7 تشرين و”هندسة” الانتحار الكامل

لقد كان 7 تشرين الأول 2023 تاريخاً مفصلياً للغباء الاستراتيجي والارتهان لإرادات خارجية. وخروج “الحزب” من المأزق لن يكون بالمزيد من الهروب إلى الأمام، بل بالاعتراف الجريء بالهزيمة ووقف مسار الانتحار الجماعي، والانضواء فوراً وبالكامل تحت سقف الدولة
عندما يعود المؤرّخون إلى تفكيك الانهيارات الكبرى في الشرق الأوسط، سيتوقفون طويلاً عند تاريخ 7 تشرين الأول 2023. سيُسجَّل هذا التاريخ بوصفه أضخم خطأ استراتيجي، ولكونه لحظة الغباء السياسي الأكثر كلفة في التاريخ العربي الحديث. إنها اللحظة التي اتّخذت فيها إيران قراراً بـ”نحر” أذرعها مجاناً، وبلا أفق، في مجتمعات لا تتمتع بأدنى مقومات الصمود، وقدمت إلى إسرائيل هدية جيوسياسية وأمنية حيوية، إذ أتاحت لها تدمير قطاع غزة والجنوب اللبناني والسيطرة عليهما وعلى أجزاء من جنوب سوريا، وفرض النفوذ في الإقليم برمته.
كان خطأ “حماس” في غزة منهجياً قاتلاً. لقد افترضت أنّ الإيرانيين وسائر أذرعهم سيخوضون حرباً وجودية شاملة من أجل القطاع. وأما في لبنان، فكان خطأ “حزب الله” أشد فداحة. إذ هو اندفع نحو سيناريو “الإسناد المفتوح”، وعمد إلى رسم قواعد اشتباك وهمية افترض فيها، من دون مرتكزات منطقية، أنّ إسرائيل ستظل منضبطة ضمن السقوف القديمة.
المأساة الكبرى ليست فقط في الحسابات الأولى الخاطئة، بل في المكابرة والامتناع القاتل عن التراجع، على رغم الأكلاف المريعة. ولعنة الإصرار على الخطأ جرفت وتجرف معها البشر والحجر، وتدمّر القرى، وتهجّر مئات الآلاف، في مسار “انتحار جماعي ممنهج”. وكل هذا يتم تحت شعارات أيديولوجية أثبتت الوقائع أنها مجرد فقاعات فارغة.
لقد أدارت إيران معركتها الخاصة بالحرب في غزة والجنوب اللبناني. هي جعلت من الأذرع متاريس متقدمة من أجل أن تبعد النار عنها وعن نظامها. أي إنها اعتمدت مفهوم التضحية بالأطراف من أجل حماية المركز. وفي الواقع، إنّ الهيكليات الميليشوية التي أقامتها طهران على مدى عقود، ودفعت عليها المليارات، لم تكن تهدف لا إلى بناء مجتمعات عربية قوية ولا إلى “استعادة فلسطين” كما تدعي، بل إنّ دورها هو تأمين الهيمنة داخل مجتمعاتها، واستخدام هذه الأذرع كمصدّات وقواعد متقدمة للدفاع عن مشروعها النووي ونظامها وبنيتها الأمنية في الداخل الإيراني ذاته. ولذلك، عندما حانت لحظة الاستحقاق الفعلي بعد 7 تشرين الأول، وقفت طهران تتفرج على تفكيك بنية “حماس” في غزة، ثم تفجير بنية “حزب الله” في لبنان وتصفية قياداته وسيطرة إسرائيل على الجنوب.
ولكن، عملياً، “أُكِلت طهران عندما أُكِل الثور الأبيض”. فقد وقعت في الفخ ذاته. وبعدما سقطت أدواتها الإقليمية تباعاً- وما تزال تسقط الآن في لبنان كما في اليمن- خسرت أدواتها التفاوضية والميدانية واحدة تلو الأخرى، ووجدت نفسها مكشوفة من دون هيبتها الردعية، وهي اليوم في الطريق إلى خسارة مرتكزات قوتها الذاتية بشكل شبه كامل.
لو كان “حزب الله” يمتلك هامش التفكير النقدي والقدرة على المبادرة، لاعترف بالحقائق الساطعة، وتجنب إنكار الوقائع وابتعد عن الخطاب الإنشائي، وأنقذ ما تبقى من الجنوب وقراه، بل الكيان اللبناني المهدد. وإذ يذهب لبنان الرسمي إلى المفاوضات مع إسرائيل، بشراكة أميركية قوية، يكتفي “الحزب” بإطلاق خطب التخوين الفارغة، علماً أنه هو الذي دمّر بسلوكه ما بقي للبنان من مرتكزات قوة اقتصادية وسياسية، وقدمها على مذبح “المحور”. وعدم اعترافه بالهزيمة المؤكدة، وبحجم الكارثة التي ألحقها بالجنوب ولبنان، يشكل استمراراً لنهج 7 تشرين الأول، الذي يعتمد التضحية بالدولة والكيان والمجتمع في سبيل سراب “النصر الأيديولوجي”.
لقد كان 7 تشرين الأول 2023 تاريخاً مفصلياً للغباء الاستراتيجي والارتهان لإرادات خارجية. وخروج “حزب الله” من المأزق لن يكون بالمزيد من الهروب إلى الأمام، بل بالاعتراف الجريء بالهزيمة ووقف مسار الانتحار الجماعي، والانضواء فوراً وبالكامل تحت سقف الدولة. وعبر التاريخ، لم تنجح الشعوب والجماعات- كما الأفراد- بالنهوض من الركام إلا عندما توقفت عن ضخ البخار في الهواء، وامتلكت شجاعة الوقوف على أرض الواقع، والاعتراف بالهزيمة، مهما كان ذلك قاسياً.
7 تشرين و”هندسة” الانتحار الكامل

لقد كان 7 تشرين الأول 2023 تاريخاً مفصلياً للغباء الاستراتيجي والارتهان لإرادات خارجية. وخروج “الحزب” من المأزق لن يكون بالمزيد من الهروب إلى الأمام، بل بالاعتراف الجريء بالهزيمة ووقف مسار الانتحار الجماعي، والانضواء فوراً وبالكامل تحت سقف الدولة
عندما يعود المؤرّخون إلى تفكيك الانهيارات الكبرى في الشرق الأوسط، سيتوقفون طويلاً عند تاريخ 7 تشرين الأول 2023. سيُسجَّل هذا التاريخ بوصفه أضخم خطأ استراتيجي، ولكونه لحظة الغباء السياسي الأكثر كلفة في التاريخ العربي الحديث. إنها اللحظة التي اتّخذت فيها إيران قراراً بـ”نحر” أذرعها مجاناً، وبلا أفق، في مجتمعات لا تتمتع بأدنى مقومات الصمود، وقدمت إلى إسرائيل هدية جيوسياسية وأمنية حيوية، إذ أتاحت لها تدمير قطاع غزة والجنوب اللبناني والسيطرة عليهما وعلى أجزاء من جنوب سوريا، وفرض النفوذ في الإقليم برمته.
كان خطأ “حماس” في غزة منهجياً قاتلاً. لقد افترضت أنّ الإيرانيين وسائر أذرعهم سيخوضون حرباً وجودية شاملة من أجل القطاع. وأما في لبنان، فكان خطأ “حزب الله” أشد فداحة. إذ هو اندفع نحو سيناريو “الإسناد المفتوح”، وعمد إلى رسم قواعد اشتباك وهمية افترض فيها، من دون مرتكزات منطقية، أنّ إسرائيل ستظل منضبطة ضمن السقوف القديمة.
المأساة الكبرى ليست فقط في الحسابات الأولى الخاطئة، بل في المكابرة والامتناع القاتل عن التراجع، على رغم الأكلاف المريعة. ولعنة الإصرار على الخطأ جرفت وتجرف معها البشر والحجر، وتدمّر القرى، وتهجّر مئات الآلاف، في مسار “انتحار جماعي ممنهج”. وكل هذا يتم تحت شعارات أيديولوجية أثبتت الوقائع أنها مجرد فقاعات فارغة.
لقد أدارت إيران معركتها الخاصة بالحرب في غزة والجنوب اللبناني. هي جعلت من الأذرع متاريس متقدمة من أجل أن تبعد النار عنها وعن نظامها. أي إنها اعتمدت مفهوم التضحية بالأطراف من أجل حماية المركز. وفي الواقع، إنّ الهيكليات الميليشوية التي أقامتها طهران على مدى عقود، ودفعت عليها المليارات، لم تكن تهدف لا إلى بناء مجتمعات عربية قوية ولا إلى “استعادة فلسطين” كما تدعي، بل إنّ دورها هو تأمين الهيمنة داخل مجتمعاتها، واستخدام هذه الأذرع كمصدّات وقواعد متقدمة للدفاع عن مشروعها النووي ونظامها وبنيتها الأمنية في الداخل الإيراني ذاته. ولذلك، عندما حانت لحظة الاستحقاق الفعلي بعد 7 تشرين الأول، وقفت طهران تتفرج على تفكيك بنية “حماس” في غزة، ثم تفجير بنية “حزب الله” في لبنان وتصفية قياداته وسيطرة إسرائيل على الجنوب.
ولكن، عملياً، “أُكِلت طهران عندما أُكِل الثور الأبيض”. فقد وقعت في الفخ ذاته. وبعدما سقطت أدواتها الإقليمية تباعاً- وما تزال تسقط الآن في لبنان كما في اليمن- خسرت أدواتها التفاوضية والميدانية واحدة تلو الأخرى، ووجدت نفسها مكشوفة من دون هيبتها الردعية، وهي اليوم في الطريق إلى خسارة مرتكزات قوتها الذاتية بشكل شبه كامل.
لو كان “حزب الله” يمتلك هامش التفكير النقدي والقدرة على المبادرة، لاعترف بالحقائق الساطعة، وتجنب إنكار الوقائع وابتعد عن الخطاب الإنشائي، وأنقذ ما تبقى من الجنوب وقراه، بل الكيان اللبناني المهدد. وإذ يذهب لبنان الرسمي إلى المفاوضات مع إسرائيل، بشراكة أميركية قوية، يكتفي “الحزب” بإطلاق خطب التخوين الفارغة، علماً أنه هو الذي دمّر بسلوكه ما بقي للبنان من مرتكزات قوة اقتصادية وسياسية، وقدمها على مذبح “المحور”. وعدم اعترافه بالهزيمة المؤكدة، وبحجم الكارثة التي ألحقها بالجنوب ولبنان، يشكل استمراراً لنهج 7 تشرين الأول، الذي يعتمد التضحية بالدولة والكيان والمجتمع في سبيل سراب “النصر الأيديولوجي”.
لقد كان 7 تشرين الأول 2023 تاريخاً مفصلياً للغباء الاستراتيجي والارتهان لإرادات خارجية. وخروج “حزب الله” من المأزق لن يكون بالمزيد من الهروب إلى الأمام، بل بالاعتراف الجريء بالهزيمة ووقف مسار الانتحار الجماعي، والانضواء فوراً وبالكامل تحت سقف الدولة. وعبر التاريخ، لم تنجح الشعوب والجماعات- كما الأفراد- بالنهوض من الركام إلا عندما توقفت عن ضخ البخار في الهواء، وامتلكت شجاعة الوقوف على أرض الواقع، والاعتراف بالهزيمة، مهما كان ذلك قاسياً.










