فلول الأسد في لبنان: من ضباطٍ على الحواجز إلى مطاردين خلفها

الكاتب: بثينة عوض | المصدر: المدن
19 أيار 2026

أحاول الاتصال مراراً بـِ “م.ع”، ضابط برتبة صغيرة في جيش النظام السوري السابق، يقيم اليوم في بيروت ويعمل سائقَ سيارة أجرة. الهاتف خارج التغطية.

الرجل الذي عبر النهر مع زوجته وأطفاله بحثاً عن الأمان، بعد أن شعر أنَّ الجميع تخلّى عنه، بمن فيهم الرئيس الذي كان يعتقد يوماً أنه يقاتل دفاعاً عنه.

بدت رحلة هروبه إلى لبنان، بسخريةٍ قاسية، شبيهةً بقصص آلاف السوريين الذين فرّوا سابقاً من بطش النظام نفسه، وكانت بيروت بالنسبة إليهم الملاذ الأخير.

بعد أسبوع، يعاود “م.ع” الاتصال بي، صوته متوتر، لكنّه يحاول أن يبدو طبيعياً. يخبرني أنّه عاد إلى عمله كسائق تكسي، غير آبه كثيراً بما قد يحلّ به بعد عودة ملف “فلول النظام” في لبنان إلى الواجهة، واحتمالات تسليم بعض المطلوبين إلى دمشق.

يقول: “أنا أعيل زوجتي، وزوجة أخي الذي توفي في الحرب، وأطفاله أيضاً… ماذا أفعل؟”.

أستقل السيارة برفقته، يداه على المقود، لكن عينيه منشغلتان بشيء آخر، يراقب الطريق بحذر مبالغ فيه، وكلما اقتربنا من حاجز أمني يتبدل صوته وحركاته. يخبرني أنه يحاول قدر الإمكان تجنب المرور عبر حاجز المدفون شمال بيروت.

يصمت قليلاً، ثم يبتسم بمرارة: “حتى الحواجز صار إلها ذاكرة”.

جسر المدفون… ذاكرة سورية ثقيلة

لا يبدو خوف “م.ع” من حاجز المدفون مجرد خوف أمني عابر، للمكان تاريخ طويل محفور في الذاكرة السورية واللبنانية معاً.

في آذار 1985، انطلقت كتيبة سورية تضم نحو 800 جندي و25 دبابة وعشرين ناقلة جنود مدرعة إلى المنطقة المحيطة بجسر نهر المدفون، على بعد نحو 48 كيلومتراً شمال بيروت، حيث أقامت القوات السورية نقطة تفتيش عسكرية تحولت لاحقاً إلى واحدة من أبرز رموز النفوذ الأمني السوري في لبنان.

كان الحاجز يومها رمزاً للهيمنة والخوف بالنسبة لكثير من اللبنانيين، واليوم، بعد أربعة عقود تقريباً، يقف ضباط سوريون سابقون أمام الحاجز نفسه وهم يشعرون بالخوف نفسه، لكن من الجهة المعاكسة للتاريخ.

قبل أسابيع، أوقف الحاجز رجلاً سورياً يحمل سلاحاً غير مرخّص، منذ ذلك اليوم، بات اسم “المدفون” يتردد بكثرة بين السوريين الفارّين إلى لبنان، خصوصاً أولئك المرتبطين بالنظام السابق.

كأنَّ التاريخ يدور في حلقة ساخرة، الأماكن نفسها، لكن الأدوار تبدلت.

مئة ضابط بين البقاع والشمال

وفق مصادر أمنية وسياسية لبنانية، دخل نحو مئة ضابط وعنصر سابق في قوات النظام السوري إلى لبنان عبر معابر غير شرعية، خلال الأسابيع التي تلت انهيار السلطة في دمشق وفرار شخصيات عسكرية وأمنية عديدة.

توزع هؤلاء بشكل أساسي في مناطق شمال لبنان والبقاع، خصوصاً في مناطق ذات نفوذ تقليدي لحزب الله وحلفائه أو في بيئات اجتماعية قريبة من النظام السوري السابق.

تقول المصادر إنَّ جزءاً كبيراً منهم يتمركز في جبل محسن، ذي الغالبية العلوية في طرابلس، إضافة إلى بلدات حدودية في عكار مثل حكر الضاهري وتل بيري، فضلاً عن مناطق متفرقة في البقاع.

في الظاهر، تبدو حياتهم هادئة، بعضهم يعمل في مهن بسيطة، وآخرون يلتزمون منازلهم تماماً وطوال الوقت، لكن خلف هذا الهدوء يعيش كثيرون حالة ترقب وقلق دائمة، خصوصاً بعد الحديث المتصاعد عن إمكان تسليم مطلوبين إلى دمشق.

الرتب الكبيرة محمية

في البقاع، التقيت “س.ف”، وهو ضابط سابق يقول إنه عمل لسنوات ضمن الفريق الأمني المرتبط بماهر الأسد.

يتحدث بصوت منخفض، كأنَّه يخشى أن يسمعه أحد، بالرغم من أنَّ المقهى شبه فارغ. يقول إنَّ حالة من الهلع سادت بين الضباط السابقين بعد تسريب معلومات عن قوائم أسماء مطلوبة من دمشق، وإنَّ بعض الذين يملكون المال بدأوا فعلاً رحلة هروب جديدة عبر البحر، مستخدمين قوارب مطاطية تنطلق من شمال لبنان وطرابلس باتجاه أماكن لا يعرفها.

أما هو، فيقول إنه قرر البقاء، “بحياتي لم أؤذِ أحداً… كنت مجرد موظف، حتى نحن كنا نعاني من تكبرهم وإذلالهم مثل بقية السوريين”.

أسأله عمّن يقيم اليوم في البقاع من الضباط السابقين، يتنهد طويلاً قبل أن يجيب: “الضباط الكبار تحت حماية مباشرة… سيارات ومرافقون وحركة كأنهم ما زالوا داخل النظام، أما الفقراء مثلنا فنعيش من قلة الموت”.

وحين أسأله إن كانوا يخططون لأي تحرك ضد السلطة الجديدة في سوريا، يلتزم الصمت للحظات.

لا يجيب بـِ “نعم” ولا بـِ “لا”. فقط يحدق في الفراغ قبل أن يقول: “المهم أنهم قادرون على حماية أنفسهم والهروب إذا لزم الأمر”.

من المراقبة إلى ملف التسليم

في الفترات الماضية، كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية تراقب وجود هؤلاء الضباط والعناصر السابقين بحذر، خوفاً من استخدامهم في أي صراع داخلي لبناني أو في عمليات أمنية مرتبطة بسوريا.

لكن الملف أخذ منحىً مختلفاً تماماً بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق.

وفق معلومات متقاطعة، سلّمت السلطات السورية إلى لبنان قائمة تضم نحو 200 اسم من ضباط ومسؤولي النظام السابق الفارين إلى الأراضي اللبنانية، يُعتقد أن نحو نصفهم دخلوا عبر معابر غير شرعية.

وسبق ذلك زيارة أجراها مساعد مدير الاستخبارات السورية عبد الرحمن الدبّاغ إلى بيروت، حيث تشير معلومات سياسية وأمنية إلى أنه سلّم الأجهزة اللبنانية أسماء أشخاص يُشتبه بتورطهم في التخطيط أو التمويل أو التنسيق للأحداث الأمنية التي شهدها الساحل السوري خلال الأشهر الماضية.

لاحقاً، أعلن نواف سلام موقفاً واضحاً حين قال: “لن نسمح بوجود أشخاص على الأراضي اللبنانية يعملون ضد الحكم في سوريا”.

بالنسبة لكثير من الضباط السابقين المختبئين في لبنان، بدا التصريح كأنه إعلان مباشر بانتهاء مرحلة “التغاضي الأمني”، والدخول في مرحلة جديدة عنوانها: التسليم أو الملاحقة.

اتفاقية قديمة تعود إلى الواجهة

في عمق هذا الملف، تعود اتفاقية قضائية قديمة بين لبنان وسوريا إلى الواجهة مجدداً. ففي عام 1951، وقّع البلدان اتفاقية للتعاون القضائي، تنظم تبادل المعلومات والمساعدات القضائية وتسليم الموقوفين والمحكومين بين الطرفين.

طوال عقود، بقيت الاتفاقية مرتبطة بملفات أمنية وسياسية معقدة، واستخدمت أحياناً بشكل انتقائي وفق طبيعة العلاقة بين النظامين في البلدين.

أما اليوم، فالمعادلة تبدو مختلفة، لم يعد ملف السجناء السوريين في لبنان وحده أساس العلاقة مع دمشق، بل بات ملف “الفلول” جزءاً مركزياً من إعادة تشكيل التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين.

وتشير مصادر سياسية لبنانية إلى أن السلطات السورية تستعد خلال الفترة المقبلة لإصدار مذكرات توقيف بحق عشرات المقيمين في لبنان، مع تعميم بعضها عبر الإنتربول، ما سيضع الدولة اللبنانية أمام اختبار سياسي وأمني شديد الحساسية.

خوف معلّق بين بلدين

في بيروت، يعيش “م.ع” يومه كسائق تاكسي بين زحمة الطرقات وأخبار الملاحقات، يحاول أن يبدو عادياً، يشرب القهوة، يدخن كثيراً، ويشغل الموسيقى بصوت منخفض، لكن القلق يخرج من تفاصيله الصغيرة.

كل اتصال مجهول يربكه، كل حاجز أمني يجعله يبطئ السيارة قليلاً، وكل خبر عن دمشق يعيده إلى لحظة الهروب الأولى.

حين أوصله إلى شارع مزدحم في العاصمة، يسألني فجأة: “برأيك… إذا سلمونا، هل ينسى الناس أننا كنا أيضاً ضحايا؟”.

لا أجيبه، في لبنان، تبدو الأسئلة المرتبطة بسوريا أكبر من الإجابات دائماً.

على ضفاف المدفون، وفي أحياء البقاع، وفي شقق بيروت الضيقة، يعيش عشرات الضباط السابقين حالة معلّقة بين بلدين: بلد هربوا منه خوفاً، وبلد قد لا يعود قادراً أو راغباً في حمايتهم.

أما هم، فيعرفون جيداً أنَّ الزمن الذي كانت فيه الحدود مفتوحة أمام نفوذ النظام السوري قد انتهى، وأنَّ مرحلة جديدة بدأت، عنوانها المطاردة الصامتة… والانتظار.

فلول الأسد في لبنان: من ضباطٍ على الحواجز إلى مطاردين خلفها

الكاتب: بثينة عوض | المصدر: المدن
19 أيار 2026

أحاول الاتصال مراراً بـِ “م.ع”، ضابط برتبة صغيرة في جيش النظام السوري السابق، يقيم اليوم في بيروت ويعمل سائقَ سيارة أجرة. الهاتف خارج التغطية.

الرجل الذي عبر النهر مع زوجته وأطفاله بحثاً عن الأمان، بعد أن شعر أنَّ الجميع تخلّى عنه، بمن فيهم الرئيس الذي كان يعتقد يوماً أنه يقاتل دفاعاً عنه.

بدت رحلة هروبه إلى لبنان، بسخريةٍ قاسية، شبيهةً بقصص آلاف السوريين الذين فرّوا سابقاً من بطش النظام نفسه، وكانت بيروت بالنسبة إليهم الملاذ الأخير.

بعد أسبوع، يعاود “م.ع” الاتصال بي، صوته متوتر، لكنّه يحاول أن يبدو طبيعياً. يخبرني أنّه عاد إلى عمله كسائق تكسي، غير آبه كثيراً بما قد يحلّ به بعد عودة ملف “فلول النظام” في لبنان إلى الواجهة، واحتمالات تسليم بعض المطلوبين إلى دمشق.

يقول: “أنا أعيل زوجتي، وزوجة أخي الذي توفي في الحرب، وأطفاله أيضاً… ماذا أفعل؟”.

أستقل السيارة برفقته، يداه على المقود، لكن عينيه منشغلتان بشيء آخر، يراقب الطريق بحذر مبالغ فيه، وكلما اقتربنا من حاجز أمني يتبدل صوته وحركاته. يخبرني أنه يحاول قدر الإمكان تجنب المرور عبر حاجز المدفون شمال بيروت.

يصمت قليلاً، ثم يبتسم بمرارة: “حتى الحواجز صار إلها ذاكرة”.

جسر المدفون… ذاكرة سورية ثقيلة

لا يبدو خوف “م.ع” من حاجز المدفون مجرد خوف أمني عابر، للمكان تاريخ طويل محفور في الذاكرة السورية واللبنانية معاً.

في آذار 1985، انطلقت كتيبة سورية تضم نحو 800 جندي و25 دبابة وعشرين ناقلة جنود مدرعة إلى المنطقة المحيطة بجسر نهر المدفون، على بعد نحو 48 كيلومتراً شمال بيروت، حيث أقامت القوات السورية نقطة تفتيش عسكرية تحولت لاحقاً إلى واحدة من أبرز رموز النفوذ الأمني السوري في لبنان.

كان الحاجز يومها رمزاً للهيمنة والخوف بالنسبة لكثير من اللبنانيين، واليوم، بعد أربعة عقود تقريباً، يقف ضباط سوريون سابقون أمام الحاجز نفسه وهم يشعرون بالخوف نفسه، لكن من الجهة المعاكسة للتاريخ.

قبل أسابيع، أوقف الحاجز رجلاً سورياً يحمل سلاحاً غير مرخّص، منذ ذلك اليوم، بات اسم “المدفون” يتردد بكثرة بين السوريين الفارّين إلى لبنان، خصوصاً أولئك المرتبطين بالنظام السابق.

كأنَّ التاريخ يدور في حلقة ساخرة، الأماكن نفسها، لكن الأدوار تبدلت.

مئة ضابط بين البقاع والشمال

وفق مصادر أمنية وسياسية لبنانية، دخل نحو مئة ضابط وعنصر سابق في قوات النظام السوري إلى لبنان عبر معابر غير شرعية، خلال الأسابيع التي تلت انهيار السلطة في دمشق وفرار شخصيات عسكرية وأمنية عديدة.

توزع هؤلاء بشكل أساسي في مناطق شمال لبنان والبقاع، خصوصاً في مناطق ذات نفوذ تقليدي لحزب الله وحلفائه أو في بيئات اجتماعية قريبة من النظام السوري السابق.

تقول المصادر إنَّ جزءاً كبيراً منهم يتمركز في جبل محسن، ذي الغالبية العلوية في طرابلس، إضافة إلى بلدات حدودية في عكار مثل حكر الضاهري وتل بيري، فضلاً عن مناطق متفرقة في البقاع.

في الظاهر، تبدو حياتهم هادئة، بعضهم يعمل في مهن بسيطة، وآخرون يلتزمون منازلهم تماماً وطوال الوقت، لكن خلف هذا الهدوء يعيش كثيرون حالة ترقب وقلق دائمة، خصوصاً بعد الحديث المتصاعد عن إمكان تسليم مطلوبين إلى دمشق.

الرتب الكبيرة محمية

في البقاع، التقيت “س.ف”، وهو ضابط سابق يقول إنه عمل لسنوات ضمن الفريق الأمني المرتبط بماهر الأسد.

يتحدث بصوت منخفض، كأنَّه يخشى أن يسمعه أحد، بالرغم من أنَّ المقهى شبه فارغ. يقول إنَّ حالة من الهلع سادت بين الضباط السابقين بعد تسريب معلومات عن قوائم أسماء مطلوبة من دمشق، وإنَّ بعض الذين يملكون المال بدأوا فعلاً رحلة هروب جديدة عبر البحر، مستخدمين قوارب مطاطية تنطلق من شمال لبنان وطرابلس باتجاه أماكن لا يعرفها.

أما هو، فيقول إنه قرر البقاء، “بحياتي لم أؤذِ أحداً… كنت مجرد موظف، حتى نحن كنا نعاني من تكبرهم وإذلالهم مثل بقية السوريين”.

أسأله عمّن يقيم اليوم في البقاع من الضباط السابقين، يتنهد طويلاً قبل أن يجيب: “الضباط الكبار تحت حماية مباشرة… سيارات ومرافقون وحركة كأنهم ما زالوا داخل النظام، أما الفقراء مثلنا فنعيش من قلة الموت”.

وحين أسأله إن كانوا يخططون لأي تحرك ضد السلطة الجديدة في سوريا، يلتزم الصمت للحظات.

لا يجيب بـِ “نعم” ولا بـِ “لا”. فقط يحدق في الفراغ قبل أن يقول: “المهم أنهم قادرون على حماية أنفسهم والهروب إذا لزم الأمر”.

من المراقبة إلى ملف التسليم

في الفترات الماضية، كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية تراقب وجود هؤلاء الضباط والعناصر السابقين بحذر، خوفاً من استخدامهم في أي صراع داخلي لبناني أو في عمليات أمنية مرتبطة بسوريا.

لكن الملف أخذ منحىً مختلفاً تماماً بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق.

وفق معلومات متقاطعة، سلّمت السلطات السورية إلى لبنان قائمة تضم نحو 200 اسم من ضباط ومسؤولي النظام السابق الفارين إلى الأراضي اللبنانية، يُعتقد أن نحو نصفهم دخلوا عبر معابر غير شرعية.

وسبق ذلك زيارة أجراها مساعد مدير الاستخبارات السورية عبد الرحمن الدبّاغ إلى بيروت، حيث تشير معلومات سياسية وأمنية إلى أنه سلّم الأجهزة اللبنانية أسماء أشخاص يُشتبه بتورطهم في التخطيط أو التمويل أو التنسيق للأحداث الأمنية التي شهدها الساحل السوري خلال الأشهر الماضية.

لاحقاً، أعلن نواف سلام موقفاً واضحاً حين قال: “لن نسمح بوجود أشخاص على الأراضي اللبنانية يعملون ضد الحكم في سوريا”.

بالنسبة لكثير من الضباط السابقين المختبئين في لبنان، بدا التصريح كأنه إعلان مباشر بانتهاء مرحلة “التغاضي الأمني”، والدخول في مرحلة جديدة عنوانها: التسليم أو الملاحقة.

اتفاقية قديمة تعود إلى الواجهة

في عمق هذا الملف، تعود اتفاقية قضائية قديمة بين لبنان وسوريا إلى الواجهة مجدداً. ففي عام 1951، وقّع البلدان اتفاقية للتعاون القضائي، تنظم تبادل المعلومات والمساعدات القضائية وتسليم الموقوفين والمحكومين بين الطرفين.

طوال عقود، بقيت الاتفاقية مرتبطة بملفات أمنية وسياسية معقدة، واستخدمت أحياناً بشكل انتقائي وفق طبيعة العلاقة بين النظامين في البلدين.

أما اليوم، فالمعادلة تبدو مختلفة، لم يعد ملف السجناء السوريين في لبنان وحده أساس العلاقة مع دمشق، بل بات ملف “الفلول” جزءاً مركزياً من إعادة تشكيل التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين.

وتشير مصادر سياسية لبنانية إلى أن السلطات السورية تستعد خلال الفترة المقبلة لإصدار مذكرات توقيف بحق عشرات المقيمين في لبنان، مع تعميم بعضها عبر الإنتربول، ما سيضع الدولة اللبنانية أمام اختبار سياسي وأمني شديد الحساسية.

خوف معلّق بين بلدين

في بيروت، يعيش “م.ع” يومه كسائق تاكسي بين زحمة الطرقات وأخبار الملاحقات، يحاول أن يبدو عادياً، يشرب القهوة، يدخن كثيراً، ويشغل الموسيقى بصوت منخفض، لكن القلق يخرج من تفاصيله الصغيرة.

كل اتصال مجهول يربكه، كل حاجز أمني يجعله يبطئ السيارة قليلاً، وكل خبر عن دمشق يعيده إلى لحظة الهروب الأولى.

حين أوصله إلى شارع مزدحم في العاصمة، يسألني فجأة: “برأيك… إذا سلمونا، هل ينسى الناس أننا كنا أيضاً ضحايا؟”.

لا أجيبه، في لبنان، تبدو الأسئلة المرتبطة بسوريا أكبر من الإجابات دائماً.

على ضفاف المدفون، وفي أحياء البقاع، وفي شقق بيروت الضيقة، يعيش عشرات الضباط السابقين حالة معلّقة بين بلدين: بلد هربوا منه خوفاً، وبلد قد لا يعود قادراً أو راغباً في حمايتهم.

أما هم، فيعرفون جيداً أنَّ الزمن الذي كانت فيه الحدود مفتوحة أمام نفوذ النظام السوري قد انتهى، وأنَّ مرحلة جديدة بدأت، عنوانها المطاردة الصامتة… والانتظار.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار