3 ملفات أساسية لم تُحسم بعد: مشروع إعادة الودائع… على السكة؟

الكاتب: المحلل الاقتصادي | المصدر: نداء الوطن
6 تشرين الثاني 2026

لم يعد السؤال المطروح اليوم في ملف الودائع، ما إذا كانت هناك تصورات لإعادة الحقوق الى أصحابها، بل متى وكيف يمكن تحويل الأفكار المتراكمة إلى التزامات مالية فعلية، ومن سيتحمّل كلفة الخسائر، وما الضمانات التي تحول دون تعثّر جديد؟

بعد أكثر من سبع سنوات على الانهيار المالي، لا يزال ملف استعادة الودائع يدور في حلقة من المفاوضات والمشاريع والمبادئ التي لم تتحول بعد إلى خطة تنفيذية واضحة. وإذا كان هناك ما يمكن استخلاصه من مسار النقاشات الأخيرة، فهو أن العقدة لم تعد محصورة في صياغة قانون الفجوة المالية، بل باتت تتعلق أساساً بتحديد المسؤوليات المالية وتوزيع الخسائر وتوفير الموارد اللازمة لإعادة الأموال إلى أصحابها.

في هذا السياق، لا تزال هناك ثلاثة ملفات أساسية من دون حسم. وقد سبق لمصرف لبنان أن أشار اليها في أيار 2025، عندما أعلن عن “الإطار العام لإعادة هيكلة القطاع المصرفي”، وهي: آلية توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، تحديد التزامات الدولة تجاه المصرف المركزي، وتحديد المبالغ التي يمكن إعادتها للمودعين والجدول الزمني لتسديدها.

هذه المسائل الثلاث لا تزال تشكّل جوهر المأزق الحالي. فبعد إقرار مشروع قانون الفجوة المالية في مجلس الوزراء في كانون الأول 2025، سجل مصرف لبنان ملاحظاته على هذه النقاط، فيما اعترض صندوق النقد الدولي على الصيغة الأولى للمشروع، ما أدّى إلى البحث عن آلية مشتركة لتجاوز الخلافات. لكن المداولات لم تستمر، بعدما اعتبر مصرف لبنان أن النقاشات لم تعد تقوم على التفاهم بين الأطراف، فانسحب منها، الأمر الذي أدّى، إلى توقف المسار، قبل أن يعود الصندوق ويطلب مساهمة مصرف لبنان مجدداً، باعتبار أن الوصول إلى تسوية لا يمكن أن يتم من دون مشاركة فعلية للبنك المركزي.

لكن ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى المودعين؟

أولاً، إن مبدأ تراتبية الحقوق والمطالبات، الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية لأي معالجة للخسائر، لا يمكن تطبيقه بمعزل عن إعادة رسملة المصارف. فتحميل المصارف والمودعين الأعباء وفق تسلسل قانوني محدد، من دون إعادة بناء رساميل المؤسسات القادرة على الاستمرار، قد يؤدي إلى إضعاف القطاع المصرفي بدلاً من إعادة تأهيله. والمطلوب، بالتالي، ليس فقط تحديد من يتحمل الخسائر، بل أيضاً ضمان قيام قطاع مصرفي قادر على استعادة دوره في تمويل الاقتصاد.

ثانياً، تبقى مسؤولية الدولة تجاه مصرف لبنان إحدى العقد الأساسية. فالمطلوب تحديد هذه الالتزامات بصورة دقيقة ورقمية، بما يسمح بتحديد ما يمكن أن يساهم به المصرف المركزي في إعادة الأموال إلى المودعين. وهنا تظهر حدود الحلول المطروحة: الحكومة تدّعي انها لا تستطيع الالتزام بتسديد مبالغ لا تملك القدرة على تحملها، لكن عدم تحديد مساهمتها يترك فجوة أساسية بلا معالجة، ويجعل الوعود بإعادة الودائع معلّقة.

ثالثاً، لا يمكن وضع جدول زمني جدي للتسديد قبل إجراء تقييم دقيق للسيولة المتاحة في النظام المصرفي، وفي مصرف لبنان. فإقرار مبالغ ومهل زمنية لا تتناسب مع الإمكانات الفعلية قد يفتح الباب أمام تعثر جديد، بدلاً من أن يشكل بداية لاستعادة الثقة.

من هنا، يبدو أن المرحلة المقبلة تتطلب اتفاقاً سياسياً ومالياً واضحاً بين الحكومة ومصرف لبنان وصندوق النقد الدولي، من دون خلط الأدوار والصلاحيات. فالصندوق يمكنه تقديم المشورة، والحكومة تتحمل مسؤولية تحديد مساهمة الدولة، فيما يبقى مصرف لبنان مسؤولاً عن صلاحياته التنظيمية والرقابية وتطبيق ما سيقرّه القانون.

في المحصلة، لا يزال لبنان أمام مسافة تفصله عن استعادة الودائع. فالمبادئ الأساسية أصبحت معروفة، لكن العنصر الأكثر أهمية بالنسبة إلى المودع، لم يُحسم بعد: كم سيستعيد من أمواله، ومتى، ومن أين ستأتي الأموال؟ وهذه هي الأسئلة التي يُفترض أن يجيب عنها أي قانون للفجوة المالية، إذا كان المطلوب أن يكون مدخلاً فعلياً للحل، لا مجرد محطة جديدة في مسار إدارة الأزمة.

3 ملفات أساسية لم تُحسم بعد: مشروع إعادة الودائع… على السكة؟

الكاتب: المحلل الاقتصادي | المصدر: نداء الوطن
6 تشرين الثاني 2026

لم يعد السؤال المطروح اليوم في ملف الودائع، ما إذا كانت هناك تصورات لإعادة الحقوق الى أصحابها، بل متى وكيف يمكن تحويل الأفكار المتراكمة إلى التزامات مالية فعلية، ومن سيتحمّل كلفة الخسائر، وما الضمانات التي تحول دون تعثّر جديد؟

بعد أكثر من سبع سنوات على الانهيار المالي، لا يزال ملف استعادة الودائع يدور في حلقة من المفاوضات والمشاريع والمبادئ التي لم تتحول بعد إلى خطة تنفيذية واضحة. وإذا كان هناك ما يمكن استخلاصه من مسار النقاشات الأخيرة، فهو أن العقدة لم تعد محصورة في صياغة قانون الفجوة المالية، بل باتت تتعلق أساساً بتحديد المسؤوليات المالية وتوزيع الخسائر وتوفير الموارد اللازمة لإعادة الأموال إلى أصحابها.

في هذا السياق، لا تزال هناك ثلاثة ملفات أساسية من دون حسم. وقد سبق لمصرف لبنان أن أشار اليها في أيار 2025، عندما أعلن عن “الإطار العام لإعادة هيكلة القطاع المصرفي”، وهي: آلية توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، تحديد التزامات الدولة تجاه المصرف المركزي، وتحديد المبالغ التي يمكن إعادتها للمودعين والجدول الزمني لتسديدها.

هذه المسائل الثلاث لا تزال تشكّل جوهر المأزق الحالي. فبعد إقرار مشروع قانون الفجوة المالية في مجلس الوزراء في كانون الأول 2025، سجل مصرف لبنان ملاحظاته على هذه النقاط، فيما اعترض صندوق النقد الدولي على الصيغة الأولى للمشروع، ما أدّى إلى البحث عن آلية مشتركة لتجاوز الخلافات. لكن المداولات لم تستمر، بعدما اعتبر مصرف لبنان أن النقاشات لم تعد تقوم على التفاهم بين الأطراف، فانسحب منها، الأمر الذي أدّى، إلى توقف المسار، قبل أن يعود الصندوق ويطلب مساهمة مصرف لبنان مجدداً، باعتبار أن الوصول إلى تسوية لا يمكن أن يتم من دون مشاركة فعلية للبنك المركزي.

لكن ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى المودعين؟

أولاً، إن مبدأ تراتبية الحقوق والمطالبات، الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية لأي معالجة للخسائر، لا يمكن تطبيقه بمعزل عن إعادة رسملة المصارف. فتحميل المصارف والمودعين الأعباء وفق تسلسل قانوني محدد، من دون إعادة بناء رساميل المؤسسات القادرة على الاستمرار، قد يؤدي إلى إضعاف القطاع المصرفي بدلاً من إعادة تأهيله. والمطلوب، بالتالي، ليس فقط تحديد من يتحمل الخسائر، بل أيضاً ضمان قيام قطاع مصرفي قادر على استعادة دوره في تمويل الاقتصاد.

ثانياً، تبقى مسؤولية الدولة تجاه مصرف لبنان إحدى العقد الأساسية. فالمطلوب تحديد هذه الالتزامات بصورة دقيقة ورقمية، بما يسمح بتحديد ما يمكن أن يساهم به المصرف المركزي في إعادة الأموال إلى المودعين. وهنا تظهر حدود الحلول المطروحة: الحكومة تدّعي انها لا تستطيع الالتزام بتسديد مبالغ لا تملك القدرة على تحملها، لكن عدم تحديد مساهمتها يترك فجوة أساسية بلا معالجة، ويجعل الوعود بإعادة الودائع معلّقة.

ثالثاً، لا يمكن وضع جدول زمني جدي للتسديد قبل إجراء تقييم دقيق للسيولة المتاحة في النظام المصرفي، وفي مصرف لبنان. فإقرار مبالغ ومهل زمنية لا تتناسب مع الإمكانات الفعلية قد يفتح الباب أمام تعثر جديد، بدلاً من أن يشكل بداية لاستعادة الثقة.

من هنا، يبدو أن المرحلة المقبلة تتطلب اتفاقاً سياسياً ومالياً واضحاً بين الحكومة ومصرف لبنان وصندوق النقد الدولي، من دون خلط الأدوار والصلاحيات. فالصندوق يمكنه تقديم المشورة، والحكومة تتحمل مسؤولية تحديد مساهمة الدولة، فيما يبقى مصرف لبنان مسؤولاً عن صلاحياته التنظيمية والرقابية وتطبيق ما سيقرّه القانون.

في المحصلة، لا يزال لبنان أمام مسافة تفصله عن استعادة الودائع. فالمبادئ الأساسية أصبحت معروفة، لكن العنصر الأكثر أهمية بالنسبة إلى المودع، لم يُحسم بعد: كم سيستعيد من أمواله، ومتى، ومن أين ستأتي الأموال؟ وهذه هي الأسئلة التي يُفترض أن يجيب عنها أي قانون للفجوة المالية، إذا كان المطلوب أن يكون مدخلاً فعلياً للحل، لا مجرد محطة جديدة في مسار إدارة الأزمة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار