الخمّارات متخمة بالعنب وتصريف النبيذ بخطر

الكاتب: لوسي بارسخيان | المصدر: المدن
13 أيلول 2026

على الموعد نفسه بدأ منذ أيام حصاد كروم العنب المخصص لصناعة النبيذ، لتدور معه محركات العصارات في الخمارات. إلا أن الموسم الذي يبدو أكثر سخاءًا نتيجة للعوامل المناخية المؤاتية، يواجه هذا العام تحديات في تصريفه. وعليه فإن الوفرة قد لا تكون خبرًا سعيدًا كليًا بالنسبة للمزارع، خصوصًا أن معظم خزانات معامل النبيذ ممتلئة منذ العام الماضي، وفقًا لما يؤكده أصحابها. بينما زيادة المعروض عن حجم الطلب، لن يساعد بتصريف محصول هذا الموسم وفقًا لما يشتهيه أصحابه. 

السوق في أزمة

تذكررئيسة الاتحاد اللبناني للكرمة والنبيذ، ميشلين توما، في حديث لـ”المدن” أنها حذرت منذ ثلاث سنوات من عدم مواكبة زيادة الإنتاج بسياسة تطبق القوانين على مختلف المنتجات، وتسعى إلى عقد اتفاقيات لتصريف الإنتاج. وعليه تقول “كنا نعلم أنه إذا لم تتهيأ الصناعة بالشكل الكافي، ستبقى كميات كبيرة من العنب على عرائشها. فالعنب الذي زُرع لصناعة النبيذ، حتى لو كان مذاقه طيبًا، ليس مرغوبًا على المائدة، بينما السوق اليوم في أزمة، وهذه الأزمة ليست محلية فقط وإنما عالمية أيضًا”.

في إشارة إلى حجم الأزمة التي يمر بها القطاع عالميًا، يتحدث مصنّعو النبيذ عن كروم تختفي وعرائش تُزال حتى في الدول الأكثر تميزًا بصناعتها. هذا في وقت يكشف جان بول خوري، وهو أحد مصنّعي النبيذ في زحلة، عن تراجع عالمي في استهلاك النبيذ إلى نحو ربع الكميات المستهلكة سابقًا، وهو ما يجعل أزمة القطاع عالمية. 

وسط هذا الواقع، حصد لبنان لمدينة زحلة في العام الماضي لقب “مدينة عالمية للكرمة والنبيذ” وفقًا للتصنيف الممنوح من المنظمة العالمية للكرمة والنبيذ (OIVلعدد قليل من الدول. فكشف اللقب عن صمود صناعة، تعزّزت قدرتها على التنافس في الأسواق، رغم تغلب المنتج العالمي بكلفته الأقل، نتيجة لشغف مصنعين وكفاح عائلات توارثت أسرار منتجها من جيل إلى جيل، وتمايزت به.

ولكن التحدي هذا العام أيضًا ليس سهلًا. والسبب الأبرز أنه ينطلق مباشرة من الأرض. فوفق الياس المعلوف وهو من مالكي كروم مخصصة للتصنيع ومصنِّع في آن معًا، فإن أربعين بالمئة من إنتاج الكروم المزروعة “عنب نبيذ” قد لا يصل إلى المعامل. والأزمة مرشحة لتنعكس على المزارع والمصنع معًا، لأن المزارع عندما لا يقبل بأن تتلف مواسمه أو تباع بأسعار بخسة، قد يلجأ إلى التصنيع أيضًا، وهو ما يحوّله منافسًا بسوق تراجعت قدرته على التصريف بدءًا من جائحة كورونا حتى اليوم، لتبلغ أدنى مستوياتها مع استمرار الحرب وتمددها منذ العام 2023. 

الخمارات لا تستوعب إنتاج العنب

رغم يقين منتجي الكرمة حول عدم قدرة الخمارات على استيعاب كل إنتاج العنب هذا العام، إلا أنّه لا إحصاءات دقيقة حتى الآن حول الكميات المزروعة عنبًا للنبيذ. وعليه، فإن الأرقام المحدثة هي آخر ما ورد في التقرير الذي قدم إلى المنظمة الدولية للكرمة والنبيذ للحصول على التصنيف، والتي أظهرت أن المساحة المزروعة بالكروم في لبنان تشكل ثمانية بالمئة من مساحة الزراعات الدائمة، بينما يحتل عنب التصنيع مساحة 30 بالمئة منها. ويتركز 46 بالمئة منها في محافظة البقاع التي تضم قضاءي زحلة والبقاع الغربي، تليها 23 بالمئة في محافظة بعلبك-الهرمل، ثم عكار ولبنان الشمالي، فيما سجلت محافظتا الجنوب والنبطية أدنى نسبة لانتشار هذه الزراعة فيها.

هذه المساحات حدّدت قبل أن تصنف زحلة مدينة للكرمة والنبيذ. علمًا أن المدينة تشكّل نواة لصناعة نمت وتطورت كرافعة اقتصادية وسياحية وتراثية. وقد تميزت بالمسار التاريخي الطويل الذي يربطها وقضاءها بصناعة النبيذ، والذي بدأ مع نشوء أول خمارة في لبنان على أيدي بعثة الآباء اليسوعيين في القرن التاسع عشر. ومع ذلك فهي لم تكن المعنية الوحيدة بتصنيف منظمة الـ  OIV، وإنما استحقه المصنعون الذين رفعوا اسم المنتج في مختلف بلدان العالم، ويبلغ عددهم بحسب إحصاءات وزارة الزراعة، 63 معملًا مسجلًا لديها. 

 هذا الواقع الذي شددت عليه الكلمات التي ألقيت بمناسبة اليوم اللبناني للنبيذ خلال تنقله بين مختلف البلدات اللبنانية، شكّل عاملًا شجّع الاستثمارات الجديدة في كروم العنب. ولكن هذا التوسع في ظل غياب رزنامة زراعية واضحة، صار اليوم يهدد إنتاج الكروم بالكساد قبل أن يبدأ نموها، خصوصًا عندما يتبين أن تراجع قدرة التصريف في السنوات الأخيرة ليس مرتبطًا فقط بتوسع المساحات الزراعية، وإنما أيضًا بالتغير الحاصل في بنية العلاقة نفسها بين المزارع والخمارة.

يكشف عدد من أصحاب الخمارات الذين كانوا يضمنون الأراضي سابقًا بعقود “Contract Farming”  أنّهم اتجهوا منذ سنوات إلى زراعة الكروم الخاصة، وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي. وهو خيار منطقي بالنسبة للمصنّع، خصوصًا أن إبقاء الكرم تحت السيطرة المباشرة يعني متابعة أفضل، وتحكمًا أكبر بالنوعية، وضبطًا للكلفة.

لكن ما هو منطقي بالنسبة لأصحاب الخمارات قد لا يكون كذلك بالنسبة للمزارع، الذي يبدو وفقًا للمعلوف في أزمة متواصلة، منذ اشترت الخمارات كميات العنب في السنة الماضية، لتستفيد من انخفاض أسعاره، فملأت خزاناتها بكميات عصير أكبر من حاجتها للتصنيع أو القدرة على التصريف. ويلفت المعلوف النظر إلى اقتران انخفاض سعر العنب باتساع مساحات الأراضي الزراعية، وهذا ما جعل سعر الإنتاج الجيد يوازي سعر أي إنتاج جديد قد لا يكون بالجودة نفسها.

إلا أنّه بحسب خوري “لو كان سوق النبيذ يسير بالوتيرة التي توقعها المصنعون لكان السوق استهلك كل الإنتاج”.  

ومع ذلك تشدد توما على أن الصورة ليست سوداوية بالكامل، ولكنها أيضًا ليست وردية. وما يعزّي المصنّعين أن الأزمة عالمية أيضًا، وبعضها مرتبط بالتضخم العالمي، بالإضافة إلى الضرائب التي فُرضت على الإنتاج الأوروبي، ما دفع بعض المنتجين إلى البحث عن أسواق جديدة، وُجد جزء منها في لبنان.

هذه المطبات الخارجية انعكست في لبنان خشية لدى المنتجين من تحول السوق المحلي إلى منفذ لتصريف فوائض أجنبية تبحث عن أسواق بديلة. بينما المطلوب، وفق توما، تطبيق المعايير نفسها التي تحمي بها الدول إنتاجها، بما يضمن منافسة عادلة من دون إلغاء خيارات المستهلك.

علمًا أن مسؤولية هذه الحماية تلقى حتى على المطاعم، وهي واحدة من الحلقات الأساسية في تصريف الإنتاج، ولكنها تعمل بدورها في سوق تراجعت فيه القدرة الشرائية، وأصبح السعر عنصرًا حاسمًا في قرار المستهلك.

انطلاقًا من هنا جاءت الدعوات لأصحاب المؤسسات السياحية لتشجيع الإنتاج اللبناني كموقف وطني، من دون فصل هذا المطلب عن واقع القطاع، الذي يحتاج وفقًا لمصنعي النبيذ إلى ربط زيادة الإنتاج بخطط واضحة للزراعة والتصنيع والتسويق. فزجاجة النبيذ التي تصل إلى الطاولة تبدأ من الكرم. والتحدي اليوم ليس أن تنتج الأرض أكثر، بل أن يجد هذا الإنتاج طريقه إلى الزجاجة.

الخمّارات متخمة بالعنب وتصريف النبيذ بخطر

الكاتب: لوسي بارسخيان | المصدر: المدن
13 أيلول 2026

على الموعد نفسه بدأ منذ أيام حصاد كروم العنب المخصص لصناعة النبيذ، لتدور معه محركات العصارات في الخمارات. إلا أن الموسم الذي يبدو أكثر سخاءًا نتيجة للعوامل المناخية المؤاتية، يواجه هذا العام تحديات في تصريفه. وعليه فإن الوفرة قد لا تكون خبرًا سعيدًا كليًا بالنسبة للمزارع، خصوصًا أن معظم خزانات معامل النبيذ ممتلئة منذ العام الماضي، وفقًا لما يؤكده أصحابها. بينما زيادة المعروض عن حجم الطلب، لن يساعد بتصريف محصول هذا الموسم وفقًا لما يشتهيه أصحابه. 

السوق في أزمة

تذكررئيسة الاتحاد اللبناني للكرمة والنبيذ، ميشلين توما، في حديث لـ”المدن” أنها حذرت منذ ثلاث سنوات من عدم مواكبة زيادة الإنتاج بسياسة تطبق القوانين على مختلف المنتجات، وتسعى إلى عقد اتفاقيات لتصريف الإنتاج. وعليه تقول “كنا نعلم أنه إذا لم تتهيأ الصناعة بالشكل الكافي، ستبقى كميات كبيرة من العنب على عرائشها. فالعنب الذي زُرع لصناعة النبيذ، حتى لو كان مذاقه طيبًا، ليس مرغوبًا على المائدة، بينما السوق اليوم في أزمة، وهذه الأزمة ليست محلية فقط وإنما عالمية أيضًا”.

في إشارة إلى حجم الأزمة التي يمر بها القطاع عالميًا، يتحدث مصنّعو النبيذ عن كروم تختفي وعرائش تُزال حتى في الدول الأكثر تميزًا بصناعتها. هذا في وقت يكشف جان بول خوري، وهو أحد مصنّعي النبيذ في زحلة، عن تراجع عالمي في استهلاك النبيذ إلى نحو ربع الكميات المستهلكة سابقًا، وهو ما يجعل أزمة القطاع عالمية. 

وسط هذا الواقع، حصد لبنان لمدينة زحلة في العام الماضي لقب “مدينة عالمية للكرمة والنبيذ” وفقًا للتصنيف الممنوح من المنظمة العالمية للكرمة والنبيذ (OIVلعدد قليل من الدول. فكشف اللقب عن صمود صناعة، تعزّزت قدرتها على التنافس في الأسواق، رغم تغلب المنتج العالمي بكلفته الأقل، نتيجة لشغف مصنعين وكفاح عائلات توارثت أسرار منتجها من جيل إلى جيل، وتمايزت به.

ولكن التحدي هذا العام أيضًا ليس سهلًا. والسبب الأبرز أنه ينطلق مباشرة من الأرض. فوفق الياس المعلوف وهو من مالكي كروم مخصصة للتصنيع ومصنِّع في آن معًا، فإن أربعين بالمئة من إنتاج الكروم المزروعة “عنب نبيذ” قد لا يصل إلى المعامل. والأزمة مرشحة لتنعكس على المزارع والمصنع معًا، لأن المزارع عندما لا يقبل بأن تتلف مواسمه أو تباع بأسعار بخسة، قد يلجأ إلى التصنيع أيضًا، وهو ما يحوّله منافسًا بسوق تراجعت قدرته على التصريف بدءًا من جائحة كورونا حتى اليوم، لتبلغ أدنى مستوياتها مع استمرار الحرب وتمددها منذ العام 2023. 

الخمارات لا تستوعب إنتاج العنب

رغم يقين منتجي الكرمة حول عدم قدرة الخمارات على استيعاب كل إنتاج العنب هذا العام، إلا أنّه لا إحصاءات دقيقة حتى الآن حول الكميات المزروعة عنبًا للنبيذ. وعليه، فإن الأرقام المحدثة هي آخر ما ورد في التقرير الذي قدم إلى المنظمة الدولية للكرمة والنبيذ للحصول على التصنيف، والتي أظهرت أن المساحة المزروعة بالكروم في لبنان تشكل ثمانية بالمئة من مساحة الزراعات الدائمة، بينما يحتل عنب التصنيع مساحة 30 بالمئة منها. ويتركز 46 بالمئة منها في محافظة البقاع التي تضم قضاءي زحلة والبقاع الغربي، تليها 23 بالمئة في محافظة بعلبك-الهرمل، ثم عكار ولبنان الشمالي، فيما سجلت محافظتا الجنوب والنبطية أدنى نسبة لانتشار هذه الزراعة فيها.

هذه المساحات حدّدت قبل أن تصنف زحلة مدينة للكرمة والنبيذ. علمًا أن المدينة تشكّل نواة لصناعة نمت وتطورت كرافعة اقتصادية وسياحية وتراثية. وقد تميزت بالمسار التاريخي الطويل الذي يربطها وقضاءها بصناعة النبيذ، والذي بدأ مع نشوء أول خمارة في لبنان على أيدي بعثة الآباء اليسوعيين في القرن التاسع عشر. ومع ذلك فهي لم تكن المعنية الوحيدة بتصنيف منظمة الـ  OIV، وإنما استحقه المصنعون الذين رفعوا اسم المنتج في مختلف بلدان العالم، ويبلغ عددهم بحسب إحصاءات وزارة الزراعة، 63 معملًا مسجلًا لديها. 

 هذا الواقع الذي شددت عليه الكلمات التي ألقيت بمناسبة اليوم اللبناني للنبيذ خلال تنقله بين مختلف البلدات اللبنانية، شكّل عاملًا شجّع الاستثمارات الجديدة في كروم العنب. ولكن هذا التوسع في ظل غياب رزنامة زراعية واضحة، صار اليوم يهدد إنتاج الكروم بالكساد قبل أن يبدأ نموها، خصوصًا عندما يتبين أن تراجع قدرة التصريف في السنوات الأخيرة ليس مرتبطًا فقط بتوسع المساحات الزراعية، وإنما أيضًا بالتغير الحاصل في بنية العلاقة نفسها بين المزارع والخمارة.

يكشف عدد من أصحاب الخمارات الذين كانوا يضمنون الأراضي سابقًا بعقود “Contract Farming”  أنّهم اتجهوا منذ سنوات إلى زراعة الكروم الخاصة، وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي. وهو خيار منطقي بالنسبة للمصنّع، خصوصًا أن إبقاء الكرم تحت السيطرة المباشرة يعني متابعة أفضل، وتحكمًا أكبر بالنوعية، وضبطًا للكلفة.

لكن ما هو منطقي بالنسبة لأصحاب الخمارات قد لا يكون كذلك بالنسبة للمزارع، الذي يبدو وفقًا للمعلوف في أزمة متواصلة، منذ اشترت الخمارات كميات العنب في السنة الماضية، لتستفيد من انخفاض أسعاره، فملأت خزاناتها بكميات عصير أكبر من حاجتها للتصنيع أو القدرة على التصريف. ويلفت المعلوف النظر إلى اقتران انخفاض سعر العنب باتساع مساحات الأراضي الزراعية، وهذا ما جعل سعر الإنتاج الجيد يوازي سعر أي إنتاج جديد قد لا يكون بالجودة نفسها.

إلا أنّه بحسب خوري “لو كان سوق النبيذ يسير بالوتيرة التي توقعها المصنعون لكان السوق استهلك كل الإنتاج”.  

ومع ذلك تشدد توما على أن الصورة ليست سوداوية بالكامل، ولكنها أيضًا ليست وردية. وما يعزّي المصنّعين أن الأزمة عالمية أيضًا، وبعضها مرتبط بالتضخم العالمي، بالإضافة إلى الضرائب التي فُرضت على الإنتاج الأوروبي، ما دفع بعض المنتجين إلى البحث عن أسواق جديدة، وُجد جزء منها في لبنان.

هذه المطبات الخارجية انعكست في لبنان خشية لدى المنتجين من تحول السوق المحلي إلى منفذ لتصريف فوائض أجنبية تبحث عن أسواق بديلة. بينما المطلوب، وفق توما، تطبيق المعايير نفسها التي تحمي بها الدول إنتاجها، بما يضمن منافسة عادلة من دون إلغاء خيارات المستهلك.

علمًا أن مسؤولية هذه الحماية تلقى حتى على المطاعم، وهي واحدة من الحلقات الأساسية في تصريف الإنتاج، ولكنها تعمل بدورها في سوق تراجعت فيه القدرة الشرائية، وأصبح السعر عنصرًا حاسمًا في قرار المستهلك.

انطلاقًا من هنا جاءت الدعوات لأصحاب المؤسسات السياحية لتشجيع الإنتاج اللبناني كموقف وطني، من دون فصل هذا المطلب عن واقع القطاع، الذي يحتاج وفقًا لمصنعي النبيذ إلى ربط زيادة الإنتاج بخطط واضحة للزراعة والتصنيع والتسويق. فزجاجة النبيذ التي تصل إلى الطاولة تبدأ من الكرم. والتحدي اليوم ليس أن تنتج الأرض أكثر، بل أن يجد هذا الإنتاج طريقه إلى الزجاجة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار