توقيف رياض سلامة: هل يفتح باب المحاسبة للسلطة التنفيذية؟

يشكّل القرار الصادر عن قاضي التحقيق في بيروت رولا صفير بتوقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في إطار دعوى قضائية مقامة من أحد المتضررين من السياسات المالية والنقدية محطة قانونية وسياسية ذات أهمية استثنائية في التاريخ القضائي اللبناني المعاصر، ليس فقط بسبب موقع المدعى عليه السابق في هرم السلطة النقدية، بل لأن هذا النوع من الإجراءات يعيد طرح سؤال جوهري طالما أُرجئ النقاش فيه منذ بداية الانهيار المالي وهو: هل يمكن الانتقال من توصيف الأزمة بوصفها نتيجة ظرف اقتصادي عام إلى اعتبارها موضوعاً للمساءلة القانونية الفردية والمؤسساتية؟
تكتسب هذه القضية بعداً يتجاوز الشخص المعني بها لتلامس بنية النظام المالي والإداري اللبناني وآليات اتخاذ القرار داخله. فالسلطات النقدية، وفق التنظيم القانوني اللبناني، لا تعمل في فراغ دستوري، بل ضمن شبكة من العلاقات المؤسسية التي تربط مصرف لبنان بالسلطة التنفيذية وبالأجهزة الرقابية والمالية والتشريعية. ومن هنا فإن أي مسار قضائي يطال إدارة السياسة النقدية يفتح تلقائياً باب البحث في حدود المسؤولية المشتركة بين الجهات التي شاركت في رسم السياسات أو تغطيتها أو التسويق لها أو الامتناع عن مساءلتها.
من الناحية القانونية البحتة، يجب التمييز بين التوقيف الوجاهي باعتباره إجراءً تحقيقياً احتياطياً وبين الإدانة القضائية النهائية. فمذكرة التوقيف لا تعني ثبوت التهم، بل تعكس قناعة أولية لدى قاضي التحقيق بوجود أسباب جدية تبرر متابعة التحقيق وتقييد حرية المدعى عليه وفق الأصول القانونية. وهذه القاعدة أساسية لحماية قرينة البراءة التي تشكل ركناً من أركان العدالة الجزائية. إلا أن أهمية القرار الذي اتخذته القاضية رولا صفير تكمن في كسره عملياً لفكرة الحصانة السياسية أو الوظيفية غير المعلنة التي أحاطت لسنوات بالمراكز المالية العليا.
أما على مستوى التكييف القانوني للتهم المتداولة، فإن الاتهامات المرتبطة بإساءة استعمال السلطة أو المناورات الاحتيالية أو الإضرار بالمصلحة المالية للدولة تستوجب قانوناً إثبات عناصر دقيقة تشمل وجود فعل مادي محدد، وعلاقة سببية مباشرة بين السلوك والضرر، وقيام القصد الجرمي أو الخطأ الجسيم وفق طبيعة كل جرم. أما ما يتصل بالترويج للثقة بالنظام المالي أو بث الطمأنينة تجاه القطاع المصرفي، فهو يدخل في منطقة قانونية أكثر تعقيداً، لأن السياسة النقدية بطبيعتها تتضمن أدوات تتعلق بإدارة التوقعات والأسواق، ولا يتحول الخطاب المالي الرسمي إلى مسؤولية قانونية إلا إذا ثبت أنه قام على علم مسبق بعدم صحة المعطيات أو إخفاء معلومات جوهرية أو إصدار بيانات مضللة خلافاً للوقائع المتاحة للسلطات.
ومن هنا يبرز البعد الثاني الأكثر حساسية، أي مسؤولية السلطة التنفيذية عن المرحلة السابقة للانهيار. فالوزير المختص، وفي الحالة اللبنانية وزير المالية، لا يدير السياسة النقدية مباشرة، لكنه يشكل جزءاً من السلطة الاقتصادية للدولة ويتولى مسؤوليات تتصل بإدارة المالية العامة والتنسيق مع مصرف لبنان وإعداد الرؤية المالية للدولة. لذلك فإن أي تقييم قانوني جدي لا يمكن أن يحصر البحث في الحاكمية النقدية وحدها من دون النظر إلى البيئة التنفيذية والسياسية التي منحت الشرعية أو الغطاء أو الاستمرار لهذه السياسات.
في هذا السياق، أثير خلال السنوات الماضية نقاش واسع حول التصريحات الرسمية التي سبقت الانهيار والتي تضمنت تأكيدات متكررة من مسؤولين سياسيين وماليين بشأن متانة الوضع النقدي واستقرار سعر الصرف وسلامة الودائع. ومن منظور قانوني، لا يكفي صدور تطمينات سياسية لإقامة مسؤولية جزائية تلقائية على مطلقيها، لأن التصريح السياسي بحد ذاته لا يشكل جرماً. غير أن المسألة تختلف إذا أمكن إثبات أن تلك التصريحات صدرت رغم وجود تقارير رسمية أو معلومات موثقة لدى الجهة المعنية تؤكد العكس، أو إذا ثبت أن الخطاب العام استُخدم بصورة ممنهجة لحمل المواطنين على اتخاذ قرارات مالية على أساس معلومات غير صحيحة.
وعند إسقاط هذا المبدأ على الدور الذي اضطلع به وزير المالية السابق علي حسن خليل خلال تلك المرحلة، يصبح البحث القانوني منصباً على طبيعة المعلومات التي كانت متوافرة للوزارة، وعلى حدود العلم بالمخاطر المالية، وعلى مدى مشاركة الوزارة في صناعة القرار أو المصادقة عليه أو الدفاع العلني عنه. وتكتسب هنا التصريحات العلنية التي أكدت بصورة متكررة متانة الليرة اللبنانية وعدم وجود مخاطر على الودائع أهمية قانونية في إطار التقييم، لا باعتبارها دليلاً قائماً بذاته، بل باعتبارها جزءاً من الوقائع التي قد تُبحث قضائياً إلى جانب المستندات والتقارير والمراسلات الرسمية والمعطيات التي كانت متوافرة للسلطة التنفيذية في ذلك الوقت. فالقانون الإداري والدستوري لا يؤسس لمسؤولية الوزير انطلاقاً من النتائج اللاحقة وحدها، بل من خلال معيار واجب التحوط وواجب الإفصاح وواجب حماية المصلحة العامة ضمن حدود الصلاحيات.
وفي المقابل، فإن تحميل المسؤولية لجهة واحدة فقط يختزل الأزمة اللبنانية بصورة مفرطة. فالانهيار المالي الذي بدأ بالظهور العلني عام 2019 كان نتيجة تراكمات طويلة شملت السياسات النقدية، والعجز المالي، والإنفاق العام، والهندسات المالية، والجمود الإنتاجي، وضعف الرقابة، وتداخل المصالح بين السلطة السياسية والقطاع المصرفي. لذلك فإن أي مسار قضائي يرمي إلى تحقيق العدالة الحقيقية يفترض أن يتوسع نحو مساءلة مؤسساتية شاملة لا أن يتحول إلى محاكمة فردية معزولة.
وتبرز هنا أهمية تطوير مفهوم المسؤولية العامة في القانون اللبناني بحيث لا تبقى المحاسبة مرتبطة فقط بإثبات الجرائم التقليدية، بل تمتد إلى مسؤولية الإدارة عن الإخلال الجسيم بواجبات الحوكمة والإفصاح وإدارة المخاطر. فالأنظمة الحديثة لم تعد تقيس المسؤولية المالية فقط بمن استولى على المال العام، بل أيضاً بمن امتنع عن التحذير أو أخفى المخاطر أو سمح باستمرار نموذج اقتصادي غير قابل للاستدامة رغم المؤشرات المتاحة.
إن القيمة الأهم لهذا القرار القضائي، بصرف النظر عن مآله النهائي، تكمن في إعادة الاعتبار لفكرة أن السلطة النقدية والتنفيذية ليستا خارج نطاق الرقابة القضائية. لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرهوناً بالتزام معايير المحاكمة العادلة، وتوسيع دائرة البحث لتشمل المسؤوليات المؤسسية كافة، والتمييز الدقيق بين الخطأ السياسي والمسؤولية المدنية والمخالفة الإدارية والجريمة الجزائية، لأن العدالة الانتقائية لا تؤسس لاستعادة الثقة، فيما العدالة الشاملة القائمة على الإثبات والقانون قد تشكل بداية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن والمودع في لبنان.
توقيف رياض سلامة: هل يفتح باب المحاسبة للسلطة التنفيذية؟

يشكّل القرار الصادر عن قاضي التحقيق في بيروت رولا صفير بتوقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في إطار دعوى قضائية مقامة من أحد المتضررين من السياسات المالية والنقدية محطة قانونية وسياسية ذات أهمية استثنائية في التاريخ القضائي اللبناني المعاصر، ليس فقط بسبب موقع المدعى عليه السابق في هرم السلطة النقدية، بل لأن هذا النوع من الإجراءات يعيد طرح سؤال جوهري طالما أُرجئ النقاش فيه منذ بداية الانهيار المالي وهو: هل يمكن الانتقال من توصيف الأزمة بوصفها نتيجة ظرف اقتصادي عام إلى اعتبارها موضوعاً للمساءلة القانونية الفردية والمؤسساتية؟
تكتسب هذه القضية بعداً يتجاوز الشخص المعني بها لتلامس بنية النظام المالي والإداري اللبناني وآليات اتخاذ القرار داخله. فالسلطات النقدية، وفق التنظيم القانوني اللبناني، لا تعمل في فراغ دستوري، بل ضمن شبكة من العلاقات المؤسسية التي تربط مصرف لبنان بالسلطة التنفيذية وبالأجهزة الرقابية والمالية والتشريعية. ومن هنا فإن أي مسار قضائي يطال إدارة السياسة النقدية يفتح تلقائياً باب البحث في حدود المسؤولية المشتركة بين الجهات التي شاركت في رسم السياسات أو تغطيتها أو التسويق لها أو الامتناع عن مساءلتها.
من الناحية القانونية البحتة، يجب التمييز بين التوقيف الوجاهي باعتباره إجراءً تحقيقياً احتياطياً وبين الإدانة القضائية النهائية. فمذكرة التوقيف لا تعني ثبوت التهم، بل تعكس قناعة أولية لدى قاضي التحقيق بوجود أسباب جدية تبرر متابعة التحقيق وتقييد حرية المدعى عليه وفق الأصول القانونية. وهذه القاعدة أساسية لحماية قرينة البراءة التي تشكل ركناً من أركان العدالة الجزائية. إلا أن أهمية القرار الذي اتخذته القاضية رولا صفير تكمن في كسره عملياً لفكرة الحصانة السياسية أو الوظيفية غير المعلنة التي أحاطت لسنوات بالمراكز المالية العليا.
أما على مستوى التكييف القانوني للتهم المتداولة، فإن الاتهامات المرتبطة بإساءة استعمال السلطة أو المناورات الاحتيالية أو الإضرار بالمصلحة المالية للدولة تستوجب قانوناً إثبات عناصر دقيقة تشمل وجود فعل مادي محدد، وعلاقة سببية مباشرة بين السلوك والضرر، وقيام القصد الجرمي أو الخطأ الجسيم وفق طبيعة كل جرم. أما ما يتصل بالترويج للثقة بالنظام المالي أو بث الطمأنينة تجاه القطاع المصرفي، فهو يدخل في منطقة قانونية أكثر تعقيداً، لأن السياسة النقدية بطبيعتها تتضمن أدوات تتعلق بإدارة التوقعات والأسواق، ولا يتحول الخطاب المالي الرسمي إلى مسؤولية قانونية إلا إذا ثبت أنه قام على علم مسبق بعدم صحة المعطيات أو إخفاء معلومات جوهرية أو إصدار بيانات مضللة خلافاً للوقائع المتاحة للسلطات.
ومن هنا يبرز البعد الثاني الأكثر حساسية، أي مسؤولية السلطة التنفيذية عن المرحلة السابقة للانهيار. فالوزير المختص، وفي الحالة اللبنانية وزير المالية، لا يدير السياسة النقدية مباشرة، لكنه يشكل جزءاً من السلطة الاقتصادية للدولة ويتولى مسؤوليات تتصل بإدارة المالية العامة والتنسيق مع مصرف لبنان وإعداد الرؤية المالية للدولة. لذلك فإن أي تقييم قانوني جدي لا يمكن أن يحصر البحث في الحاكمية النقدية وحدها من دون النظر إلى البيئة التنفيذية والسياسية التي منحت الشرعية أو الغطاء أو الاستمرار لهذه السياسات.
في هذا السياق، أثير خلال السنوات الماضية نقاش واسع حول التصريحات الرسمية التي سبقت الانهيار والتي تضمنت تأكيدات متكررة من مسؤولين سياسيين وماليين بشأن متانة الوضع النقدي واستقرار سعر الصرف وسلامة الودائع. ومن منظور قانوني، لا يكفي صدور تطمينات سياسية لإقامة مسؤولية جزائية تلقائية على مطلقيها، لأن التصريح السياسي بحد ذاته لا يشكل جرماً. غير أن المسألة تختلف إذا أمكن إثبات أن تلك التصريحات صدرت رغم وجود تقارير رسمية أو معلومات موثقة لدى الجهة المعنية تؤكد العكس، أو إذا ثبت أن الخطاب العام استُخدم بصورة ممنهجة لحمل المواطنين على اتخاذ قرارات مالية على أساس معلومات غير صحيحة.
وعند إسقاط هذا المبدأ على الدور الذي اضطلع به وزير المالية السابق علي حسن خليل خلال تلك المرحلة، يصبح البحث القانوني منصباً على طبيعة المعلومات التي كانت متوافرة للوزارة، وعلى حدود العلم بالمخاطر المالية، وعلى مدى مشاركة الوزارة في صناعة القرار أو المصادقة عليه أو الدفاع العلني عنه. وتكتسب هنا التصريحات العلنية التي أكدت بصورة متكررة متانة الليرة اللبنانية وعدم وجود مخاطر على الودائع أهمية قانونية في إطار التقييم، لا باعتبارها دليلاً قائماً بذاته، بل باعتبارها جزءاً من الوقائع التي قد تُبحث قضائياً إلى جانب المستندات والتقارير والمراسلات الرسمية والمعطيات التي كانت متوافرة للسلطة التنفيذية في ذلك الوقت. فالقانون الإداري والدستوري لا يؤسس لمسؤولية الوزير انطلاقاً من النتائج اللاحقة وحدها، بل من خلال معيار واجب التحوط وواجب الإفصاح وواجب حماية المصلحة العامة ضمن حدود الصلاحيات.
وفي المقابل، فإن تحميل المسؤولية لجهة واحدة فقط يختزل الأزمة اللبنانية بصورة مفرطة. فالانهيار المالي الذي بدأ بالظهور العلني عام 2019 كان نتيجة تراكمات طويلة شملت السياسات النقدية، والعجز المالي، والإنفاق العام، والهندسات المالية، والجمود الإنتاجي، وضعف الرقابة، وتداخل المصالح بين السلطة السياسية والقطاع المصرفي. لذلك فإن أي مسار قضائي يرمي إلى تحقيق العدالة الحقيقية يفترض أن يتوسع نحو مساءلة مؤسساتية شاملة لا أن يتحول إلى محاكمة فردية معزولة.
وتبرز هنا أهمية تطوير مفهوم المسؤولية العامة في القانون اللبناني بحيث لا تبقى المحاسبة مرتبطة فقط بإثبات الجرائم التقليدية، بل تمتد إلى مسؤولية الإدارة عن الإخلال الجسيم بواجبات الحوكمة والإفصاح وإدارة المخاطر. فالأنظمة الحديثة لم تعد تقيس المسؤولية المالية فقط بمن استولى على المال العام، بل أيضاً بمن امتنع عن التحذير أو أخفى المخاطر أو سمح باستمرار نموذج اقتصادي غير قابل للاستدامة رغم المؤشرات المتاحة.
إن القيمة الأهم لهذا القرار القضائي، بصرف النظر عن مآله النهائي، تكمن في إعادة الاعتبار لفكرة أن السلطة النقدية والتنفيذية ليستا خارج نطاق الرقابة القضائية. لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرهوناً بالتزام معايير المحاكمة العادلة، وتوسيع دائرة البحث لتشمل المسؤوليات المؤسسية كافة، والتمييز الدقيق بين الخطأ السياسي والمسؤولية المدنية والمخالفة الإدارية والجريمة الجزائية، لأن العدالة الانتقائية لا تؤسس لاستعادة الثقة، فيما العدالة الشاملة القائمة على الإثبات والقانون قد تشكل بداية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن والمودع في لبنان.











