أرانب برّي التجريبية

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
21 آب 2026

كان نبيه برّي، على مدى عقود، يتقن لعبة سياسية تقوم على إبقاء الأبواب مفتوحة والاحتمالات معلّقة. وفي اللحظات الحرجة، كان كثيرون ينتظرون منه “أرنبًا” يخرجه من كُمّه، على طريقة السحرة، فيقلب المعادلة أو يؤجل الاستحقاق أو يفتح مخرجًا لم يكن في الحسبان. لكن ماذا لو كان الأرنب الأخير الذي بقي في الكُم هو نفسه “المناطق التجريبية” التي سبق أن رفضها؟

المفارقة أن برًي لم يكن غامضًا في موقفه عندما طُرحت فكرة “المناطق التجريبية”. ففي مقابلة صحافية في حزيران، قال بوضوح إن لبنان “موزّع إلى مجموعة أقضية وليس إلى مناطق تجريبية”، وإن المطلوب هو الانسحاب الإسرائيلي السريع من الأقضية المحتلة، معتبرًا أن المناطق التجريبية قد تجعل الانسحاب يستغرق سنتين.

لكن التطورات اللاحقة حملت لبنان إلى مكان مختلف. فقد تحولت “المناطق التجريبية” من فكرة مرفوضة في قاموس برّي إلى آلية يجري تطبيقها ميدانيًا، وقد أصبحت زوطر الغربية أول اختبار عملي لهذا النموذج، قبل توسيع التجربة إلى مناطق أخرى.

هنا تحديدًا يصبح السؤال السياسي أكثر أهمية من السؤال الإجرائي: هل غيّر برًي موقفه لأن الظروف تغيّرت، أم لأن هامش المناورة تقلّص إلى الحد الأدنى؟

من السهل تفسير الأمر باعتباره مناورة. فبرّي السياسي المخضرم يعرف أن الرفض العلني قد يكون جزءًا من التفاوض، وأن رفع سقف المطالب لا يعني بالضرورة أن صاحبها مستعد للذهاب بها إلى النهاية. وقد يكون قبول “التجريب” بعد رفضه محاولة لتحويل التراجع إلى تسوية: لا قبول كامل بالشروط، بل قبول بالاختبار، لا تسليم نهائي، بل مرحلة يمكن مراقبتها وقياس نتائجها.

لكن ثمة قراءة أكثر قسوة: ربما لم يعد الأمر مناورة أصلا، بل اعترافًا ضمنيًّا بأن “التسونامي الدولي” أكبر من قدرة أي لاعب لبناني على الوقوف في وجهه. فالآلية لم تعد مجرد تفاهم لبناني ـ إسرائيلي، بل باتت مرتبطة بدور أميركي وآليات تحقق دولية وانتشار للجيش اللبناني، فيما تُرسم الخطوات ضمن اتفاق إطاري أوسع.

وعندما يصبح البديل عن القبول هو الاصطدام بالولايات المتحدة وإسرائيل والمجتمع الدولي، وربما تعطيل مسار يفترض أن يعيد الجيش إلى مناطق الجنوب ويتيح للسكان العودة، يصبح الرفض أقل فاعلية من أي وقت مضى. عندها لا يعود السؤال: ماذا يريد برًي؟ بل: كم بقي لديه من القدرة على فرض ما يريد؟

وهنا تكمن السخرية: “أرانب برّي” كانت في الماضي تعني المفاجآت والمخارج. أما “أرانب برّي التجريبية” اليوم فقد تعني شيئًا معاكسًا تمامًا: الأرنب الذي أُخرج من الكُم ليس حلا يغيّر قواعد اللعبة، بل تسوية تحفظ ماء الوجه أمام واقع تغيّرت قواعده. قد يكون برّي يناور فعلا. لكن المناورة الناجحة تحتاج إلى مساحة حركة. وكلما ضاقت هذه المساحة، يصبح الانتقال من “لا” إلى “نعم” أمر واقع.

ربما لم ينفد مخزون الأرانب من كُم برّي. وربما كان الأرنب الأخير هو قبول ما كان يرفضه، ثم محاولة إقناع الجميع بأن القبول نفسه جزء من المناورة.

وفي السياسة، أحيانًا يكون أخطر ما يفعله الساحر ليس أن يخرج أرنبًا جديدًا من كُمّه، بل أن يكتشف الجمهور أن الكُم لم يعد يخفي شيئًا.

أرانب برّي التجريبية

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
21 آب 2026

كان نبيه برّي، على مدى عقود، يتقن لعبة سياسية تقوم على إبقاء الأبواب مفتوحة والاحتمالات معلّقة. وفي اللحظات الحرجة، كان كثيرون ينتظرون منه “أرنبًا” يخرجه من كُمّه، على طريقة السحرة، فيقلب المعادلة أو يؤجل الاستحقاق أو يفتح مخرجًا لم يكن في الحسبان. لكن ماذا لو كان الأرنب الأخير الذي بقي في الكُم هو نفسه “المناطق التجريبية” التي سبق أن رفضها؟

المفارقة أن برًي لم يكن غامضًا في موقفه عندما طُرحت فكرة “المناطق التجريبية”. ففي مقابلة صحافية في حزيران، قال بوضوح إن لبنان “موزّع إلى مجموعة أقضية وليس إلى مناطق تجريبية”، وإن المطلوب هو الانسحاب الإسرائيلي السريع من الأقضية المحتلة، معتبرًا أن المناطق التجريبية قد تجعل الانسحاب يستغرق سنتين.

لكن التطورات اللاحقة حملت لبنان إلى مكان مختلف. فقد تحولت “المناطق التجريبية” من فكرة مرفوضة في قاموس برّي إلى آلية يجري تطبيقها ميدانيًا، وقد أصبحت زوطر الغربية أول اختبار عملي لهذا النموذج، قبل توسيع التجربة إلى مناطق أخرى.

هنا تحديدًا يصبح السؤال السياسي أكثر أهمية من السؤال الإجرائي: هل غيّر برًي موقفه لأن الظروف تغيّرت، أم لأن هامش المناورة تقلّص إلى الحد الأدنى؟

من السهل تفسير الأمر باعتباره مناورة. فبرّي السياسي المخضرم يعرف أن الرفض العلني قد يكون جزءًا من التفاوض، وأن رفع سقف المطالب لا يعني بالضرورة أن صاحبها مستعد للذهاب بها إلى النهاية. وقد يكون قبول “التجريب” بعد رفضه محاولة لتحويل التراجع إلى تسوية: لا قبول كامل بالشروط، بل قبول بالاختبار، لا تسليم نهائي، بل مرحلة يمكن مراقبتها وقياس نتائجها.

لكن ثمة قراءة أكثر قسوة: ربما لم يعد الأمر مناورة أصلا، بل اعترافًا ضمنيًّا بأن “التسونامي الدولي” أكبر من قدرة أي لاعب لبناني على الوقوف في وجهه. فالآلية لم تعد مجرد تفاهم لبناني ـ إسرائيلي، بل باتت مرتبطة بدور أميركي وآليات تحقق دولية وانتشار للجيش اللبناني، فيما تُرسم الخطوات ضمن اتفاق إطاري أوسع.

وعندما يصبح البديل عن القبول هو الاصطدام بالولايات المتحدة وإسرائيل والمجتمع الدولي، وربما تعطيل مسار يفترض أن يعيد الجيش إلى مناطق الجنوب ويتيح للسكان العودة، يصبح الرفض أقل فاعلية من أي وقت مضى. عندها لا يعود السؤال: ماذا يريد برًي؟ بل: كم بقي لديه من القدرة على فرض ما يريد؟

وهنا تكمن السخرية: “أرانب برّي” كانت في الماضي تعني المفاجآت والمخارج. أما “أرانب برّي التجريبية” اليوم فقد تعني شيئًا معاكسًا تمامًا: الأرنب الذي أُخرج من الكُم ليس حلا يغيّر قواعد اللعبة، بل تسوية تحفظ ماء الوجه أمام واقع تغيّرت قواعده. قد يكون برّي يناور فعلا. لكن المناورة الناجحة تحتاج إلى مساحة حركة. وكلما ضاقت هذه المساحة، يصبح الانتقال من “لا” إلى “نعم” أمر واقع.

ربما لم ينفد مخزون الأرانب من كُم برّي. وربما كان الأرنب الأخير هو قبول ما كان يرفضه، ثم محاولة إقناع الجميع بأن القبول نفسه جزء من المناورة.

وفي السياسة، أحيانًا يكون أخطر ما يفعله الساحر ليس أن يخرج أرنبًا جديدًا من كُمّه، بل أن يكتشف الجمهور أن الكُم لم يعد يخفي شيئًا.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار