معركة المرتفعات: ماذا بعد علي الطاهر؟

الكاتب: ناديا غصوب | المصدر: نداء الوطن
29 آب 2026

لم تعد أهمية المرتفعات في جنوب لبنان تُقاس بارتفاعها الجغرافي فقط، بل بما تمنحه من قدرة على المراقبة والتحكم بمسارات الحركة والانتشار. ومن هنا تكتسب مواقع مثل قلعة الشقيف وعلي الطاهر وجبل الريحان أهمية تتجاوز حدودها العسكرية المباشرة، لتدخل في حسابات أوسع تتصل بشكل المنطقة الأمنية التي قد تتبلور بعد انتهاء المواجهة.

علي الطاهر، التي تحولت في الأسابيع الماضية إلى إحدى أبرز نقاط المواجهة، لا تحتاج إلى إعادة سرد ما قيل عنها. فموقعها الاستراتيجي، وما أثير حول الأنفاق والمنشآت العسكرية فيها، جعلاها محورًا أساسيًا في الحسابات الإسرائيلية وحسابات “حزب الله”. لكن الأهم اليوم ليس تفاصيل المعركة، بل ما إذا كانت ستبقى حدثًا منفصلا أم أنها تعكس مسارًا أوسع لإعادة ترتيب الجغرافيا العسكرية في الجنوب.

وقبلها، كانت قلعة الشقيف نموذجًا واضحًا لأهمية المرتفعات الحاكمة. وبين الشقيف وعلي الطاهر، تبرز جغرافيا أخرى تستحق المتابعة، وفي مقدمها جبل الريحان. لكن الانتقال من موقع إلى آخر لا يسمح تلقائيًا بالقول إن هناك خطة عسكرية متكاملة تستهدف هذه المواقع بالتسلسل، كما لا توجد، حتى الآن، معطيات حاسمة تثبت أن إسرائيل قررت التقدم نحو الريحان أو تحويله إلى هدف عسكري مباشر.

مع ذلك، فإن موقع جبل الريحان يجعله جزءًا من المعادلة. فهو يقع ضمن سلسلة جبلية تمنحه قدرة على الإشراف على مساحات واسعة من محيطه ومراقبة محاور تربط مناطق الجنوب بعضها ببعض، كما يرتبط جغرافيًا بإقليم التفاح والامتدادات لتطال حركة السكان والوصول إلى الأراضي الزراعية وطرق المواصلات ومستقبل النشاط الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وتزداد حساسية المشهد مع ما كُشف خلال المواجهات عن شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت العسكرية التي بناها “حزب الله” على مدى سنوات. هذه البنية، التي تشمل مرافق للتخزين والإمداد وأنفاقًا ذات وظائف مختلفة، تجعل مسألة السيطرة على الجغرافيا أكثر تعقيدًا. لكن وجود بنية تحت الأرض في مناطق معينة لا يعني بالضرورة أن كل مرتفع في الجنوب يخفي منشآت مماثلة، ولذلك يجب الفصل بين المعلومات المؤكدة والاحتمالات التي تفرضها طبيعة الأرض.

من هنا، فإن السؤال حول جبل الريحان سابق لأوانه عسكريًا، لكنه ليس كذلك سياسيًا وجغرافيًا. فإذا انتهت المواجهة عند حدود معينة، وتسلم الجيش اللبناني المواقع الاستراتيجية ضمن ترتيبات أمنية جديدة، فقد يبقى الريحان خارج دائرة التصعيد. أما إذا اتجهت إسرائيل إلى نطاق أمني أعمق، أو سعت إلى ضمان السيطرة على المرتفعات المشرفة على محاور الحركة، فقد يصبح موقعه أكثر حساسية في المرحلة المقبلة.

وهنا تتجاوز القضية حدود الخرائط العسكرية الضيقة. فأي إعادة رسم للانتشار في هذه المنطقة ستنعكس على شكل الحياة فيها، وعلى قدرة الدولة اللبنانية على بسط حضورها، وعلى طبيعة الترتيبات التي تُفرض بعد توقف العمليات. لذلك، فإن مراقبة المرتفعات لا تعني افتراض معركة، بل قراءة الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه الخريطة الجنوبية في مرحلة ما بعد الحرب، ومنع الاحتمالات من التحول إلى وقائع قبل أوانها.

لهذا، لا تبدو المسألة سباقًا بين تلة وأخرى، بقدر ما هي صراع على الجغرافيا نفسها: من يراقبها، ومن ينتشر فيها، ومن يضمن أمنها، ومن يملك قرار الوصول إليها. وبعد الشقيف وعلي الطاهر، يبقى جبل الريحان موقعًا للمراقبة لا هدفًا مؤكدًا. والسؤال الأهم، في النهاية، ليس ماذا سيحدث في علي الطاهر، بل ماذا بعد علي الطاهر؟ وفي مستقبل الجنوب السياسي.

معركة المرتفعات: ماذا بعد علي الطاهر؟

الكاتب: ناديا غصوب | المصدر: نداء الوطن
29 آب 2026

لم تعد أهمية المرتفعات في جنوب لبنان تُقاس بارتفاعها الجغرافي فقط، بل بما تمنحه من قدرة على المراقبة والتحكم بمسارات الحركة والانتشار. ومن هنا تكتسب مواقع مثل قلعة الشقيف وعلي الطاهر وجبل الريحان أهمية تتجاوز حدودها العسكرية المباشرة، لتدخل في حسابات أوسع تتصل بشكل المنطقة الأمنية التي قد تتبلور بعد انتهاء المواجهة.

علي الطاهر، التي تحولت في الأسابيع الماضية إلى إحدى أبرز نقاط المواجهة، لا تحتاج إلى إعادة سرد ما قيل عنها. فموقعها الاستراتيجي، وما أثير حول الأنفاق والمنشآت العسكرية فيها، جعلاها محورًا أساسيًا في الحسابات الإسرائيلية وحسابات “حزب الله”. لكن الأهم اليوم ليس تفاصيل المعركة، بل ما إذا كانت ستبقى حدثًا منفصلا أم أنها تعكس مسارًا أوسع لإعادة ترتيب الجغرافيا العسكرية في الجنوب.

وقبلها، كانت قلعة الشقيف نموذجًا واضحًا لأهمية المرتفعات الحاكمة. وبين الشقيف وعلي الطاهر، تبرز جغرافيا أخرى تستحق المتابعة، وفي مقدمها جبل الريحان. لكن الانتقال من موقع إلى آخر لا يسمح تلقائيًا بالقول إن هناك خطة عسكرية متكاملة تستهدف هذه المواقع بالتسلسل، كما لا توجد، حتى الآن، معطيات حاسمة تثبت أن إسرائيل قررت التقدم نحو الريحان أو تحويله إلى هدف عسكري مباشر.

مع ذلك، فإن موقع جبل الريحان يجعله جزءًا من المعادلة. فهو يقع ضمن سلسلة جبلية تمنحه قدرة على الإشراف على مساحات واسعة من محيطه ومراقبة محاور تربط مناطق الجنوب بعضها ببعض، كما يرتبط جغرافيًا بإقليم التفاح والامتدادات لتطال حركة السكان والوصول إلى الأراضي الزراعية وطرق المواصلات ومستقبل النشاط الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وتزداد حساسية المشهد مع ما كُشف خلال المواجهات عن شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت العسكرية التي بناها “حزب الله” على مدى سنوات. هذه البنية، التي تشمل مرافق للتخزين والإمداد وأنفاقًا ذات وظائف مختلفة، تجعل مسألة السيطرة على الجغرافيا أكثر تعقيدًا. لكن وجود بنية تحت الأرض في مناطق معينة لا يعني بالضرورة أن كل مرتفع في الجنوب يخفي منشآت مماثلة، ولذلك يجب الفصل بين المعلومات المؤكدة والاحتمالات التي تفرضها طبيعة الأرض.

من هنا، فإن السؤال حول جبل الريحان سابق لأوانه عسكريًا، لكنه ليس كذلك سياسيًا وجغرافيًا. فإذا انتهت المواجهة عند حدود معينة، وتسلم الجيش اللبناني المواقع الاستراتيجية ضمن ترتيبات أمنية جديدة، فقد يبقى الريحان خارج دائرة التصعيد. أما إذا اتجهت إسرائيل إلى نطاق أمني أعمق، أو سعت إلى ضمان السيطرة على المرتفعات المشرفة على محاور الحركة، فقد يصبح موقعه أكثر حساسية في المرحلة المقبلة.

وهنا تتجاوز القضية حدود الخرائط العسكرية الضيقة. فأي إعادة رسم للانتشار في هذه المنطقة ستنعكس على شكل الحياة فيها، وعلى قدرة الدولة اللبنانية على بسط حضورها، وعلى طبيعة الترتيبات التي تُفرض بعد توقف العمليات. لذلك، فإن مراقبة المرتفعات لا تعني افتراض معركة، بل قراءة الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه الخريطة الجنوبية في مرحلة ما بعد الحرب، ومنع الاحتمالات من التحول إلى وقائع قبل أوانها.

لهذا، لا تبدو المسألة سباقًا بين تلة وأخرى، بقدر ما هي صراع على الجغرافيا نفسها: من يراقبها، ومن ينتشر فيها، ومن يضمن أمنها، ومن يملك قرار الوصول إليها. وبعد الشقيف وعلي الطاهر، يبقى جبل الريحان موقعًا للمراقبة لا هدفًا مؤكدًا. والسؤال الأهم، في النهاية، ليس ماذا سيحدث في علي الطاهر، بل ماذا بعد علي الطاهر؟ وفي مستقبل الجنوب السياسي.

مزيد من الأخبار