ماذا بقي من لبنان البطريرك الطوباوي؟

ماذا يعني إعلان البطريرك الماروني الياس الحويك طوباويًا في هذا التوقيت بالذات، وهو وقت عصيب تُمتحن فيه فكرة “لبنان الكبير”، الذي أراده البطريرك الطوباوي طوباويًا بالمعنى المجازي للكلمة، أي أنه كان يتطلع إلى أن يرى هذا “اللبنان” كبيرًا بوحدة أبنائه، وإن كانت مساحته الجغرافية صغيرة نسبيًا قياسًا إلى الدول الكبرى. ولكن وبعد مرور مئة وست سنوات على هذا الإعلان التاريخي بمفهومه الحضاري والرسالي، على حدّ الوصف الإيحائي للبابا القديس يوحنا بولس الثاني، يبدو المشهد اللبناني مغايرًا لما كان عليه طيلة سنوات، وقبل أن تنخر “السوسة الخارجية” مفاصل الدولة، ويعيث الفساد دوائرها وإداراتها ومؤسساتها؛ وقبل أن تطغى فكرة الدويلات الطائفية على فكرة الدولة المركزية، وقبل أن تقوى الأولى وتضعف الثانية، وقبل أن يتحوّل الولاء الكلّي للوطن إلى الولاء المجزأ للطائفة والحزب والزعيم.
وفي خضم هذا الانهيار المتدرّج لفكرة الدولة، يأتي إعلان البطريرك الحويك طوباويًا ليحمل أكثر من بُعد روحي وكنسي، إذ يتجاوز الإطار الديني البحت ليأخذ طابعًا وطنيًا وتاريخيًا عميقًا، وكأنّ الكنيسة المارونية، ومن خلفها الفاتيكان، تعيدان التذكير بجوهر المشروع اللبناني الذي وُلد على يد رجال دولة ورجال إيمان آمنوا بأنّ لبنان ليس مجرد كيان جغرافي أو تسوية ظرفية، بل مساحة لقاء ورسالة عيش مشترك وحرية في هذا الشرق المضطرب.
فالحويك الطوباوي، الذي ارتبط اسمه بقيام “لبنان الكبير” عام 1920، لم يكن يطمح إلى إنشاء وطن لفئة دون أخرى، بل كان يرى في لبنان نموذجًا لشراكة إنسانية وثقافية تتجاوز الحسابات الطائفية الضيقة. ومن هنا، فإنّ إعادة إحياء صورته اليوم ليست مجرد تكريم لشخصية تاريخية، بل استحضار لمرحلة كان فيها الحلم اللبناني أكبر من الانقسامات وأكثر اتساعًا من مشاريع المحاور والنفوذ.
ولعلّ المفارقة المؤلمة تكمن في أنّ الطوباوية تُعلن في لحظة يبدو فيها لبنان أبعد ما يكون عن تلك الرؤية. فالدولة التي أرادها الحويك قوية بمؤسساتها، عادلة بين أبنائها، ومنفتحة على محيطها والعالم، باتت اليوم دولة منهكة، عاجزة عن حماية مواطنيها أو تأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة لهم. أما فكرة “العيش الواحد”، التي شكّلت جوهر التجربة اللبنانية، فتتعرض لاختبارات قاسية تحت ضغط الانهيار الاقتصادي، والهجرة الجماعية، وتصاعد الخطابات الفئوية والمذهبي، وتحريك الشارع، وسط تهديدات متبادلة بعناوين مستفزة ومحرّضة.
ومن هنا، فإنّ توقيت إعلان طوباوية الحويك لا يبدو في هذا التوقيت بالذات أمرًا عاديًا، إذ أن ثمّة رسالة واضحة في الخلفية الفاتيكانية تقول إنّ لبنان، على رغم كل ما أصابه، لا يزال يملك معنى يتجاوز أزماته الراهنة، وأنّ سقوط النموذج اللبناني بالكامل ليس قدرًا محتومًا. وكأنّ الكنيسة تقول للبنانيين إنّ العودة إلى فكرة الدولة ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط وجود وبقاء.
كما أنّ هذا الحدث يطرح، ولو بصورة غير مباشرة، سؤالًا وجوديًا على اللبنانيين جميعًا: ماذا بقي من “لبنان الكبير” بعد أكثر من قرن على ولادته؟ وهل ما زالت القوى السياسية تتعامل مع الدولة باعتبارها مشروعًا نهائيًا جامعًا، أم أنّها حوّلتها إلى مجرد ساحة لتقاسم النفوذ والمصالح؟
وفي العمق، قد يكون أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط الانهيار المالي أو التفكك الإداري، بل انهيار الإيمان الجماعي بفكرة الوطن نفسه. فعندما يفقد المواطن ثقته بالدولة، ويبحث عن حمايته في الطائفة أو الحزب أو الخارج، يصبح الكيان مهددًا من الداخل مهما بدت حدوده ثابتة على الخرائط.
لذلك، فإنّ إعلان البطريرك الحويك طوباويًا في هذا التوقيت بالذات دعوة معنوية وأخلاقية لإعادة التفكير في معنى لبنان الحقيقي، بعيدًا من الشعارات والمزايدات؛ دعوة إلى استعادة مفهوم الدولة الجامعة، لا الدولة الضعيفة الخاضعة لموازين القوى الداخلية والخارجية، وإلى إعادة الاعتبار لفكرة أن لبنان لا يمكن أن يستمر إلا إذا عاد وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، لا مجموعة جزر سياسية وطائفية متناحرة تحت سقف واحد.
ويأتي هذا “التطويب” بعد أشهر من الزيارة التاريخية، التي قام بها قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر للبنان – الأعجوبة، وهو الذي خبر بنفسه مدى أهمية هذا “اللبنان”، الذي لا يشبه أي بلد آخر، ولكنه بلد لم يعرف أبناؤه قيمته، وهو الذي تأسس على القيم الإنسانية لسامية، التي تقرّها الأديان السماوية كافة، وتدعو إلى تعميمها كأنموذج لتعايش الحضارتين المسيحية والإسلامية في بوتقة واحدة متجانسة.
ماذا بقي من لبنان البطريرك الطوباوي؟

ماذا يعني إعلان البطريرك الماروني الياس الحويك طوباويًا في هذا التوقيت بالذات، وهو وقت عصيب تُمتحن فيه فكرة “لبنان الكبير”، الذي أراده البطريرك الطوباوي طوباويًا بالمعنى المجازي للكلمة، أي أنه كان يتطلع إلى أن يرى هذا “اللبنان” كبيرًا بوحدة أبنائه، وإن كانت مساحته الجغرافية صغيرة نسبيًا قياسًا إلى الدول الكبرى. ولكن وبعد مرور مئة وست سنوات على هذا الإعلان التاريخي بمفهومه الحضاري والرسالي، على حدّ الوصف الإيحائي للبابا القديس يوحنا بولس الثاني، يبدو المشهد اللبناني مغايرًا لما كان عليه طيلة سنوات، وقبل أن تنخر “السوسة الخارجية” مفاصل الدولة، ويعيث الفساد دوائرها وإداراتها ومؤسساتها؛ وقبل أن تطغى فكرة الدويلات الطائفية على فكرة الدولة المركزية، وقبل أن تقوى الأولى وتضعف الثانية، وقبل أن يتحوّل الولاء الكلّي للوطن إلى الولاء المجزأ للطائفة والحزب والزعيم.
وفي خضم هذا الانهيار المتدرّج لفكرة الدولة، يأتي إعلان البطريرك الحويك طوباويًا ليحمل أكثر من بُعد روحي وكنسي، إذ يتجاوز الإطار الديني البحت ليأخذ طابعًا وطنيًا وتاريخيًا عميقًا، وكأنّ الكنيسة المارونية، ومن خلفها الفاتيكان، تعيدان التذكير بجوهر المشروع اللبناني الذي وُلد على يد رجال دولة ورجال إيمان آمنوا بأنّ لبنان ليس مجرد كيان جغرافي أو تسوية ظرفية، بل مساحة لقاء ورسالة عيش مشترك وحرية في هذا الشرق المضطرب.
فالحويك الطوباوي، الذي ارتبط اسمه بقيام “لبنان الكبير” عام 1920، لم يكن يطمح إلى إنشاء وطن لفئة دون أخرى، بل كان يرى في لبنان نموذجًا لشراكة إنسانية وثقافية تتجاوز الحسابات الطائفية الضيقة. ومن هنا، فإنّ إعادة إحياء صورته اليوم ليست مجرد تكريم لشخصية تاريخية، بل استحضار لمرحلة كان فيها الحلم اللبناني أكبر من الانقسامات وأكثر اتساعًا من مشاريع المحاور والنفوذ.
ولعلّ المفارقة المؤلمة تكمن في أنّ الطوباوية تُعلن في لحظة يبدو فيها لبنان أبعد ما يكون عن تلك الرؤية. فالدولة التي أرادها الحويك قوية بمؤسساتها، عادلة بين أبنائها، ومنفتحة على محيطها والعالم، باتت اليوم دولة منهكة، عاجزة عن حماية مواطنيها أو تأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة لهم. أما فكرة “العيش الواحد”، التي شكّلت جوهر التجربة اللبنانية، فتتعرض لاختبارات قاسية تحت ضغط الانهيار الاقتصادي، والهجرة الجماعية، وتصاعد الخطابات الفئوية والمذهبي، وتحريك الشارع، وسط تهديدات متبادلة بعناوين مستفزة ومحرّضة.
ومن هنا، فإنّ توقيت إعلان طوباوية الحويك لا يبدو في هذا التوقيت بالذات أمرًا عاديًا، إذ أن ثمّة رسالة واضحة في الخلفية الفاتيكانية تقول إنّ لبنان، على رغم كل ما أصابه، لا يزال يملك معنى يتجاوز أزماته الراهنة، وأنّ سقوط النموذج اللبناني بالكامل ليس قدرًا محتومًا. وكأنّ الكنيسة تقول للبنانيين إنّ العودة إلى فكرة الدولة ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط وجود وبقاء.
كما أنّ هذا الحدث يطرح، ولو بصورة غير مباشرة، سؤالًا وجوديًا على اللبنانيين جميعًا: ماذا بقي من “لبنان الكبير” بعد أكثر من قرن على ولادته؟ وهل ما زالت القوى السياسية تتعامل مع الدولة باعتبارها مشروعًا نهائيًا جامعًا، أم أنّها حوّلتها إلى مجرد ساحة لتقاسم النفوذ والمصالح؟
وفي العمق، قد يكون أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط الانهيار المالي أو التفكك الإداري، بل انهيار الإيمان الجماعي بفكرة الوطن نفسه. فعندما يفقد المواطن ثقته بالدولة، ويبحث عن حمايته في الطائفة أو الحزب أو الخارج، يصبح الكيان مهددًا من الداخل مهما بدت حدوده ثابتة على الخرائط.
لذلك، فإنّ إعلان البطريرك الحويك طوباويًا في هذا التوقيت بالذات دعوة معنوية وأخلاقية لإعادة التفكير في معنى لبنان الحقيقي، بعيدًا من الشعارات والمزايدات؛ دعوة إلى استعادة مفهوم الدولة الجامعة، لا الدولة الضعيفة الخاضعة لموازين القوى الداخلية والخارجية، وإلى إعادة الاعتبار لفكرة أن لبنان لا يمكن أن يستمر إلا إذا عاد وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، لا مجموعة جزر سياسية وطائفية متناحرة تحت سقف واحد.
ويأتي هذا “التطويب” بعد أشهر من الزيارة التاريخية، التي قام بها قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر للبنان – الأعجوبة، وهو الذي خبر بنفسه مدى أهمية هذا “اللبنان”، الذي لا يشبه أي بلد آخر، ولكنه بلد لم يعرف أبناؤه قيمته، وهو الذي تأسس على القيم الإنسانية لسامية، التي تقرّها الأديان السماوية كافة، وتدعو إلى تعميمها كأنموذج لتعايش الحضارتين المسيحية والإسلامية في بوتقة واحدة متجانسة.










