هندسة المنطقة: إسرائيل تستفرد بلبنان فماذا عن سوريا والعرب؟

لا ينفصل إعلان النوايا الموَّقع بين لبنان وإسرائيل عن سياق التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة. هو إعلان يسلك مسار السلام من دون تحديد مسألة “حل الدولتين”. وهو إشارة لخروج دولة عربية عن هذا المسار، فهل يمثل ذلك خروجاً لدول أخرى؟ لم يكن بإمكان لبنان أن يذهب إلى مثل هذه الخطوة من دون غطاء عربي. قبيل التوقيع على الإعلان كانت التسريبات في بيروت تتحدث عن أنّ الهدف منه تأمين حماية الحدود الجنوبية والشرقية الشمالية، وهي إشارة واضحة لحماية لبنان من سوريا، وهذا ما يدفع البعض لاعتبار أنّه تفاهم إسرائيلي لبناني لا يستهدف حزب الله فقط بل سوريا أيضاً. أما في مضمون الإعلان فهناك عبارة تتحدث عن ترحيب لبنان بمساعدة الدول العربية والولايات المتحدة الأميركية، وذلك ما تفسره جهات عديدة بأنه قد يلتقي مع طروحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول تكليف سوريا بالتعامل مع سلاح حزب الله.
بين لبنان وسوريا اتصالات وتنسيق، وزيارة مرتقبة سيجريها وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بيروت للقاء المسؤولين بمن فيهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، كترجمة عملانية لكلام الرئيس السوريّ الانتقالي أحمد الشرع حول التعاون مع لبنان، من دولة إلى دولة وتعزيز المؤسسات وضبط الحدود، وحماية كل المكونات في لبنان، مع توجيه رسالة واضحة ومباشرة للطائفة الشيعية.
دمشق .. هل ترضخ للضغوط؟
مما لا شك فيه أنّ الاتفاق سيواجه تحديات كثيرة، إذ إن حزب الله يرفضه، لكنَّ ذلك قد يدفع إسرائيل لاستئناف هجماتها أو مواصلتها، بينما قد تتزايد الضغوط على سوريا للتدخل. ومما لا شك فيه أيضاً، أنّه كان أفضل للبنان أن ينسق مسار التفاوض مع دمشق ومع غيرها من الدول العربية كي لا يذهب وحيداً إلى ذلك.
في الطريق إلى دمشق، وعندما يكون الوصول إليها عن طريق معبر المصنع في البقاع، يمكن للمرء أن يعرّج على مناطق عدة، منها في البقاع الغربي الذي تعرَّض لإنذارات بالإخلاء وعمليات عسكرية إسرائيلية، ومنها بعد عبور الحدود السورية باتجاه القنيطرة أو ريف دمشق الجنوبي حيث تتمركز قوات الاحتلال الإسرائيلي، وصارت تسيطر على أراض متصلة ببعضها البعض بين البلدين. في الطريق أيضاً، تتزاحم الأفكار حول مشاريع كثيرة، الطموحات الاقتصادية لسوريا والسعي لتثبيت الاستقرار والاستفادة اقتصادياً عبر اعتمادها كنقطة تقاطع مركزية واستراتيجية في خطوط التجارة والنفط والغاز، ولا تغيب الأفكار المتعلقة بالمخاوف على سوريا ولبنان في ضوء الكثير من التصريحات الأميركية حول دفع دمشق للدخول في حرب ضد حزب الله.
مع الوصول إلى دمشق، والمرور في ساحة المرجة، وقربها محطة الحجاز، يقفز تلقائياً شعور فطري فيه الكثير من الحنين إلى زمن لا نعرفه، أيام كان قطار الحجاز يعبر من اسطنبول إلى الجزيرة العربية، ويربط تركيا، بسوريا، والعراق، لبنان وفلسطين والأردن فالخليج. تلقائياً أيضاً، يذهب المرء برحلة فيها امتزاج بين ماض وحاضر، يُراد أن يُصنع من خلال مشاريع وطروحات كثيرة، من بينها إعادة إحياء مشروع قطار الحجاز. وفي مواجهة الطموح، حرب إسرائيلية مشهودة ومعلَنة على كل هذه الدول، وبالتأكيد ضدَّ أي مشروع من هذا النوع.
صراع بين مشروعين للمنطقة
في دمشق، أو بيروت، أو غزة أو الضفة أو حتى أنقرة والرياض والدوحة، يستنتج المرء أنَّ المنطقة تنقسم بين مشروعين. مشروع إسرائيل الذي يعبّر عنه مسؤولوها، وهو بلا حدود وهدفه مسحُ الحدود القديمة للدول العربية. والمشروع الثاني قيد التبلور على مستوى الإقليم يجمع دولاً عدة، من بينها المملكة العربية السعودية، قطر، تركيا، مصر وباكستان، وسط مساع من قبل دول لحصول تفاهمات مع إيران وإعادة بناء الثقة لوضع إطار إقليمي يتصدى للمشروع الإسرائيلي، الذي انتقل من قضم فلسطين، إلى قضم مساحات في لبنان وسوريا مع إصرار على استمرار احتلال الأراضي في هذه الدول. بذلك يصبح لبنان، سوريا وفلسطين هي المسرح لهذا الصراع الكبير. إذ تسعى إسرائيل إلى فرض الوقائع التي تريدها عسكرياً لاستثمارها سياسياً، كما أنَّ تل أبيب تعبّر بوضوح عن سعيها للانتقال إلى مواجهة مع تركيا أو الدول العربية الأخرى.
حتى الآن تجد الولايات المتحدة الأميركية صعوبة في جعل المشروعين ضمن إطار مشروع واحد تسميه “الاتفاقات الإبراهيمية”، لذا تحاول إسرائيل أن تفرض ما تريده على لبنان وسوريا، إلى جانب فرض أمر واقع في فلسطين يقضي على الآمال في بناء الدولة الفلسطينية. مع لبنان تستغل إسرائيل التقدم العسكري لتحقيق نتائج سياسية تستخدمها لاحقاً ضد سوريا وتركيا. ومع سوريا حاولت التلويح بإبرام اتفاق تراجعت عنه، لأنّها لا تريد أي اتفاقات قبيل الانتخابات، إلا أنّها لا تزال تدفع باتجاه حصول مواجهة لبنانية سورية أو إدخال سوريا في صراع دامٍ مع حزب الله يستمر إلى أمدٍ بعيد.
مشروع تل أبيب لسوريا
ما تسعى إليه تل أبيب، هو ممارسة الكثير من الضغط على الإدارة الأميركية لدفع سوريا إلى الدخول في حرب ضد حزب الله من جهة البقاع، ووضع الحزب بين فكيّ كمّاشة. صحيح أنَّ كل المواقف الإسرائيلية تعتبر أنّ أي دخول لسوريا إلى لبنان هو تهديد استراتيجي لإسرائيل، لكنّها في الوقت ذاته تنصب فخاً للبلدين، فتًغرِق سوريا بقتال يُعيد إحياء الصراع السنيّ الشيعي، وتُدخل الطرفين في حرب استنزاف طويلة، بينما ستصبح هي أقوى وتستثمر بصراعِهِما لتوسيع احتلالها أو نفوذها، أو لإعادة هندسة تركيبة البلدين. وقد جرى تمرير إغراءات كثيرة لسوريا حول دخولها إلى لبنان من بينها ترتيبات الوضع في السويداء وتسريع عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية، إلى تقديم وعود بدعم عسكري ولوجستي وتعزيز قدرات الجيش السوري، حتى أنّه جرى عرض خطط وتسهيلات حول الدخول إلى لبنان والسيطرة على مساحات واسعة من البقاع، مع محاولات تحفيز للإسراع وتنفيذ العملية خلال مدة الستين يوماً التي يجري خلالها التفاوض الإيراني الأميركي، وهذا كله رفضته دمشق.
في دمشق، يشعر المرء باطمئنان لما يسمعه حول مقاربة ملفات المنطقة وتطوراتها. تتحسب سوريا لمخطط إسرائيل الساعي إلى تأبيد الحروب بين كل خصومها وأعدائها وضربهم ببعضهم البعض. كما أنّ الكلام السوري واضح بأنّ الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان هو تهديد لسوريا ولدمشق أيضاً، وأي صراع لبنانيّ سوريّ سيكون في مصلحة اسرائيل فقط وضد مصالح كل دول المنطقة. وعلى الرغم من كل الضغوط الأميركية أو التصريحات التي يطلقها الرئيس دونالد ترامب ينفي السوريون أي استعداد أو سعي للدخول في حرب ضد حزب الله أو لبنان، بل همّهم ومصلحتهم هو بناء وتعزيز العلاقة مع الدولة اللبنانية، وأن يكون التنسيق بين البلدين هو الكفيل بضمان أمنهما، والأهم تعزيز هذا التنسيق على المستويات كافة، أمنياً سياسياً، اقتصادياً، واستثمارياً والاستفادة من الفرصة المتاحة حالياً إلى جانب تضافر الجهود لمواجهة التحديات الإسرائيلية. ما تستند إليه دمشق أيضاً في مواجهة الأفخاخ الإسرائيلية والضغوط الأميركية، هو دعم وتنسيق مع كلٍ من تركيا، السعودية، مصر وقطر.
طروحات سوريا حيث تقتضي مصلحة البلدين
تطرح دمشق جملة أفكار ومشاريع لتعزيز التعاون مع لبنان، في مجالات الطاقة، الزراعة، التجارة، والترانزيت، ولاحقاً في مجالات النفط وتفعيل الأنابيب والاستفادة من طرق التجارة التي ستمر عبرها. عمليّاً هي تركز على الطرح الاقتصادي الذي يمكنه أن يعزز الأوضاع الاجتماعية داخل كل بلد، ويسهم في تطوير العلاقات السياسية بعيداً عن كل العقليات القديمة. لا تُخفي سوريا وجود تحديات كثيرة أمامها وأمام لبنان، وأهمها كيفية حصر السلاح بيد الدولة، كما لا تخفي ضرورة اقتناع حزب الله بحصر السلاح وجَعلِ الدولة هي المسؤولة عن أمن كل اللبنانيين، بعيداً من أيّ مشاريع إقليميّة أو تتجاوز حدود الدول.
بحسب المعطيات التي تتجمَّع في دمشق، فإنَّ هناك إجماعاً دوليّاً، عربيّاً وإقليمياً على مسألة حصر السلاح بيد الدولة، في سوريا كما في العراق وكذلك في لبنان، ولكنَّ الأهم هو كيفية تحقيق ذلك من دون صدامات داخلية وأهلية وصراعات تؤدي إلى تفجير الحروب. ومن هذا المنطلق جاء كلام الشرع تجاه حزب الله والاستعداد للجلوس معه كطرف لبناني لمصلحة لبنان وسوريا وبعيداً عن أي مشروع إقليمي أو ارتباط خارجي، إضافة إلى طمأنة الطائفة الشيعية، والبحث مع لبنان في كيفية الانطلاق نحو مسار متطور من العلاقات. فالأهم أن لا يشكل لبنان تهديداً لسوريا، ولا أن تشكل سوريا تهديداً للبنان، ولا تنجح إسرائيل في ضرب البلدين ببعضهما أو استخدام أحدهما لتقويض الآخر.
هندسة المنطقة: إسرائيل تستفرد بلبنان فماذا عن سوريا والعرب؟

لا ينفصل إعلان النوايا الموَّقع بين لبنان وإسرائيل عن سياق التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة. هو إعلان يسلك مسار السلام من دون تحديد مسألة “حل الدولتين”. وهو إشارة لخروج دولة عربية عن هذا المسار، فهل يمثل ذلك خروجاً لدول أخرى؟ لم يكن بإمكان لبنان أن يذهب إلى مثل هذه الخطوة من دون غطاء عربي. قبيل التوقيع على الإعلان كانت التسريبات في بيروت تتحدث عن أنّ الهدف منه تأمين حماية الحدود الجنوبية والشرقية الشمالية، وهي إشارة واضحة لحماية لبنان من سوريا، وهذا ما يدفع البعض لاعتبار أنّه تفاهم إسرائيلي لبناني لا يستهدف حزب الله فقط بل سوريا أيضاً. أما في مضمون الإعلان فهناك عبارة تتحدث عن ترحيب لبنان بمساعدة الدول العربية والولايات المتحدة الأميركية، وذلك ما تفسره جهات عديدة بأنه قد يلتقي مع طروحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول تكليف سوريا بالتعامل مع سلاح حزب الله.
بين لبنان وسوريا اتصالات وتنسيق، وزيارة مرتقبة سيجريها وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بيروت للقاء المسؤولين بمن فيهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، كترجمة عملانية لكلام الرئيس السوريّ الانتقالي أحمد الشرع حول التعاون مع لبنان، من دولة إلى دولة وتعزيز المؤسسات وضبط الحدود، وحماية كل المكونات في لبنان، مع توجيه رسالة واضحة ومباشرة للطائفة الشيعية.
دمشق .. هل ترضخ للضغوط؟
مما لا شك فيه أنّ الاتفاق سيواجه تحديات كثيرة، إذ إن حزب الله يرفضه، لكنَّ ذلك قد يدفع إسرائيل لاستئناف هجماتها أو مواصلتها، بينما قد تتزايد الضغوط على سوريا للتدخل. ومما لا شك فيه أيضاً، أنّه كان أفضل للبنان أن ينسق مسار التفاوض مع دمشق ومع غيرها من الدول العربية كي لا يذهب وحيداً إلى ذلك.
في الطريق إلى دمشق، وعندما يكون الوصول إليها عن طريق معبر المصنع في البقاع، يمكن للمرء أن يعرّج على مناطق عدة، منها في البقاع الغربي الذي تعرَّض لإنذارات بالإخلاء وعمليات عسكرية إسرائيلية، ومنها بعد عبور الحدود السورية باتجاه القنيطرة أو ريف دمشق الجنوبي حيث تتمركز قوات الاحتلال الإسرائيلي، وصارت تسيطر على أراض متصلة ببعضها البعض بين البلدين. في الطريق أيضاً، تتزاحم الأفكار حول مشاريع كثيرة، الطموحات الاقتصادية لسوريا والسعي لتثبيت الاستقرار والاستفادة اقتصادياً عبر اعتمادها كنقطة تقاطع مركزية واستراتيجية في خطوط التجارة والنفط والغاز، ولا تغيب الأفكار المتعلقة بالمخاوف على سوريا ولبنان في ضوء الكثير من التصريحات الأميركية حول دفع دمشق للدخول في حرب ضد حزب الله.
مع الوصول إلى دمشق، والمرور في ساحة المرجة، وقربها محطة الحجاز، يقفز تلقائياً شعور فطري فيه الكثير من الحنين إلى زمن لا نعرفه، أيام كان قطار الحجاز يعبر من اسطنبول إلى الجزيرة العربية، ويربط تركيا، بسوريا، والعراق، لبنان وفلسطين والأردن فالخليج. تلقائياً أيضاً، يذهب المرء برحلة فيها امتزاج بين ماض وحاضر، يُراد أن يُصنع من خلال مشاريع وطروحات كثيرة، من بينها إعادة إحياء مشروع قطار الحجاز. وفي مواجهة الطموح، حرب إسرائيلية مشهودة ومعلَنة على كل هذه الدول، وبالتأكيد ضدَّ أي مشروع من هذا النوع.
صراع بين مشروعين للمنطقة
في دمشق، أو بيروت، أو غزة أو الضفة أو حتى أنقرة والرياض والدوحة، يستنتج المرء أنَّ المنطقة تنقسم بين مشروعين. مشروع إسرائيل الذي يعبّر عنه مسؤولوها، وهو بلا حدود وهدفه مسحُ الحدود القديمة للدول العربية. والمشروع الثاني قيد التبلور على مستوى الإقليم يجمع دولاً عدة، من بينها المملكة العربية السعودية، قطر، تركيا، مصر وباكستان، وسط مساع من قبل دول لحصول تفاهمات مع إيران وإعادة بناء الثقة لوضع إطار إقليمي يتصدى للمشروع الإسرائيلي، الذي انتقل من قضم فلسطين، إلى قضم مساحات في لبنان وسوريا مع إصرار على استمرار احتلال الأراضي في هذه الدول. بذلك يصبح لبنان، سوريا وفلسطين هي المسرح لهذا الصراع الكبير. إذ تسعى إسرائيل إلى فرض الوقائع التي تريدها عسكرياً لاستثمارها سياسياً، كما أنَّ تل أبيب تعبّر بوضوح عن سعيها للانتقال إلى مواجهة مع تركيا أو الدول العربية الأخرى.
حتى الآن تجد الولايات المتحدة الأميركية صعوبة في جعل المشروعين ضمن إطار مشروع واحد تسميه “الاتفاقات الإبراهيمية”، لذا تحاول إسرائيل أن تفرض ما تريده على لبنان وسوريا، إلى جانب فرض أمر واقع في فلسطين يقضي على الآمال في بناء الدولة الفلسطينية. مع لبنان تستغل إسرائيل التقدم العسكري لتحقيق نتائج سياسية تستخدمها لاحقاً ضد سوريا وتركيا. ومع سوريا حاولت التلويح بإبرام اتفاق تراجعت عنه، لأنّها لا تريد أي اتفاقات قبيل الانتخابات، إلا أنّها لا تزال تدفع باتجاه حصول مواجهة لبنانية سورية أو إدخال سوريا في صراع دامٍ مع حزب الله يستمر إلى أمدٍ بعيد.
مشروع تل أبيب لسوريا
ما تسعى إليه تل أبيب، هو ممارسة الكثير من الضغط على الإدارة الأميركية لدفع سوريا إلى الدخول في حرب ضد حزب الله من جهة البقاع، ووضع الحزب بين فكيّ كمّاشة. صحيح أنَّ كل المواقف الإسرائيلية تعتبر أنّ أي دخول لسوريا إلى لبنان هو تهديد استراتيجي لإسرائيل، لكنّها في الوقت ذاته تنصب فخاً للبلدين، فتًغرِق سوريا بقتال يُعيد إحياء الصراع السنيّ الشيعي، وتُدخل الطرفين في حرب استنزاف طويلة، بينما ستصبح هي أقوى وتستثمر بصراعِهِما لتوسيع احتلالها أو نفوذها، أو لإعادة هندسة تركيبة البلدين. وقد جرى تمرير إغراءات كثيرة لسوريا حول دخولها إلى لبنان من بينها ترتيبات الوضع في السويداء وتسريع عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية، إلى تقديم وعود بدعم عسكري ولوجستي وتعزيز قدرات الجيش السوري، حتى أنّه جرى عرض خطط وتسهيلات حول الدخول إلى لبنان والسيطرة على مساحات واسعة من البقاع، مع محاولات تحفيز للإسراع وتنفيذ العملية خلال مدة الستين يوماً التي يجري خلالها التفاوض الإيراني الأميركي، وهذا كله رفضته دمشق.
في دمشق، يشعر المرء باطمئنان لما يسمعه حول مقاربة ملفات المنطقة وتطوراتها. تتحسب سوريا لمخطط إسرائيل الساعي إلى تأبيد الحروب بين كل خصومها وأعدائها وضربهم ببعضهم البعض. كما أنّ الكلام السوري واضح بأنّ الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان هو تهديد لسوريا ولدمشق أيضاً، وأي صراع لبنانيّ سوريّ سيكون في مصلحة اسرائيل فقط وضد مصالح كل دول المنطقة. وعلى الرغم من كل الضغوط الأميركية أو التصريحات التي يطلقها الرئيس دونالد ترامب ينفي السوريون أي استعداد أو سعي للدخول في حرب ضد حزب الله أو لبنان، بل همّهم ومصلحتهم هو بناء وتعزيز العلاقة مع الدولة اللبنانية، وأن يكون التنسيق بين البلدين هو الكفيل بضمان أمنهما، والأهم تعزيز هذا التنسيق على المستويات كافة، أمنياً سياسياً، اقتصادياً، واستثمارياً والاستفادة من الفرصة المتاحة حالياً إلى جانب تضافر الجهود لمواجهة التحديات الإسرائيلية. ما تستند إليه دمشق أيضاً في مواجهة الأفخاخ الإسرائيلية والضغوط الأميركية، هو دعم وتنسيق مع كلٍ من تركيا، السعودية، مصر وقطر.
طروحات سوريا حيث تقتضي مصلحة البلدين
تطرح دمشق جملة أفكار ومشاريع لتعزيز التعاون مع لبنان، في مجالات الطاقة، الزراعة، التجارة، والترانزيت، ولاحقاً في مجالات النفط وتفعيل الأنابيب والاستفادة من طرق التجارة التي ستمر عبرها. عمليّاً هي تركز على الطرح الاقتصادي الذي يمكنه أن يعزز الأوضاع الاجتماعية داخل كل بلد، ويسهم في تطوير العلاقات السياسية بعيداً عن كل العقليات القديمة. لا تُخفي سوريا وجود تحديات كثيرة أمامها وأمام لبنان، وأهمها كيفية حصر السلاح بيد الدولة، كما لا تخفي ضرورة اقتناع حزب الله بحصر السلاح وجَعلِ الدولة هي المسؤولة عن أمن كل اللبنانيين، بعيداً من أيّ مشاريع إقليميّة أو تتجاوز حدود الدول.
بحسب المعطيات التي تتجمَّع في دمشق، فإنَّ هناك إجماعاً دوليّاً، عربيّاً وإقليمياً على مسألة حصر السلاح بيد الدولة، في سوريا كما في العراق وكذلك في لبنان، ولكنَّ الأهم هو كيفية تحقيق ذلك من دون صدامات داخلية وأهلية وصراعات تؤدي إلى تفجير الحروب. ومن هذا المنطلق جاء كلام الشرع تجاه حزب الله والاستعداد للجلوس معه كطرف لبناني لمصلحة لبنان وسوريا وبعيداً عن أي مشروع إقليمي أو ارتباط خارجي، إضافة إلى طمأنة الطائفة الشيعية، والبحث مع لبنان في كيفية الانطلاق نحو مسار متطور من العلاقات. فالأهم أن لا يشكل لبنان تهديداً لسوريا، ولا أن تشكل سوريا تهديداً للبنان، ولا تنجح إسرائيل في ضرب البلدين ببعضهما أو استخدام أحدهما لتقويض الآخر.










