خريف «الحزب»… أم خريف المنظومة؟

ليس جديداً أن تنظر الولايات المتحدة إلى «حزب الله» بوصفه تنظيماً واحداً، لا يمكن الفصل بين جناحيه السياسي والعسكري. لكن الجديد في الموقف الأميركي المتشدّد، هو الانتقال من تصنيف الحزب على أساس وظيفته العسكرية والأمنية، إلى التشديد على هويته الاستراتيجية وارتباطه العضوي بإيران، بصرف النظر عن حمل أعضائه الجنسية اللبنانية أو مشاركتهم في المؤسسات الدستورية. هذا التحول لا يضع «حزب الله» وحده أمام اختبار صعب، بل يفتح أيضاً ملف المنظومة السياسية اللبنانية التي تعاونت معه، وتحالفت معه انتخابياً، وتقاسمت معه المجالس البلدية والنقابات والحكومات، ثم احتمت طويلاً بمقولة إنّ التعامل يجري مع «جناحه السياسي» لا مع بنيته العسكرية.
منذ إدراج الاتحاد الأوروبي ما سمّاه «الجناح العسكري» لـ«حزب الله» على لائحة الإرهاب عام 2013، نشأت مساحة رمادية، سمحت باستمرار التواصل السياسي مع الحزب وبقاء ممثليه داخل الحكومات والمؤسسات اللبنانية.
لم يمنح الإتحاد الأوروبي الحزب شرعية نيابية أو وزارية، فهذه مسألة لبنانية داخلية. لكنه اعتمد فصلاً وظيفياً بين الجناحين، أتاح له المحافظة على علاقاته مع الدولة اللبنانية، وتجنّب مواجهة سياسية شاملة مع حزب يمتلك حضوراً نيابياً ووزارياً وشعبياً.
استفادت القوى اللبنانية من هذه الازدواجية أكثر مما استفاد منها الأوروبيون. فقد تعامل بعضها مع «حزب الله» بوصفه شريكاً سياسياً حين اقتضت مصالحها ذلك، ثم قدّمته تنظيماً مسلحاً خارج الدولة عندما أرادت التنصّل من نتائج التسويات التي عقدتها معه.
من سيجيب عن أسئلة الأمس؟
في السياق، المأزق الحقيقي لا يخصّ الحزب وحده. إنّه يطاول القوى التي تحالفت معه في الانتخابات، وتقاسمت معه المجالس البلدية والاختيارية، وتعاونت معه في النقابات، وشاركته الحكومات والتسويات الرئاسية وقانون الانتخاب.
هذه القوى لم تتعامل مع «حزب الله» تحت الإكراه دائماً. بعضها فعل ذلك بدافع المصلحة، وبعضها بحث عن أصواته الانتخابية، وبعضها أراد استخدام قوته في مواجهة خصومه، وبعضها اعتقد أنّ التحالف معه يوفر حماية سياسية لا تستطيع الدولة توفيرها اليوم. مع تبدّل موازين القوى وارتفاع مستوى الضغط الدولي، تجد هذه الأطراف نفسها أمام أسئلة يصعب الهروب منها.
وتختصر مصادر سياسية رفيعة لـ«الجمهورية» هذا الإحراج بالقول: «في الأمس قلنا شكراً لـ«حزب الله» لأنّه منحنا 15 مقعداً في بلدية بيروت، فماذا نقول له اليوم؟ وفي الأمس شكرناه لأنّه كان حليفنا في انتخابات نقابة الأطباء وغيرها من النقابات، فماذا نقول له اليوم؟ وفي الأمس شاركناه إنتاج قانون انتخاب قيل إنّه يتيح للمسيحي انتخاب المسيحي وللمسلم انتخاب المسلم، فكيف نفسّر هذه الشراكة اليوم؟».
من جهة أخرى، لا يمكن للقوى السياسية أن تمحو تاريخ تعاونها مع الحزب بمجرد تبدّل المناخ الإقليمي. كما لا تستطيع الادّعاء أنّها كانت طوال الوقت في مواجهته، فيما تثبت الوقائع أنّها شاركته إدارة جزء كبير من النظام السياسي.
سلطة محلية في مواجهة إرادات خارجية
تتجاوز الأزمة مسألة «حزب الله» إلى سؤال أكبر يتعلق بقدرة النظام اللبناني على إنتاج قراره بنفسه.
فالطبقة السياسية التي عجزت عن معالجة ملف السلاح داخل المؤسسات، أو عن بناء تسوية وطنية واضحة حول السيادة وقرار الحرب والسلم، تجد نفسها اليوم تنتظر ما تقرره واشنطن بشأن الحزب، وما تريده دمشق في ملفات لبنانية حساسة، وما تفرضه التحولات الإقليمية من وقائع جديدة.
ولا يعني ذلك التماثل بين السياسة الأميركية تجاه «حزب الله» وبين ما قد تطلبه سوريا في ملف قانون العفو أو غيره. فلكل ملف طبيعته القانونية والسياسية المختلفة. لكن الجامع بينهما هو انكشاف محدودية قدرة القوى اللبنانية على مقاومة الضغوط الخارجية، عندما لا تمتلك مشروعاً وطنياً مشتركاً، ولا مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.
لقد تحولت قوى كانت تقدّم نفسها بوصفها صاحبة قرار وطني إلى قوى محلية تنتظر اتجاه الرياح الخارجية، ثم تعيد صياغة مواقفها بما يتناسب معها. وهذا هو المعنى الأعمق للأزمة: لبنان لا يخسر فقط استقلال قراره، بل يخسر تدريجياً قدرته على تعريف مصالحه بنفسه.
أما تراجع الحزب، إذا استمر، لن يبقى حدثاً يخصه وحده. فالمنظومة السياسية اللبنانية بُنيت خلال سنوات طويلة على التفاهم معه أو مواجهته أو استخدامه. وجزء كبير من شرعية القوى السياسية وأدوارها نشأ في ظل وجوده، بوصفه القوة الأكثر تنظيماً وتسليحاً وتأثيراً.
لذلك، قد لا يكون السؤال: ماذا سيحدث لـ«حزب الله؟»، بل ماذا سيحدث للقوى التي بنت أدوارها على التحالف معه أو على معارضته؟
الربيع الوحيد الممكن
لا يكون البديل من «حزب الله» وصاية جديدة، ولا استبدال قرار إقليمي بقرار دولي. البديل الوحيد هو الدولة.
لكن قيام الدولة لا يعني تنفيذ القرارات الخارجية بصورة آلية، بل امتلاك القدرة على تحويل الالتزامات الدولية إلى سياسة وطنية، تحمي السيادة والاستقرار والمصلحة اللبنانية. فالدولة التي تستعيد قرار الحرب والسلم، وتحصر السلاح بمؤسساتها، وتعيد بناء اقتصادها، تستطيع التفاوض مع الخارج. أما الدولة الضعيفة، فتكتفي بتلقّي القرارات وتنفيذ ما تستطيع منها.
قد يكون لبنان مقبلاً على خريف «حزب الله»، لكن الخريف الأخطر سيكون خريف المنظومة السياسية كلها، إذا سقطت التسويات القديمة ولم تنشأ دولة قادرة على ملء الفراغ.
خريف «الحزب»… أم خريف المنظومة؟

ليس جديداً أن تنظر الولايات المتحدة إلى «حزب الله» بوصفه تنظيماً واحداً، لا يمكن الفصل بين جناحيه السياسي والعسكري. لكن الجديد في الموقف الأميركي المتشدّد، هو الانتقال من تصنيف الحزب على أساس وظيفته العسكرية والأمنية، إلى التشديد على هويته الاستراتيجية وارتباطه العضوي بإيران، بصرف النظر عن حمل أعضائه الجنسية اللبنانية أو مشاركتهم في المؤسسات الدستورية. هذا التحول لا يضع «حزب الله» وحده أمام اختبار صعب، بل يفتح أيضاً ملف المنظومة السياسية اللبنانية التي تعاونت معه، وتحالفت معه انتخابياً، وتقاسمت معه المجالس البلدية والنقابات والحكومات، ثم احتمت طويلاً بمقولة إنّ التعامل يجري مع «جناحه السياسي» لا مع بنيته العسكرية.
منذ إدراج الاتحاد الأوروبي ما سمّاه «الجناح العسكري» لـ«حزب الله» على لائحة الإرهاب عام 2013، نشأت مساحة رمادية، سمحت باستمرار التواصل السياسي مع الحزب وبقاء ممثليه داخل الحكومات والمؤسسات اللبنانية.
لم يمنح الإتحاد الأوروبي الحزب شرعية نيابية أو وزارية، فهذه مسألة لبنانية داخلية. لكنه اعتمد فصلاً وظيفياً بين الجناحين، أتاح له المحافظة على علاقاته مع الدولة اللبنانية، وتجنّب مواجهة سياسية شاملة مع حزب يمتلك حضوراً نيابياً ووزارياً وشعبياً.
استفادت القوى اللبنانية من هذه الازدواجية أكثر مما استفاد منها الأوروبيون. فقد تعامل بعضها مع «حزب الله» بوصفه شريكاً سياسياً حين اقتضت مصالحها ذلك، ثم قدّمته تنظيماً مسلحاً خارج الدولة عندما أرادت التنصّل من نتائج التسويات التي عقدتها معه.
من سيجيب عن أسئلة الأمس؟
في السياق، المأزق الحقيقي لا يخصّ الحزب وحده. إنّه يطاول القوى التي تحالفت معه في الانتخابات، وتقاسمت معه المجالس البلدية والاختيارية، وتعاونت معه في النقابات، وشاركته الحكومات والتسويات الرئاسية وقانون الانتخاب.
هذه القوى لم تتعامل مع «حزب الله» تحت الإكراه دائماً. بعضها فعل ذلك بدافع المصلحة، وبعضها بحث عن أصواته الانتخابية، وبعضها أراد استخدام قوته في مواجهة خصومه، وبعضها اعتقد أنّ التحالف معه يوفر حماية سياسية لا تستطيع الدولة توفيرها اليوم. مع تبدّل موازين القوى وارتفاع مستوى الضغط الدولي، تجد هذه الأطراف نفسها أمام أسئلة يصعب الهروب منها.
وتختصر مصادر سياسية رفيعة لـ«الجمهورية» هذا الإحراج بالقول: «في الأمس قلنا شكراً لـ«حزب الله» لأنّه منحنا 15 مقعداً في بلدية بيروت، فماذا نقول له اليوم؟ وفي الأمس شكرناه لأنّه كان حليفنا في انتخابات نقابة الأطباء وغيرها من النقابات، فماذا نقول له اليوم؟ وفي الأمس شاركناه إنتاج قانون انتخاب قيل إنّه يتيح للمسيحي انتخاب المسيحي وللمسلم انتخاب المسلم، فكيف نفسّر هذه الشراكة اليوم؟».
من جهة أخرى، لا يمكن للقوى السياسية أن تمحو تاريخ تعاونها مع الحزب بمجرد تبدّل المناخ الإقليمي. كما لا تستطيع الادّعاء أنّها كانت طوال الوقت في مواجهته، فيما تثبت الوقائع أنّها شاركته إدارة جزء كبير من النظام السياسي.
سلطة محلية في مواجهة إرادات خارجية
تتجاوز الأزمة مسألة «حزب الله» إلى سؤال أكبر يتعلق بقدرة النظام اللبناني على إنتاج قراره بنفسه.
فالطبقة السياسية التي عجزت عن معالجة ملف السلاح داخل المؤسسات، أو عن بناء تسوية وطنية واضحة حول السيادة وقرار الحرب والسلم، تجد نفسها اليوم تنتظر ما تقرره واشنطن بشأن الحزب، وما تريده دمشق في ملفات لبنانية حساسة، وما تفرضه التحولات الإقليمية من وقائع جديدة.
ولا يعني ذلك التماثل بين السياسة الأميركية تجاه «حزب الله» وبين ما قد تطلبه سوريا في ملف قانون العفو أو غيره. فلكل ملف طبيعته القانونية والسياسية المختلفة. لكن الجامع بينهما هو انكشاف محدودية قدرة القوى اللبنانية على مقاومة الضغوط الخارجية، عندما لا تمتلك مشروعاً وطنياً مشتركاً، ولا مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.
لقد تحولت قوى كانت تقدّم نفسها بوصفها صاحبة قرار وطني إلى قوى محلية تنتظر اتجاه الرياح الخارجية، ثم تعيد صياغة مواقفها بما يتناسب معها. وهذا هو المعنى الأعمق للأزمة: لبنان لا يخسر فقط استقلال قراره، بل يخسر تدريجياً قدرته على تعريف مصالحه بنفسه.
أما تراجع الحزب، إذا استمر، لن يبقى حدثاً يخصه وحده. فالمنظومة السياسية اللبنانية بُنيت خلال سنوات طويلة على التفاهم معه أو مواجهته أو استخدامه. وجزء كبير من شرعية القوى السياسية وأدوارها نشأ في ظل وجوده، بوصفه القوة الأكثر تنظيماً وتسليحاً وتأثيراً.
لذلك، قد لا يكون السؤال: ماذا سيحدث لـ«حزب الله؟»، بل ماذا سيحدث للقوى التي بنت أدوارها على التحالف معه أو على معارضته؟
الربيع الوحيد الممكن
لا يكون البديل من «حزب الله» وصاية جديدة، ولا استبدال قرار إقليمي بقرار دولي. البديل الوحيد هو الدولة.
لكن قيام الدولة لا يعني تنفيذ القرارات الخارجية بصورة آلية، بل امتلاك القدرة على تحويل الالتزامات الدولية إلى سياسة وطنية، تحمي السيادة والاستقرار والمصلحة اللبنانية. فالدولة التي تستعيد قرار الحرب والسلم، وتحصر السلاح بمؤسساتها، وتعيد بناء اقتصادها، تستطيع التفاوض مع الخارج. أما الدولة الضعيفة، فتكتفي بتلقّي القرارات وتنفيذ ما تستطيع منها.
قد يكون لبنان مقبلاً على خريف «حزب الله»، لكن الخريف الأخطر سيكون خريف المنظومة السياسية كلها، إذا سقطت التسويات القديمة ولم تنشأ دولة قادرة على ملء الفراغ.







