى مواجهة سياسية وأمنية محتملة، فيما يُراد للانتماء الحزبي أن يصبح حصانةً تحول دون الاستدعاء والتحقيق والملاحقة.

وبحسب المعطيات المطروحة، تتوافر معلومات عن صلات لمسؤولين في الحزب بالشحنة، ما يجعل الاستماع إلى المعنيين والتحقّق من أدوارهم ضرورةً لكشف الحقيقة. ورفض التعاون مع التحقيق يُعقّد الوصول إلى الأجوبة، لكنه لا يُعفي المحقّقين من واجب تثبيت الوقائع وبناء ملف متماسك، بعيدًا عن الضغوط والتوظيف السياسي.

هنا تبرز مسؤولية السلطة السياسية في دعم مؤسّساتها وصون استقلال التحقيق. فترك القضاء والأجهزة الأمنية وحدهما في مواجهة التهديد يُضعف قدرتهما على أداء مهمّاتهما، ويكرّس سابقةً يصبح معها تطبيق القانون مرتبطًا بموافقة الجهة المعنية بالملاحقة.

كما أنّ المطالبة بإطلاق الموقوفين غير مفهومة وغير مبرّرة إطلاقًا، لا سيما أنّ التحقيقات لا تزال تجمع الأدلة. أمّا مصير المتفجّرات المضبوطة، فتحدّده مقتضيات التحقيق والقرارات القضائية، ولا تحسمه المطالبة السياسية باستردادها.

في ضهر البيدر، تواجه الدولة سؤالًا يتجاوز الشحنة عينها: مَن يحدّد حدود التحقيق، القضاء أم الحزب؟ والجواب يتوقّف على قدرتها على استكمال الملاحقات، والاستماع إلى كل مَن تستدعي الوقائع التحقيق معه، وترتيب المسؤوليات وفق الأدلة. فأي تراجع تحت التهديد سيجعل الخطوط الحمراء المفروضة على هذا الملف قاعدةً قابلةً للتكرار، ويترك أمن اللبنانيين رهينة موازين القوى.

متفجرات ضهر البيدر… عنوان استقواء الدويلة على الدولة!

الكاتب: يوسف دياب | المصدر: هنا لبنان
27 تشرين الأول 2026

ترك القضاء والأجهزة الأمنية وحدهما في مواجهة التهديد يُضعف قدرتهما على أداء مهمّاتهما، ويكرّس سابقةً يصبح معها تطبيق القانون مرتبطًا بموافقة الجهة المعنية بالملاحقة. كما أنّ المطالبة بإطلاق الموقوفين غير مفهومة وغير مبرّرة إطلاقًا، لا سيما أنّ التحقيقات لا تزال تجمع الأدلة. أمّا مصير المتفجّرات المضبوطة، فتحدّده مقتضيات التحقيق والقرارات القضائية، ولا تحسمه المطالبة السياسية باستردادها.

لم يعد التحدّي في قضية متفجّرات ضهر البيدر مقتصرًا على كشف وجهة الشحنة والغاية من نقلها، طالما أنّ الحزب يتبنّاها ويطلب استعادتها، بل بات يطاول قدرة الدولة على التحقيق مع المطلوبين بعيدًا عن التهديدات.

فالحزب، الذي يقرّ بملكية المتفجّرات ويطالب باستعادتها وإطلاق الموقوفين، يرفع سقف المواجهة باعتبار توقيف أي مطلوب بمثابة “عدوان إسرائيلي”، واضعًا القضاء والأجهزة الأمنية أمام معادلة خطيرة: التراجع عن الملاحقة أو مواجهة تبعات تنفيذ القانون. وبين مخاطر الشحنة ومحاولات فرض خطوط حمراء على التحقيق، تقف الدولة أمام امتحان لسلطتها على أمن البلاد، وبالتأكيد ستكون عنوان المواجهة بين الدولة والدويلة.

تمضي الأجهزة القضائية والأمنية في تفكيك ألغاز الشحنة، وسط ضرورة التمييز بين مسارَيْن متداخلَيْن: أمني وقضائي، يهدفان إلى كشف مصدر المتفجرات ووجهتها وتحديد المسؤوليات والمخاطر؛ وسياسي، يتصل بتعامل الحزب مع مؤسّسات الدولة عندما تطاول التحقيقات عناصر أو مسؤولين مرتبطين به.

في المسار الأول، لا يكفي إعلان ملكيّة المتفجّرات لإقفال الملف. فالتحقيق معنيّ بمعرفة ظروف نقلها، والجهة التي أصدرت التعليمات، والأشخاص الذين تولّوا تنفيذها، والوجهة النهائية للشحنة، والغاية من استخدامها. وهذه أسئلة لا تُحسم بموقف سياسي، ولا تسقط مشروعيّتها بمجرّد إقرار الحزب بأن المضبوطات تعود إليه.

وتكتسب هذه الأسئلة خطورةً إضافيةً بالنظر إلى ما قد تمثّله المتفجرات من تهديد للأمن الداخلي، خصوصًا لجهة احتمال استخدامها في اغتيالات سياسية. صحيح أنّ هذا الاحتمال يبقى موضع تدقيق، وليس نتيجة ثابتة يجوز استباق التحقيق بإعلانها. فالمطلوب كشف الغاية الفعليّة من الشحنة بالأدلة، بما يبدّد الشبهات أو يحدّد المسؤوليات، ويفرض الإجراءات الواجب اتخاذها.

أمّا سياسيًا، فإنّ مطالبة الحزب باستعادة المتفجّرات وإطلاق الموقوفين تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يقبل خضوع الشحنة والمسؤولين عنها لسلطة القضاء، أم يعتبر إعلان ملكيّتها كافيًا لإخراجها من نطاق المساءلة؟ فالإقرار بالملكية يضيف أسئلةً إلى التحقيق، ولا يشكّل بحدّ ذاته جوابًا عن مشروعيّة النقل أو غايته.

والأخطر أن اعتبار توقيف المطلوبين “عدوانًا إسرائيليًا” يمنح الإجراءات القضائية توصيفًا عسكريًا، ويضع منفّذيها في موقع الخصومة مع الحزب. وهكذا يتحوّل تنفيذ مذكرة قضائية إلى مواجهة سياسية وأمنية محتملة، فيما يُراد للانتماء الحزبي أن يصبح حصانةً تحول دون الاستدعاء والتحقيق والملاحقة.

وبحسب المعطيات المطروحة، تتوافر معلومات عن صلات لمسؤولين في الحزب بالشحنة، ما يجعل الاستماع إلى المعنيين والتحقّق من أدوارهم ضرورةً لكشف الحقيقة. ورفض التعاون مع التحقيق يُعقّد الوصول إلى الأجوبة، لكنه لا يُعفي المحقّقين من واجب تثبيت الوقائع وبناء ملف متماسك، بعيدًا عن الضغوط والتوظيف السياسي.

هنا تبرز مسؤولية السلطة السياسية في دعم مؤسّساتها وصون استقلال التحقيق. فترك القضاء والأجهزة الأمنية وحدهما في مواجهة التهديد يُضعف قدرتهما على أداء مهمّاتهما، ويكرّس سابقةً يصبح معها تطبيق القانون مرتبطًا بموافقة الجهة المعنية بالملاحقة.

كما أنّ المطالبة بإطلاق الموقوفين غير مفهومة وغير مبرّرة إطلاقًا، لا سيما أنّ التحقيقات لا تزال تجمع الأدلة. أمّا مصير المتفجّرات المضبوطة، فتحدّده مقتضيات التحقيق والقرارات القضائية، ولا تحسمه المطالبة السياسية باستردادها.

في ضهر البيدر، تواجه الدولة سؤالًا يتجاوز الشحنة عينها: مَن يحدّد حدود التحقيق، القضاء أم الحزب؟ والجواب يتوقّف على قدرتها على استكمال الملاحقات، والاستماع إلى كل مَن تستدعي الوقائع التحقيق معه، وترتيب المسؤوليات وفق الأدلة. فأي تراجع تحت التهديد سيجعل الخطوط الحمراء المفروضة على هذا الملف قاعدةً قابلةً للتكرار، ويترك أمن اللبنانيين رهينة موازين القوى.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار