تفجيرُ كيلومترات من الأنفاق… والأوهام!

في علي الطاهر، لم ينفجر كيلومتران من الأنفاق فحسب، بل انفجرت أميال ضوئية من الأوهام. على لبنان الرسمي و»حزب الله» أن يدركا ذلك، إذا كانت هناك إرادة حقيقية لوقف الخسائر والحفاظ على أماكن من الجنوب.
سقطت التلة التي لطالما تردّد أنّ «سقوطها خط أحمر»، وأنّ إيران «ستُشعل الأرض دفاعاً عنها». سقطت بصمت كامل، ويُقال بخروج هادئ لما بقي من كوادر الحرس الثوري أولاً وربما عناصر «الحزب» ثانياً، تحت مظلة الاتصالات والضغوط التي رعتها واشنطن لتجنّب الخسائر البشرية، بعدما أضحت خسارة الأرض أمراً حتمياً لا مفرّ منه. وهذه الأقوال لم يؤكّدها أحد، لكنها واردة. والجميع في البلد يسأل: لماذا تكرار هذا السيناريو الكارثي دائماً؟ لماذا الانتظار حتى تفرض إسرائيل واقعها الاحتلالي الجديد بالحديد والنار؟ ولماذا التلذذ دائماً بهذا النوع من السقوط المذلّ للمواقع والترسانات في قبضة الجيش الإسرائيلي، بدلاً من اتخاذ قرارات شجاعة تحفظ الكرامة وتنقذ ما تبقّى؟
اليوم، الخطر المباشر بات على مسافة سنتيمترات من النبطية، وأيضاً من صور، وسائر المناطق المحيطة بهما. المشهد أسود، والمكابرة التي تسببت بضياع علي الطاهر ستكون كوارثها مضاعفة مئات المرات إذا استمرت المقاربة ذاتها تجاه هاتين العاصمتين الجنوبيتين التاريخيتين.
فلنتعمق هنا بقرار مجلس الوزراء الأخير: تعطيل البيوعات العقارية في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل. هو يعكس خوفاً رسمياً عميقاً من خطط لضمّ الأرض بعد تغيير ديمغرافيتها. وهذا خطر وجودي يهدّد الكيان اللبناني برُمته. غير أنّه لا يُعالج بمثل هذا القرار البائس عن مجلس الوزراء. هو يظل محاولة لمعالجة السرطان بالأسبيرين. فحماية الأرض لا تتمّ بتدابير إدارية هزيلة، بل بقرارات استراتيجية سياسية وعسكرية وأمنية وديبلوماسية، ضمن خطة متكاملة، تمنع التمدد الإسرائيلي أصلاً، والبدء فوراً بخطة محكمة تقود إلى تقليص المساحات المحتلة، وصولاً إلى الانسحاب الكامل.
وهنا تبرز أهمية خيار «المناطق التجريبية» لفرض سيادة الدولة، وشرطها الأساسي أن يُؤمّن لبنان فرص نجاحها. وهذا لا يتحقق إلّا باقتناع «حزب الله» ورضوخه للواقع ومصلحة الطائفة الشيعية ولبنان، وتسليم كل ما يملك من مقومات وهيكلية وقرار كلياً للجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية، وفي لبنان كله. أليس هذا التسليم للسلاح والقرار، بكرامة ومسؤولية، إلى الجيش الوطني، أفضل بآلاف المرّات من تساقط المواقع والقرى تحت السيطرة المذلّة لإسرائيل؟
وعلى سيرة الذلّ، الإعلام الإسرائيلي هو من أعلن عن موعد الجولة الثامنة من المفاوضات في روما يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين. والأسوأ أنّ هذا الإعلان لم يأتِ إلّا في اللحظة عينها التي كان الجيش الإسرائيلي ينفّذ عمليات التفجير الزلزالية في علي الطاهر، حيث كانت وسائل الإعلام ومواقع التواصل تنقل أصوات ضحكات الجنود الذين يتفرجون على ما يجري، بشماتة موجعة.
بعثت إسرائيل برسالة واضحة: لا جلوس إلى طاولة التفاوض مع لبنان إلّا بعد فرض وقائع جديدة على الأرض، تجلّت بحسم سقوط علي الطاهر. وإذا لم يستوعب اللبنانيون اتجاه حركة الساعة الآن، في الجولة الثامنة، فإنّ الجولة التاسعة من المفاوضات، بعد أيام أخرى أو أسابيع، لن تُعقد إلّا على وقع سقوط النبطية، وربما ما هو أبعد منها.
أمام هذا الانسداد، تقف قيادة «حزب الله» أمام أسئلة وجودية وحرجة، لم يعد ينفع معها الهروب إلى الأمام:
هل يفضّل الحزب استمرار التوغل الإسرائيلي والسقوط تحت قبضة الاحتلال في أرض محروقة، على أن يسلّم سلاحه لجيش بلاده؟
هل أصبح سقوط السلاح والبيئة الحاضنة والقرى والمدن بيد إسرائيل أشرف من تسليمه طوعاً إلى الدولة اللبنانية؟
وأخيراً، أي وظيفة تبقى لهذا السلاح بعدما تبيّن بجلاء عجزه الميداني عن منع التقدّم الإسرائيلي، أو حماية القرى من التدمير الكامل، ومنع تهجير أهلها إلى أمد غير معلوم؟
سيكون إنقاذ النبطية وصور هو الاختبار الأخير. فالخيارات تضيق، والوقت لم يعد يسعف المراهنين على انتظارات قاتلة. والمفاضلة اليوم حاسمة بين خيارين: إما تسليم الجيش فعلياً لا شكلياً زمام المبادرة، وبالكامل، وإما ترك الجنوب لمصير التدمير والقتل والتهجير، وربما الضمّ لاحقاً.
تفجيرُ كيلومترات من الأنفاق… والأوهام!

في علي الطاهر، لم ينفجر كيلومتران من الأنفاق فحسب، بل انفجرت أميال ضوئية من الأوهام. على لبنان الرسمي و»حزب الله» أن يدركا ذلك، إذا كانت هناك إرادة حقيقية لوقف الخسائر والحفاظ على أماكن من الجنوب.
سقطت التلة التي لطالما تردّد أنّ «سقوطها خط أحمر»، وأنّ إيران «ستُشعل الأرض دفاعاً عنها». سقطت بصمت كامل، ويُقال بخروج هادئ لما بقي من كوادر الحرس الثوري أولاً وربما عناصر «الحزب» ثانياً، تحت مظلة الاتصالات والضغوط التي رعتها واشنطن لتجنّب الخسائر البشرية، بعدما أضحت خسارة الأرض أمراً حتمياً لا مفرّ منه. وهذه الأقوال لم يؤكّدها أحد، لكنها واردة. والجميع في البلد يسأل: لماذا تكرار هذا السيناريو الكارثي دائماً؟ لماذا الانتظار حتى تفرض إسرائيل واقعها الاحتلالي الجديد بالحديد والنار؟ ولماذا التلذذ دائماً بهذا النوع من السقوط المذلّ للمواقع والترسانات في قبضة الجيش الإسرائيلي، بدلاً من اتخاذ قرارات شجاعة تحفظ الكرامة وتنقذ ما تبقّى؟
اليوم، الخطر المباشر بات على مسافة سنتيمترات من النبطية، وأيضاً من صور، وسائر المناطق المحيطة بهما. المشهد أسود، والمكابرة التي تسببت بضياع علي الطاهر ستكون كوارثها مضاعفة مئات المرات إذا استمرت المقاربة ذاتها تجاه هاتين العاصمتين الجنوبيتين التاريخيتين.
فلنتعمق هنا بقرار مجلس الوزراء الأخير: تعطيل البيوعات العقارية في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل. هو يعكس خوفاً رسمياً عميقاً من خطط لضمّ الأرض بعد تغيير ديمغرافيتها. وهذا خطر وجودي يهدّد الكيان اللبناني برُمته. غير أنّه لا يُعالج بمثل هذا القرار البائس عن مجلس الوزراء. هو يظل محاولة لمعالجة السرطان بالأسبيرين. فحماية الأرض لا تتمّ بتدابير إدارية هزيلة، بل بقرارات استراتيجية سياسية وعسكرية وأمنية وديبلوماسية، ضمن خطة متكاملة، تمنع التمدد الإسرائيلي أصلاً، والبدء فوراً بخطة محكمة تقود إلى تقليص المساحات المحتلة، وصولاً إلى الانسحاب الكامل.
وهنا تبرز أهمية خيار «المناطق التجريبية» لفرض سيادة الدولة، وشرطها الأساسي أن يُؤمّن لبنان فرص نجاحها. وهذا لا يتحقق إلّا باقتناع «حزب الله» ورضوخه للواقع ومصلحة الطائفة الشيعية ولبنان، وتسليم كل ما يملك من مقومات وهيكلية وقرار كلياً للجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية، وفي لبنان كله. أليس هذا التسليم للسلاح والقرار، بكرامة ومسؤولية، إلى الجيش الوطني، أفضل بآلاف المرّات من تساقط المواقع والقرى تحت السيطرة المذلّة لإسرائيل؟
وعلى سيرة الذلّ، الإعلام الإسرائيلي هو من أعلن عن موعد الجولة الثامنة من المفاوضات في روما يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين. والأسوأ أنّ هذا الإعلان لم يأتِ إلّا في اللحظة عينها التي كان الجيش الإسرائيلي ينفّذ عمليات التفجير الزلزالية في علي الطاهر، حيث كانت وسائل الإعلام ومواقع التواصل تنقل أصوات ضحكات الجنود الذين يتفرجون على ما يجري، بشماتة موجعة.
بعثت إسرائيل برسالة واضحة: لا جلوس إلى طاولة التفاوض مع لبنان إلّا بعد فرض وقائع جديدة على الأرض، تجلّت بحسم سقوط علي الطاهر. وإذا لم يستوعب اللبنانيون اتجاه حركة الساعة الآن، في الجولة الثامنة، فإنّ الجولة التاسعة من المفاوضات، بعد أيام أخرى أو أسابيع، لن تُعقد إلّا على وقع سقوط النبطية، وربما ما هو أبعد منها.
أمام هذا الانسداد، تقف قيادة «حزب الله» أمام أسئلة وجودية وحرجة، لم يعد ينفع معها الهروب إلى الأمام:
هل يفضّل الحزب استمرار التوغل الإسرائيلي والسقوط تحت قبضة الاحتلال في أرض محروقة، على أن يسلّم سلاحه لجيش بلاده؟
هل أصبح سقوط السلاح والبيئة الحاضنة والقرى والمدن بيد إسرائيل أشرف من تسليمه طوعاً إلى الدولة اللبنانية؟
وأخيراً، أي وظيفة تبقى لهذا السلاح بعدما تبيّن بجلاء عجزه الميداني عن منع التقدّم الإسرائيلي، أو حماية القرى من التدمير الكامل، ومنع تهجير أهلها إلى أمد غير معلوم؟
سيكون إنقاذ النبطية وصور هو الاختبار الأخير. فالخيارات تضيق، والوقت لم يعد يسعف المراهنين على انتظارات قاتلة. والمفاضلة اليوم حاسمة بين خيارين: إما تسليم الجيش فعلياً لا شكلياً زمام المبادرة، وبالكامل، وإما ترك الجنوب لمصير التدمير والقتل والتهجير، وربما الضمّ لاحقاً.









