خاص- هدنة الـ 45 يوماً: فرصة إسرائيل لمزيد من التوغّل!

الكاتب: ايلين زغيب عيسى
16 أيار 2026

تبدو الهدنة التي تمّ تمديدها لمدة 45 يوماً بمثابة المهزلة. ويمكن اختصارها بأنّها هدنة عدم ضرب الضاحية باستثناء الاغتيالات، وعدم ضرب بيروت. أمّا الجنوب فمشرع على كلّ شيء: غارات وتوغّل وتدمير وتهجير.

فخلال “الهدنتين” السابقتين، حقّقت إسرائيل أكثر ممّا حقّقته خارج “الهدنة”. فدخلت بنت جبيل ودمّرتها، وتقدّمت نحو مواقع جديدة، وأخلت المزيد من القرى والبلدات، وقتلت أكثر من 400 شخص، وبدأت الغارات الممنهجة خارج الخطّ الأصفر، مركّزة على قضاء النبطية وصور في شكل خاص. كما عبَرت قوّاتها ضفّة الليطاني، في إشارة إلى نيّتها توسيع احتلالها لاحقاً.

و”الهدنة” الجديدة اليوم لا تخرج عن هذا الإطار، حيث ستستمرّ إسرائيل في عمليّاتها كالمعتاد، لا بل ستستفيد منها لمزيد من التدمير والقصف والتهجير، حيث تبدو مطلقة اليد، تدمّر وتحتّل وتغيّر المعالم، التي حين تظهر للعيان وأمام الإعلام، سنرى الفظائع والأهوال التي فعلتها إسرائيل في الجنوب.

وبهذا المعنى، فإنّ المفاوضات التي انعقدت في جولتها الثالثة في واشنطن على مدى يومين، لا تعني إسرائيل عمليّاً بشيء، سوى مطالبة الحكومة اللبنانية بنزع سلاح “حزب الله” كشرط أوّل لأيّ اتّفاقات مقبلة، أو حتّى لوقف نار حقيقي. فهي تقدّر أن الجيش اللبناني لن يقوم بسحب السلاح بالقوّة، وتعتبر أنّ هذه المهمّة تقع على عاتقها، على الأقلّ في مناطق محدّدة في الجنوب حيث ترسم ملامح “الحزام الأمني”.

أمّا بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، فهي تريد من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مجرّد الصورة مرحليّاً، وعلى الأقلّ إلى موعد الانتخابات الأميركية النصفية، بالتزامن مع التهدئة على الجبهة الإيرانية. كما أنّ واشنطن تستعمل المفاوضات كنوع من أدوات الضغط أو “الحوار الساخن” غير المباشر مع طهران. فهي تسعى إلى ترسيخ فصل المسارين اللبناني والإيراني، بحيث تتمّ معالجة الموضوع اللبناني في معزل عن النزاع المستمرّ مع إيران أو عن احتمال التوصّل إلى اتّفاق ما معها. وتريد إفهام طهران أن مفهوم استخدام الأذرع قد انتهى، وأنّ هذا لم يعد ورقة في يدها، بل في يد الولايات المتّحدة.

ولكن هذا الأمر لا يبدو واقعيّاً. فعلى رغم انعقاد المفاوضات في شكل مباشر ضدّ إرادة “حزب الله”، فإنّ التوصّل إلى نتائج قابلة للتنفيذ من الصعب أن يحصل من دون موافقة إيران. فمن هو الطرف الذي سيتمكّن من نزع سلاح “الحزب” خارج إرادة إيران أو من دون حصول حروب لبنانية داخلية؟

هناك طروحات تتحدّث عن خلق فرق محدّدة داخل الجيش اللبناني تكون خارج إطار “الحزب”، وتنفّذ عمليّات نزع السلاح. ولكن هذه الطروحات أيضاً تبدو بعيدة عن الواقع، كما أنّها تهدّد الجيش بالتشرذم، وهذا ما لا تقبل به قيادة الجيش ولا الحكومة اللبنانية أورئيس الجمهورية جوزف عون.

وبما أنّ نزع السلاح أمر غير وارد الآن، فإنّ إسرائيل تستفيد من ذلك، وتمضي في مخطّطها الذي لا يمكن أن نعرف إلى أين سيصل، خصوصاً إذا استمرّ الوضع على حاله، واستمرّ العجز عن تطبيق بند حصر السلاح.

أمّا الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يحدّد بعد موعداً لدعوة الرئيس عون إلى زيارة واشنطن، فقد تراجعت حماسته نحو الملفّ اللبناني لصالح معالجة الموضوع الإيراني، وتطبيع العلاقة مع الصين وضمان حسن سير الدورة الاقتصادية العالمية، وخصوصاً في ظلّ ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز. وهذا الوقت الضائع يمكن أن تملأه المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، في ظلّ ما يسمّى “هدنة” لا مثيل لها في تاريخ الحروب. فترامب لا يريد أن يحارب الآن، على رغم كلّ التهديد والوعيد الذي يرفعه في وجه إيران، ويبحث عن حلّ عبر سبل أخرى، منها عبر الصين، وربّما روسيا، بعد التوصّل إلى تسوية في ما خصّ الحرب الأوكرانية.

في هذا الوقت، يبقى لبنان رهينة إسرائيل التي تعبث على هواها، ورهينة إيران التي لا تسمح له بإيجاد حلّ منفصل لقضيّته وتريده أن يبقى ورقة في يدها. أمّا حكومته فتواصل محاولاتها للإنقاذ ووأد الفتنة وتمرير المرحلة، لأن ليس في اليد حيلة.

خاص- هدنة الـ 45 يوماً: فرصة إسرائيل لمزيد من التوغّل!

الكاتب: ايلين زغيب عيسى
16 أيار 2026

تبدو الهدنة التي تمّ تمديدها لمدة 45 يوماً بمثابة المهزلة. ويمكن اختصارها بأنّها هدنة عدم ضرب الضاحية باستثناء الاغتيالات، وعدم ضرب بيروت. أمّا الجنوب فمشرع على كلّ شيء: غارات وتوغّل وتدمير وتهجير.

فخلال “الهدنتين” السابقتين، حقّقت إسرائيل أكثر ممّا حقّقته خارج “الهدنة”. فدخلت بنت جبيل ودمّرتها، وتقدّمت نحو مواقع جديدة، وأخلت المزيد من القرى والبلدات، وقتلت أكثر من 400 شخص، وبدأت الغارات الممنهجة خارج الخطّ الأصفر، مركّزة على قضاء النبطية وصور في شكل خاص. كما عبَرت قوّاتها ضفّة الليطاني، في إشارة إلى نيّتها توسيع احتلالها لاحقاً.

و”الهدنة” الجديدة اليوم لا تخرج عن هذا الإطار، حيث ستستمرّ إسرائيل في عمليّاتها كالمعتاد، لا بل ستستفيد منها لمزيد من التدمير والقصف والتهجير، حيث تبدو مطلقة اليد، تدمّر وتحتّل وتغيّر المعالم، التي حين تظهر للعيان وأمام الإعلام، سنرى الفظائع والأهوال التي فعلتها إسرائيل في الجنوب.

وبهذا المعنى، فإنّ المفاوضات التي انعقدت في جولتها الثالثة في واشنطن على مدى يومين، لا تعني إسرائيل عمليّاً بشيء، سوى مطالبة الحكومة اللبنانية بنزع سلاح “حزب الله” كشرط أوّل لأيّ اتّفاقات مقبلة، أو حتّى لوقف نار حقيقي. فهي تقدّر أن الجيش اللبناني لن يقوم بسحب السلاح بالقوّة، وتعتبر أنّ هذه المهمّة تقع على عاتقها، على الأقلّ في مناطق محدّدة في الجنوب حيث ترسم ملامح “الحزام الأمني”.

أمّا بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، فهي تريد من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مجرّد الصورة مرحليّاً، وعلى الأقلّ إلى موعد الانتخابات الأميركية النصفية، بالتزامن مع التهدئة على الجبهة الإيرانية. كما أنّ واشنطن تستعمل المفاوضات كنوع من أدوات الضغط أو “الحوار الساخن” غير المباشر مع طهران. فهي تسعى إلى ترسيخ فصل المسارين اللبناني والإيراني، بحيث تتمّ معالجة الموضوع اللبناني في معزل عن النزاع المستمرّ مع إيران أو عن احتمال التوصّل إلى اتّفاق ما معها. وتريد إفهام طهران أن مفهوم استخدام الأذرع قد انتهى، وأنّ هذا لم يعد ورقة في يدها، بل في يد الولايات المتّحدة.

ولكن هذا الأمر لا يبدو واقعيّاً. فعلى رغم انعقاد المفاوضات في شكل مباشر ضدّ إرادة “حزب الله”، فإنّ التوصّل إلى نتائج قابلة للتنفيذ من الصعب أن يحصل من دون موافقة إيران. فمن هو الطرف الذي سيتمكّن من نزع سلاح “الحزب” خارج إرادة إيران أو من دون حصول حروب لبنانية داخلية؟

هناك طروحات تتحدّث عن خلق فرق محدّدة داخل الجيش اللبناني تكون خارج إطار “الحزب”، وتنفّذ عمليّات نزع السلاح. ولكن هذه الطروحات أيضاً تبدو بعيدة عن الواقع، كما أنّها تهدّد الجيش بالتشرذم، وهذا ما لا تقبل به قيادة الجيش ولا الحكومة اللبنانية أورئيس الجمهورية جوزف عون.

وبما أنّ نزع السلاح أمر غير وارد الآن، فإنّ إسرائيل تستفيد من ذلك، وتمضي في مخطّطها الذي لا يمكن أن نعرف إلى أين سيصل، خصوصاً إذا استمرّ الوضع على حاله، واستمرّ العجز عن تطبيق بند حصر السلاح.

أمّا الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يحدّد بعد موعداً لدعوة الرئيس عون إلى زيارة واشنطن، فقد تراجعت حماسته نحو الملفّ اللبناني لصالح معالجة الموضوع الإيراني، وتطبيع العلاقة مع الصين وضمان حسن سير الدورة الاقتصادية العالمية، وخصوصاً في ظلّ ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز. وهذا الوقت الضائع يمكن أن تملأه المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، في ظلّ ما يسمّى “هدنة” لا مثيل لها في تاريخ الحروب. فترامب لا يريد أن يحارب الآن، على رغم كلّ التهديد والوعيد الذي يرفعه في وجه إيران، ويبحث عن حلّ عبر سبل أخرى، منها عبر الصين، وربّما روسيا، بعد التوصّل إلى تسوية في ما خصّ الحرب الأوكرانية.

في هذا الوقت، يبقى لبنان رهينة إسرائيل التي تعبث على هواها، ورهينة إيران التي لا تسمح له بإيجاد حلّ منفصل لقضيّته وتريده أن يبقى ورقة في يدها. أمّا حكومته فتواصل محاولاتها للإنقاذ ووأد الفتنة وتمرير المرحلة، لأن ليس في اليد حيلة.

مزيد من الأخبار