لبنان في “التفاهم”: احتلال إسرائيلي وتلاعب أميركي ووصاية إيرانية

الكاتب: ابراهيم حيدر | المصدر: النهار
18 حزيران 2026

كل المؤشرات تدل على أن إسرائيل ليست في وارد الانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة، حتى لو ألزمها الأميركيون وقف النار وفق التفاهم

يحتمل التفاهم الإيراني – الأميركي الكثير من التفسيرات، عن مصلحة كل من الطرفين وما حققاه في المحصلة الإجمالية للحرب. أما لبنان، فتحوّل مع التفاهم ساحة تلاعب مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في مقابل ربط ملفه بإيران. ذلك يعني أن كل الخطاب المرتفع الذي نشبت الحرب على أساسه وشروط قبل الحرب ذهبت أدراج الرياح، في انتظار ما ستحمله المفاوضات بعد توقيع مذكرة الاتفاق، وأي توازنات سترسو عليها المنطقة كلها.
لن يستقر الوضع في لبنان مع هذا التفاهم، فهو مدرج في نقطة وحيدة تتمثل في وقف النار على كل الجبهات. لا حديث عن انسحاب إسرائيلي ولا تطبيق القرارات الدولية خصوصاً الـ1701، ولا ذكر لأي دور للدولة اللبنانية أو انتشار الجيش، بما يعني تثبيت الاحتلال في شريط يربط جنوب الليطاني بشماله، وهو ما لا يمنع إسرائيل من اتخاذ أي ذريعة لاستمرار الحرب ضد “حزب الله”. حتى في حال تثبيت وقف النار انطلاقاً من التفاهم، فإن إيران ستمسك بالملف اللبناني وتربطه بكل حساباتها، فيما “حزب الله” سيندفع أكثر إلى الداخل معتبراً أنه حقق إنجازاً لم تستطع الدولة تحقيقه في المفاوضات، وسيضغط أكثر لانسحاب لبنان منها، ما دامت لم تؤد إلى أي نتائج.

 

ماذا عن لبنان؟

لعل أهم ما في التفاهم هو التوصل إلى وقف النار، لكن ما يليه وفق الصفقة الإيرانية الأميركية يطرح تساؤلات عن مستقبل الوضع اللبناني. فإذا كانت الدولة تصر على استمرار مفاوضات واشنطن خياراً وحيداً للتوصل إلى تفاهمات برعاية أميركية لتثبيت وقف النار في شكل دائم وضمان انسحاب إسرائيلي تدريجي بالتوازي مع انتشار الجيش وبسط سيطرته وسحب سلاح “حزب الله”، فإن الأخير بات يتسلح بالتفاهم مستنداً إلى الدعم الإيراني ورافعاً شعار استعادة توازن الردع والقدرة على فرض قواعد اشتباك يرفض معها العودة إلى ما قبل 2 آذار، ومراهناً على عودته إلى ما قبل “طوفان الأقصى”، فيما الحقيقة أن لبنان والحزب يعودان إلى ما قبل عام 2000 بفعل الاحتلال الإسرائيلي وتحوّل المناطق المتاخمة إلى خطوط تماس، لا يستطيع معها الحزب إطلاق مقاومة أو استنساخ تجربته السابقة قبل التحرير، بفعل ما ارتكبته إسرائيل من تدمير وتجريف وتهجير، حتى أصبحت المنطقة المحتلة بلا ناس ولا حياة.

 

توزيع المكتسبات

سيكون توقيع التفاهم إعلانا لصفقة توزع المكتسبات على الجانبين، وتفتح طريق التلاعب بالمنطقة وفق موازين القوى الجديدة، وإن كانت إسرائيل تسعى إلى فرض أجندتها من خلال الاحتلال والتفلت من ضغوط الرئيس الأميركي، ليبقى لبنان الحلقة الأضعف ويواجه تحديات الخروج من المأزق وما رتبته الحرب الإسرائيلية من أهوال وكوارث، لكنه سيواجه معضلات داخلية بفعل رفض “حزب الله” مسار الدولة وقراراتها حول السلاح، وهو سيستند إلى التفاهم متسلحاً بما يعتبره معادلة جديدة فرضتها إيران وكرست معها وقائع ومتغيرات في المنطقة، فيقدم نفسه مفاوضاً بديلاً من الدولة.

كل المؤشرات تدل على أن إسرائيل ليست في وارد الانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة، حتى لو ألزمها الأميركيون وقف النار وفق التفاهم، فأميركا وإسرائيل متفقتان على الشروط التي تقضي بتفكيك “حزب الله” وسحب سلاحه، وانسحابه إلى شمال الليطاني، لكن واشنطن لديها حسابات أخرى تصل أيضاً إلى حد التلاعب بالوضع اللبناني، إذ تارة يتحدث دونالد ترامب عن اتصالات بـ”حزب الله”، وتارة عن طلبه من سوريا التدخل لتفكيك الحزب. لذا تواجه الدولة مجموعة تحديات، فما لم تتمكن من بلورة رؤية جامعة داخلياً تحصّن موقفها لفرض الانسحاب الإسرائيلي ومعالجة ملف سلاح “حزب الله”، وتأمين مظلة عربية تحمي البلد من الجموح الإسرائيلي والإمساك الإيراني بملفه، سنكون أمام أيام قاسية وسط أخطار لن يسلم منها البلد كله.

لبنان في “التفاهم”: احتلال إسرائيلي وتلاعب أميركي ووصاية إيرانية

الكاتب: ابراهيم حيدر | المصدر: النهار
18 حزيران 2026

كل المؤشرات تدل على أن إسرائيل ليست في وارد الانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة، حتى لو ألزمها الأميركيون وقف النار وفق التفاهم

يحتمل التفاهم الإيراني – الأميركي الكثير من التفسيرات، عن مصلحة كل من الطرفين وما حققاه في المحصلة الإجمالية للحرب. أما لبنان، فتحوّل مع التفاهم ساحة تلاعب مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في مقابل ربط ملفه بإيران. ذلك يعني أن كل الخطاب المرتفع الذي نشبت الحرب على أساسه وشروط قبل الحرب ذهبت أدراج الرياح، في انتظار ما ستحمله المفاوضات بعد توقيع مذكرة الاتفاق، وأي توازنات سترسو عليها المنطقة كلها.
لن يستقر الوضع في لبنان مع هذا التفاهم، فهو مدرج في نقطة وحيدة تتمثل في وقف النار على كل الجبهات. لا حديث عن انسحاب إسرائيلي ولا تطبيق القرارات الدولية خصوصاً الـ1701، ولا ذكر لأي دور للدولة اللبنانية أو انتشار الجيش، بما يعني تثبيت الاحتلال في شريط يربط جنوب الليطاني بشماله، وهو ما لا يمنع إسرائيل من اتخاذ أي ذريعة لاستمرار الحرب ضد “حزب الله”. حتى في حال تثبيت وقف النار انطلاقاً من التفاهم، فإن إيران ستمسك بالملف اللبناني وتربطه بكل حساباتها، فيما “حزب الله” سيندفع أكثر إلى الداخل معتبراً أنه حقق إنجازاً لم تستطع الدولة تحقيقه في المفاوضات، وسيضغط أكثر لانسحاب لبنان منها، ما دامت لم تؤد إلى أي نتائج.

 

ماذا عن لبنان؟

لعل أهم ما في التفاهم هو التوصل إلى وقف النار، لكن ما يليه وفق الصفقة الإيرانية الأميركية يطرح تساؤلات عن مستقبل الوضع اللبناني. فإذا كانت الدولة تصر على استمرار مفاوضات واشنطن خياراً وحيداً للتوصل إلى تفاهمات برعاية أميركية لتثبيت وقف النار في شكل دائم وضمان انسحاب إسرائيلي تدريجي بالتوازي مع انتشار الجيش وبسط سيطرته وسحب سلاح “حزب الله”، فإن الأخير بات يتسلح بالتفاهم مستنداً إلى الدعم الإيراني ورافعاً شعار استعادة توازن الردع والقدرة على فرض قواعد اشتباك يرفض معها العودة إلى ما قبل 2 آذار، ومراهناً على عودته إلى ما قبل “طوفان الأقصى”، فيما الحقيقة أن لبنان والحزب يعودان إلى ما قبل عام 2000 بفعل الاحتلال الإسرائيلي وتحوّل المناطق المتاخمة إلى خطوط تماس، لا يستطيع معها الحزب إطلاق مقاومة أو استنساخ تجربته السابقة قبل التحرير، بفعل ما ارتكبته إسرائيل من تدمير وتجريف وتهجير، حتى أصبحت المنطقة المحتلة بلا ناس ولا حياة.

 

توزيع المكتسبات

سيكون توقيع التفاهم إعلانا لصفقة توزع المكتسبات على الجانبين، وتفتح طريق التلاعب بالمنطقة وفق موازين القوى الجديدة، وإن كانت إسرائيل تسعى إلى فرض أجندتها من خلال الاحتلال والتفلت من ضغوط الرئيس الأميركي، ليبقى لبنان الحلقة الأضعف ويواجه تحديات الخروج من المأزق وما رتبته الحرب الإسرائيلية من أهوال وكوارث، لكنه سيواجه معضلات داخلية بفعل رفض “حزب الله” مسار الدولة وقراراتها حول السلاح، وهو سيستند إلى التفاهم متسلحاً بما يعتبره معادلة جديدة فرضتها إيران وكرست معها وقائع ومتغيرات في المنطقة، فيقدم نفسه مفاوضاً بديلاً من الدولة.

كل المؤشرات تدل على أن إسرائيل ليست في وارد الانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة، حتى لو ألزمها الأميركيون وقف النار وفق التفاهم، فأميركا وإسرائيل متفقتان على الشروط التي تقضي بتفكيك “حزب الله” وسحب سلاحه، وانسحابه إلى شمال الليطاني، لكن واشنطن لديها حسابات أخرى تصل أيضاً إلى حد التلاعب بالوضع اللبناني، إذ تارة يتحدث دونالد ترامب عن اتصالات بـ”حزب الله”، وتارة عن طلبه من سوريا التدخل لتفكيك الحزب. لذا تواجه الدولة مجموعة تحديات، فما لم تتمكن من بلورة رؤية جامعة داخلياً تحصّن موقفها لفرض الانسحاب الإسرائيلي ومعالجة ملف سلاح “حزب الله”، وتأمين مظلة عربية تحمي البلد من الجموح الإسرائيلي والإمساك الإيراني بملفه، سنكون أمام أيام قاسية وسط أخطار لن يسلم منها البلد كله.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار