“100 سنة” دستور: 5 تعديلات لـ 2031

الكاتب: صالح المشنوق | المصدر: نداء الوطن
30 أيار 2026

إنّه العام 2031. انتهى عهد الرئيس جوزاف عون بتحقيق الأهداف الاستراتيجية الأساسية المرجوّة منه: تسليم سلاح “حزب الله”، حلّ التنظيم العسكري والأمني ومحاسبة المسؤولين فيه، اتفاق سلام أنهى الصراع التاريخي مع إسرائيل. أصبحنا نعيش في بلد “طبيعي”، مستقرّ نسبيًا، مؤسساته تعمل واقتصاده ينمو والهجرة فيه باتت عكسية. المودعون بدأوا باستعادة أموالهم. لا أحد يسأل متى الحرب المقبلة، أو إذا كانت ميليشيا مسلّحة ستقوم بعملية اغتيال أو باحتلال العاصمة. من هنا يبدأ البحث في أسس النظام السياسي والتركيبة الدستورية التي تصلح لبناء دولة ومجتمع قابلين للحياة في المئة سنة المقبلة. إذ إنّ أي بحث في هذه المسألة، قبل الإمساك الكلي بالعنف المنظّم في لبنان، لا فائدة عملية منه على الإطلاق، بل يُعدّ مساهمة مباشرة في شرعنة الحالة الشاذة التي نعيشها اليوم. لا يمكن الحديث عن “نظام” إن لم يكن هناك “نظام” أصلا.

أمّا في العام 2031، فالوضع مختلف. رئيس الجمهورية يبحث من خلال لجنة خبراء عن اقتراحات عملية وواقعية لتطوير النظام السياسي. هذه الاقتراحات الخمسة قد تشكّل مدخلا للنقاش المفيد في الهيكلية الدستورية.

صلاحية تفسير الدستور بيد المجلس الدستوري: هنا الأساس. أعطى اتفاق الطائف حقّ تفسير الدستور للمجلس الدستوري، أسوة بكافة بلدان العالم. إلا أنّ نظام الوصاية السورية الذي حكم لبنان بعد العام 1990 لم يسمح بأن تكون هذه المادة جزءًا من الإصلاحات الدستورية التي أُقرّت عام 1991. بذلك أصبح تفسير الدستور عمليًا بيد رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، تحت شعار “المجلس سيّد نفسه”. لا يمكن للجهة التي تعدّل الدستور بغالبية الثلثين أن تفسّر الدستور بالأغلبية المطلقة. من يحدّد إذا ما كانت حكومات الأغلبية النيابية دستورية أم لا؟ في لبنان اليوم يحدّد ذلك نبيه بري، تارة بنعم، إذا ما كان هو يشكّل الحكومة، وتارة بلا، إذا ما كان خصومه يشكّلونها.

حياد لبنان: لا شكّ في أنّ إشارة الدستور اللبناني إلى ميثاق العيش المشترك تحمل في طياتها تأكيدًا على كل مكوّنات ميثاق العام 1943، وأهم هذه المكوّنات الحياد الإيجابي القائم على مقولة “لا شرق ولا غرب”. إلا أنّ هذه الإشارة الضمنية لا تكفي لإنشاء وعي وطني متكامل حول مسألة الحياد، وهي المسألة التي لا يمكن لبلد مثل لبنان أن يستقر على المدى البعيد من دون أن تصبح هذه الركيزة، أسوة ببلدان مثل سويسرا، تأسيسية في الوعي الوطني الجماعي.

السلام مع إسرائيل: أثبتت التجربة التاريخية اللبنانية أنّ أي حل سياسي لا تكون ركيزته الإنهاء الكلي لمسألة الصراع العسكري والسياسي مع إسرائيل، لا يمكنه أن يستمرّ طويلا. لذا، فإن الاكتفاء بإبرام اتفاقية تكون خاضعة، ولو نظريًا، للتوازنات السياسية الظرفية، لا يؤمّن استقرارًا طويل الأمد يُعوّل عليه. بناء على ذلك، من الضروري أن تُحسم مسألة الصراع دستوريًا، وأن تصبح أمرًا مسلّمًا به، فيما تخضع مسائل كالتطبيع والتعاون الاقتصادي لمزاج الأغلبية السياسية الحاكمة.

موافقة واحدة على التشكيلة الحكومية: مع أنّ معظم الحالات التي تأخر فيها تشكيل الحكومات بين عامي 2005 و2024 كان سببها سطوة السلاح، إذ قضى لبنان نصف المدّة من دون حكومة فاعلة و/أو رئيس جمهورية، ولا علاقة لها بإشكالية نصّ دستوري، إلا أنّ التجربة السيئة للرئيس ميشال عون تحتّم علينا إعادة النظر في الحق الدستوري المعطى لرئيس الجمهورية بالتوقيع على مرسوم تشكيل الحكومات. إنّ رئيس الجمهورية، وفق روحية دستور الطائف، مؤتمن على دستورية التشكيلة الحكومية وميثاقيتها، وليس على حصّته فيها. من يعطي الموافقة عليها هو أغلبية المجلس النيابي، لذلك لا حاجة إلى موافقة مزدوجة، بل يجب إعطاء الرئيس حقّ رد التشكيلة إلى المجلس لإعادة النظر بها حصرًا. وهنا لا مجال لحساسيات الصلاحيات الطائفية، لأن من يشكّل الحكومة ليس رئيس مجلس الوزراء، فهو ينسّق الجهد فقط وعليه أن يعتذر بعد شهر في حال الفشل، بل الأغلبية النيابية التي، بحكم قدرتها على إعطاء الثقة أو حجبها، تتحكّم بالكامل بآلية التشكيل.

النظام اللامركزي: ينصّ اتفاق الطائف على اعتماد نظام “اللامركزية الإدارية الموسعة”، وذلك “تأمينًا للمشاركة المحلية”. ويأتي ذلك ضمن سلسلة “الإصلاحات الأخرى” التي يذكر في مقدمتها أنّ “الدولة اللبنانية ذات سلطة مركزية قوية”. هذه الصيغة لم تعد تصلح للقرن الواحد والعشرين، حيث المنحى العام يميل إلى زيادة نسبة اللامركزية في الحكم، ولا تصلح أيضًا لمنحى يسعى فيه لبنان إلى التخفيف من مساوئ الطائفية السياسية على مستوى الحكم المركزي. لا بد من أن يقرّ الدستور اللبناني مبدأ أنّ لبنان وطن نظام الحكم فيه لا مركزي، على أن لا يكون التقسيم عابرًا للطوائف عنوة، مثل يوغوسلافيا أيام الملكية، ولا حاصرًا للطوائف بكانتونات جامعة لكل أبناء الطائفة، مثل بوسنيا اليوم، وهي الصيغة المعروفة بـ Ethnofederalism.

هذه كلّها أفكار للعام 2031 (يُضاف إليها طبعًا ما بعد تطبيقها).

أمّا اليوم، فأهمية الإشارة إليها تكمن في الإضاءة على ما يمكن تغييره، علمًا أن معظم ما يُطرح في الفضاء العام اللبناني موجود أصلا في الدستور، إضافة إلى توضيح أنّ سلاح الميليشيات يمنع المضيّ قدمًا في النقاط الخمس. أمّا التركيز الوحيد فيجب أن يكون على تسليم السلاح، عملا بالطائف، لأنه، وعلى حد قول الراحل زياد الرحباني: “لتعمل ثورة عالنظام لازم أول عاخر يكون في نظام”.

“100 سنة” دستور: 5 تعديلات لـ 2031

الكاتب: صالح المشنوق | المصدر: نداء الوطن
30 أيار 2026

إنّه العام 2031. انتهى عهد الرئيس جوزاف عون بتحقيق الأهداف الاستراتيجية الأساسية المرجوّة منه: تسليم سلاح “حزب الله”، حلّ التنظيم العسكري والأمني ومحاسبة المسؤولين فيه، اتفاق سلام أنهى الصراع التاريخي مع إسرائيل. أصبحنا نعيش في بلد “طبيعي”، مستقرّ نسبيًا، مؤسساته تعمل واقتصاده ينمو والهجرة فيه باتت عكسية. المودعون بدأوا باستعادة أموالهم. لا أحد يسأل متى الحرب المقبلة، أو إذا كانت ميليشيا مسلّحة ستقوم بعملية اغتيال أو باحتلال العاصمة. من هنا يبدأ البحث في أسس النظام السياسي والتركيبة الدستورية التي تصلح لبناء دولة ومجتمع قابلين للحياة في المئة سنة المقبلة. إذ إنّ أي بحث في هذه المسألة، قبل الإمساك الكلي بالعنف المنظّم في لبنان، لا فائدة عملية منه على الإطلاق، بل يُعدّ مساهمة مباشرة في شرعنة الحالة الشاذة التي نعيشها اليوم. لا يمكن الحديث عن “نظام” إن لم يكن هناك “نظام” أصلا.

أمّا في العام 2031، فالوضع مختلف. رئيس الجمهورية يبحث من خلال لجنة خبراء عن اقتراحات عملية وواقعية لتطوير النظام السياسي. هذه الاقتراحات الخمسة قد تشكّل مدخلا للنقاش المفيد في الهيكلية الدستورية.

صلاحية تفسير الدستور بيد المجلس الدستوري: هنا الأساس. أعطى اتفاق الطائف حقّ تفسير الدستور للمجلس الدستوري، أسوة بكافة بلدان العالم. إلا أنّ نظام الوصاية السورية الذي حكم لبنان بعد العام 1990 لم يسمح بأن تكون هذه المادة جزءًا من الإصلاحات الدستورية التي أُقرّت عام 1991. بذلك أصبح تفسير الدستور عمليًا بيد رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، تحت شعار “المجلس سيّد نفسه”. لا يمكن للجهة التي تعدّل الدستور بغالبية الثلثين أن تفسّر الدستور بالأغلبية المطلقة. من يحدّد إذا ما كانت حكومات الأغلبية النيابية دستورية أم لا؟ في لبنان اليوم يحدّد ذلك نبيه بري، تارة بنعم، إذا ما كان هو يشكّل الحكومة، وتارة بلا، إذا ما كان خصومه يشكّلونها.

حياد لبنان: لا شكّ في أنّ إشارة الدستور اللبناني إلى ميثاق العيش المشترك تحمل في طياتها تأكيدًا على كل مكوّنات ميثاق العام 1943، وأهم هذه المكوّنات الحياد الإيجابي القائم على مقولة “لا شرق ولا غرب”. إلا أنّ هذه الإشارة الضمنية لا تكفي لإنشاء وعي وطني متكامل حول مسألة الحياد، وهي المسألة التي لا يمكن لبلد مثل لبنان أن يستقر على المدى البعيد من دون أن تصبح هذه الركيزة، أسوة ببلدان مثل سويسرا، تأسيسية في الوعي الوطني الجماعي.

السلام مع إسرائيل: أثبتت التجربة التاريخية اللبنانية أنّ أي حل سياسي لا تكون ركيزته الإنهاء الكلي لمسألة الصراع العسكري والسياسي مع إسرائيل، لا يمكنه أن يستمرّ طويلا. لذا، فإن الاكتفاء بإبرام اتفاقية تكون خاضعة، ولو نظريًا، للتوازنات السياسية الظرفية، لا يؤمّن استقرارًا طويل الأمد يُعوّل عليه. بناء على ذلك، من الضروري أن تُحسم مسألة الصراع دستوريًا، وأن تصبح أمرًا مسلّمًا به، فيما تخضع مسائل كالتطبيع والتعاون الاقتصادي لمزاج الأغلبية السياسية الحاكمة.

موافقة واحدة على التشكيلة الحكومية: مع أنّ معظم الحالات التي تأخر فيها تشكيل الحكومات بين عامي 2005 و2024 كان سببها سطوة السلاح، إذ قضى لبنان نصف المدّة من دون حكومة فاعلة و/أو رئيس جمهورية، ولا علاقة لها بإشكالية نصّ دستوري، إلا أنّ التجربة السيئة للرئيس ميشال عون تحتّم علينا إعادة النظر في الحق الدستوري المعطى لرئيس الجمهورية بالتوقيع على مرسوم تشكيل الحكومات. إنّ رئيس الجمهورية، وفق روحية دستور الطائف، مؤتمن على دستورية التشكيلة الحكومية وميثاقيتها، وليس على حصّته فيها. من يعطي الموافقة عليها هو أغلبية المجلس النيابي، لذلك لا حاجة إلى موافقة مزدوجة، بل يجب إعطاء الرئيس حقّ رد التشكيلة إلى المجلس لإعادة النظر بها حصرًا. وهنا لا مجال لحساسيات الصلاحيات الطائفية، لأن من يشكّل الحكومة ليس رئيس مجلس الوزراء، فهو ينسّق الجهد فقط وعليه أن يعتذر بعد شهر في حال الفشل، بل الأغلبية النيابية التي، بحكم قدرتها على إعطاء الثقة أو حجبها، تتحكّم بالكامل بآلية التشكيل.

النظام اللامركزي: ينصّ اتفاق الطائف على اعتماد نظام “اللامركزية الإدارية الموسعة”، وذلك “تأمينًا للمشاركة المحلية”. ويأتي ذلك ضمن سلسلة “الإصلاحات الأخرى” التي يذكر في مقدمتها أنّ “الدولة اللبنانية ذات سلطة مركزية قوية”. هذه الصيغة لم تعد تصلح للقرن الواحد والعشرين، حيث المنحى العام يميل إلى زيادة نسبة اللامركزية في الحكم، ولا تصلح أيضًا لمنحى يسعى فيه لبنان إلى التخفيف من مساوئ الطائفية السياسية على مستوى الحكم المركزي. لا بد من أن يقرّ الدستور اللبناني مبدأ أنّ لبنان وطن نظام الحكم فيه لا مركزي، على أن لا يكون التقسيم عابرًا للطوائف عنوة، مثل يوغوسلافيا أيام الملكية، ولا حاصرًا للطوائف بكانتونات جامعة لكل أبناء الطائفة، مثل بوسنيا اليوم، وهي الصيغة المعروفة بـ Ethnofederalism.

هذه كلّها أفكار للعام 2031 (يُضاف إليها طبعًا ما بعد تطبيقها).

أمّا اليوم، فأهمية الإشارة إليها تكمن في الإضاءة على ما يمكن تغييره، علمًا أن معظم ما يُطرح في الفضاء العام اللبناني موجود أصلا في الدستور، إضافة إلى توضيح أنّ سلاح الميليشيات يمنع المضيّ قدمًا في النقاط الخمس. أمّا التركيز الوحيد فيجب أن يكون على تسليم السلاح، عملا بالطائف، لأنه، وعلى حد قول الراحل زياد الرحباني: “لتعمل ثورة عالنظام لازم أول عاخر يكون في نظام”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار