كي لا يندم شّيعة لبنان..

الكاتب: خيرالله خيرالله | المصدر: اساس ميديا
28 أيار 2026

يختزل ما تقوم به إيران في لبنان ذلك التوجّه إلى دفع “الحزب” نحو الاستمرار في نهج الانتحار، وهو نهج يبدو أنّ إيران مصرّة على أخذ البلد، ومعه أبناء الطائفة الشيعيّة، إليه. من الواضح أن لا همّ لإيران، كنظام، غير جعل لبنان ضحيّة من ضحايا مشروعها التوسّعيّ بدءاً بفصله عن محيطه العربيّ.

 

يؤكّد المعروض إيرانيّاً على لبنان كلام واضح لعبّاس عراقجي وزير الخارجيّة الإيرانيّ. أبلغ عراقجي نعيم قاسم قبل أيّام قليلة الآتي: “إنّ الجمهوريّة الإسلاميّة، حتّى اللحظة الأخيرة، لن تتخلّى عن دعم الحركات المطالِبة بالحقّ والحرّيّة وعلى رأسها “الحزب” المقاوم والمنتصر. منذ اللحظة الأولى التي تدخّلت فيها بعض دول المنطقة كوسيط بقصد خفض التوتّر بين الجمهوريّة الإسلاميّة والولايات المتّحدة الأميركيّة طرحت إيران ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأيّ اتّفاق”.

يكشف كلام عراقجي أمرين. يتمثّل الأمر الأوّل في مدى تمسّك “الجمهوريّة الإسلاميّة” بورقة لبنان. أمّا الأمر الثاني فهو يتمثّل في تأكيد أنّ لبنان سيكون الخاسر الأكبر في حال توصُّل إيران إلى اتّفاق مع إدارة دونالد ترامب. تريد إيران إيصال اللبنانيّين وشيعة لبنان إلى يوم لا ينفع فيه الندم وذلك بغية الوصول إلى اتّفاق يؤدّي إلى صفقة مع “الشيطان الأكبر”.

“الحزب المنتصر”

عندما يتحدّث وزير الخارجيّة الإيرانيّ عن “الحزب المنتصر”، وهو حزب يريد التخلّص من حكومة نوّاف سلام من دون سحب وزيرَيه منها، فهو يعلم قبل غيره أنّ الانتصار الوحيد الذي يستطيع “الحزب” تحقيقه هو الانتصار على لبنان واللبنانيّين، بمن في ذلك الشيعة. كيف يمكن الحديث عن “انتصار” في وقت يوجد فيه ما يزيد على مليون نازح شيعيّ، وفي وقت تتابع إسرائيل عمليّة تدمير القرى والبلدات الجنوبيّة لأسباب مرتبطة بأمنها من جهة، ورغبتها في إقامة منطقة عازلة من جهة أخرى… أكثر من ذلك، قرّرت إسرائيل، بغطاء أميركيّ، تغيير طبيعة لبنان مع تركيز واضح على جنوبه؟

يظلّ أخطر ما في الأمر أنّ بنيامين نتنياهو لن يأخذ في الاعتبار، بموافقة أميركيّة، رغبة إيران في ربط ملفّها بالملفّ اللبنانيّ. لن يعني التوصّل إلى اتّفاق لوقف إطلاق النار بين “الجمهوريّة الإسلاميّة” والولايات المتّحدة شيئاً بالنسبة إلى لبنان ما دامت إسرائيل تمتلك حسابات خاصّة تتعلّق بالبلد الصغير وجنوبه. يشير إلى ذلك توقّف الضربات الأميركيّة والإسرائيليّة لأهداف في إيران نفسها فيما الضغط العسكريّ مستمرّ على لبنان في مناطق تقع جنوب الليطاني وشماله في آن. عندما وجدت حكومة بنيامين نتنياهو أنّ هناك هدفاً مهمّاً لها في بيروت، قصفت شقّة في الضاحية الجنوبيّة وتخلّصت من أحد قياديّي “الحزب”.

رسالة العقوبات

لا ينقذ لبنان غير الفصل نهائيّاً بين ملفّه وملفّ إيران. تلك هي الرسالة الأميركيّة الأخيرة التي جاءت عبر عقوبات على مجموعة من الأشخاص، فضلاً عن السفير الإيرانيّ محمّد رضا شيباني “غير المرغوب به” في لبنان. كان، بين هؤلاء، أيضاً، مسؤولان في حركة أمل يُعتبران بين الأقرب للرئيس نبيه برّي الذي يرفض، أقلّه إلى الآن، أخذ موقف صريح من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

يتصرّف برّي كما لو أنّ ما يحدث في جنوب لبنان مجرّد حدث عابر وليس عمليّة جراحيّة تقوم بها إسرائيل في ظلّ اختلال كامل في موازين القوى بين ما يسمّى “المقاومة”، التي ليست سوى أداة إيرانيّة، من جهة والآلة العسكريّة الإسرائيليّة من جهة أخرى. ما البديل الذي لدى رئيس مجلس النوّاب، الذي يبدو أنّ الجانب الأميركيّ بدأ يشعر باليأس تجاهه، غير المفاوضات المباشرة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجنوب؟

أليس لدى أحد قطبَي “الثنائيّ الشيعيّ” من يحيطه علماً بما حلّ بغزّة وأهلها وتوسيع إسرائيل للمساحة المحتلّة في القطاع؟

مع التوصّل إلى اتّفاق أميركيّ – إيرانيّ، تزداد الخطورة على لبنان. لا تمتلك “الجمهوريّة الإسلاميّة” أيّ ورقة ضغط يمكن أن تساعد في حمل إسرائيل على وقف سياستها الوحشيّة في الجنوب وما يتجاوز الجنوب. يبدو لبنان متروكاً لمصيره أكثر من أيّ وقت، وخصوصاً أنّه ليس ما يشير إلى رغبة دونالد ترامب في الاعتراض المباشر على ممارسات حكومة نتنياهو في لبنان.

لا يدرك “الحزب” أنّ المفاوضات المباشرة قمّة الوطنيّة، فيما “الذلّ” الحقيقيّ يتمثّل في جعل “السلاح” الذي يحتفظ به في خدمة الاحتلال الإسرائيليّ. لم تكن لدى هذا السلاح، الذي قتل رفيق الحريري والشرفاء من أبناء لبنان، غير هذه الوظيفة في أيّ يوم.

استخدام ورقة النّزوح

يحدث ذلك كلّه فيما بدأ “الحزب” يتصرّف بطريقة، لم تكن يوماً غريبة عنه، توحي بأنّه يريد استخدام ورقة النزوح إلى مناطق معيّنة في بيروت للضغط على رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء.

لا ينفع مثل هذا الضغط إلّا في مجال واحد وحيد هو تأكيد الرغبة الإيرانيّة في تدمير بيروت وجرّ لبنان إلى الانتحار. منذ بداية “حرب إسناد غزّة” ورفع شعارات من نوع “الصلاة في القدس”، دخل لبنان دوّامة لن يخرج منها من دون الذهاب بعيداً في كسر الحلقة المغلقة التي يدور فيها منذ سنوات طويلة، أي منذ توقيع اتّفاق القاهرة المشؤوم في عام 1969.

كلّ ما في الأمر أنّ على لبنان التصالح أخيراً مع الواقع والحقيقة بدل الهرب منهما. يقول الواقع والحقيقة إنّ للهزيمة في “حرب إسناد غزّة” و”حرب إسناد إيران” ثمناً. لا مفرّ من دفع الثمن في حال كان مطلوباً تفادي غزّة أخرى في جنوب لبنان بدل السير في نهج انتحاريّ تريده “الجمهوريّة الإسلاميّة” للبنان واللبنانيّين، وأول الخاسرين هم أبناء الطائفة الشيعيّة…

كي لا يندم شّيعة لبنان..

الكاتب: خيرالله خيرالله | المصدر: اساس ميديا
28 أيار 2026

يختزل ما تقوم به إيران في لبنان ذلك التوجّه إلى دفع “الحزب” نحو الاستمرار في نهج الانتحار، وهو نهج يبدو أنّ إيران مصرّة على أخذ البلد، ومعه أبناء الطائفة الشيعيّة، إليه. من الواضح أن لا همّ لإيران، كنظام، غير جعل لبنان ضحيّة من ضحايا مشروعها التوسّعيّ بدءاً بفصله عن محيطه العربيّ.

 

يؤكّد المعروض إيرانيّاً على لبنان كلام واضح لعبّاس عراقجي وزير الخارجيّة الإيرانيّ. أبلغ عراقجي نعيم قاسم قبل أيّام قليلة الآتي: “إنّ الجمهوريّة الإسلاميّة، حتّى اللحظة الأخيرة، لن تتخلّى عن دعم الحركات المطالِبة بالحقّ والحرّيّة وعلى رأسها “الحزب” المقاوم والمنتصر. منذ اللحظة الأولى التي تدخّلت فيها بعض دول المنطقة كوسيط بقصد خفض التوتّر بين الجمهوريّة الإسلاميّة والولايات المتّحدة الأميركيّة طرحت إيران ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأيّ اتّفاق”.

يكشف كلام عراقجي أمرين. يتمثّل الأمر الأوّل في مدى تمسّك “الجمهوريّة الإسلاميّة” بورقة لبنان. أمّا الأمر الثاني فهو يتمثّل في تأكيد أنّ لبنان سيكون الخاسر الأكبر في حال توصُّل إيران إلى اتّفاق مع إدارة دونالد ترامب. تريد إيران إيصال اللبنانيّين وشيعة لبنان إلى يوم لا ينفع فيه الندم وذلك بغية الوصول إلى اتّفاق يؤدّي إلى صفقة مع “الشيطان الأكبر”.

“الحزب المنتصر”

عندما يتحدّث وزير الخارجيّة الإيرانيّ عن “الحزب المنتصر”، وهو حزب يريد التخلّص من حكومة نوّاف سلام من دون سحب وزيرَيه منها، فهو يعلم قبل غيره أنّ الانتصار الوحيد الذي يستطيع “الحزب” تحقيقه هو الانتصار على لبنان واللبنانيّين، بمن في ذلك الشيعة. كيف يمكن الحديث عن “انتصار” في وقت يوجد فيه ما يزيد على مليون نازح شيعيّ، وفي وقت تتابع إسرائيل عمليّة تدمير القرى والبلدات الجنوبيّة لأسباب مرتبطة بأمنها من جهة، ورغبتها في إقامة منطقة عازلة من جهة أخرى… أكثر من ذلك، قرّرت إسرائيل، بغطاء أميركيّ، تغيير طبيعة لبنان مع تركيز واضح على جنوبه؟

يظلّ أخطر ما في الأمر أنّ بنيامين نتنياهو لن يأخذ في الاعتبار، بموافقة أميركيّة، رغبة إيران في ربط ملفّها بالملفّ اللبنانيّ. لن يعني التوصّل إلى اتّفاق لوقف إطلاق النار بين “الجمهوريّة الإسلاميّة” والولايات المتّحدة شيئاً بالنسبة إلى لبنان ما دامت إسرائيل تمتلك حسابات خاصّة تتعلّق بالبلد الصغير وجنوبه. يشير إلى ذلك توقّف الضربات الأميركيّة والإسرائيليّة لأهداف في إيران نفسها فيما الضغط العسكريّ مستمرّ على لبنان في مناطق تقع جنوب الليطاني وشماله في آن. عندما وجدت حكومة بنيامين نتنياهو أنّ هناك هدفاً مهمّاً لها في بيروت، قصفت شقّة في الضاحية الجنوبيّة وتخلّصت من أحد قياديّي “الحزب”.

رسالة العقوبات

لا ينقذ لبنان غير الفصل نهائيّاً بين ملفّه وملفّ إيران. تلك هي الرسالة الأميركيّة الأخيرة التي جاءت عبر عقوبات على مجموعة من الأشخاص، فضلاً عن السفير الإيرانيّ محمّد رضا شيباني “غير المرغوب به” في لبنان. كان، بين هؤلاء، أيضاً، مسؤولان في حركة أمل يُعتبران بين الأقرب للرئيس نبيه برّي الذي يرفض، أقلّه إلى الآن، أخذ موقف صريح من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

يتصرّف برّي كما لو أنّ ما يحدث في جنوب لبنان مجرّد حدث عابر وليس عمليّة جراحيّة تقوم بها إسرائيل في ظلّ اختلال كامل في موازين القوى بين ما يسمّى “المقاومة”، التي ليست سوى أداة إيرانيّة، من جهة والآلة العسكريّة الإسرائيليّة من جهة أخرى. ما البديل الذي لدى رئيس مجلس النوّاب، الذي يبدو أنّ الجانب الأميركيّ بدأ يشعر باليأس تجاهه، غير المفاوضات المباشرة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجنوب؟

أليس لدى أحد قطبَي “الثنائيّ الشيعيّ” من يحيطه علماً بما حلّ بغزّة وأهلها وتوسيع إسرائيل للمساحة المحتلّة في القطاع؟

مع التوصّل إلى اتّفاق أميركيّ – إيرانيّ، تزداد الخطورة على لبنان. لا تمتلك “الجمهوريّة الإسلاميّة” أيّ ورقة ضغط يمكن أن تساعد في حمل إسرائيل على وقف سياستها الوحشيّة في الجنوب وما يتجاوز الجنوب. يبدو لبنان متروكاً لمصيره أكثر من أيّ وقت، وخصوصاً أنّه ليس ما يشير إلى رغبة دونالد ترامب في الاعتراض المباشر على ممارسات حكومة نتنياهو في لبنان.

لا يدرك “الحزب” أنّ المفاوضات المباشرة قمّة الوطنيّة، فيما “الذلّ” الحقيقيّ يتمثّل في جعل “السلاح” الذي يحتفظ به في خدمة الاحتلال الإسرائيليّ. لم تكن لدى هذا السلاح، الذي قتل رفيق الحريري والشرفاء من أبناء لبنان، غير هذه الوظيفة في أيّ يوم.

استخدام ورقة النّزوح

يحدث ذلك كلّه فيما بدأ “الحزب” يتصرّف بطريقة، لم تكن يوماً غريبة عنه، توحي بأنّه يريد استخدام ورقة النزوح إلى مناطق معيّنة في بيروت للضغط على رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء.

لا ينفع مثل هذا الضغط إلّا في مجال واحد وحيد هو تأكيد الرغبة الإيرانيّة في تدمير بيروت وجرّ لبنان إلى الانتحار. منذ بداية “حرب إسناد غزّة” ورفع شعارات من نوع “الصلاة في القدس”، دخل لبنان دوّامة لن يخرج منها من دون الذهاب بعيداً في كسر الحلقة المغلقة التي يدور فيها منذ سنوات طويلة، أي منذ توقيع اتّفاق القاهرة المشؤوم في عام 1969.

كلّ ما في الأمر أنّ على لبنان التصالح أخيراً مع الواقع والحقيقة بدل الهرب منهما. يقول الواقع والحقيقة إنّ للهزيمة في “حرب إسناد غزّة” و”حرب إسناد إيران” ثمناً. لا مفرّ من دفع الثمن في حال كان مطلوباً تفادي غزّة أخرى في جنوب لبنان بدل السير في نهج انتحاريّ تريده “الجمهوريّة الإسلاميّة” للبنان واللبنانيّين، وأول الخاسرين هم أبناء الطائفة الشيعيّة…

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار