لن تستطيع إيران سلب لبنان مفاوضاته

الكاتب: روزانا بو منصف | المصدر: النهار
10 حزيران 2026
محاولات إيران تكرار تجربة النظام السوري الذي احتل لبنان ثلاثة عقود، باتت تقارب الاستحالة في ظل ظروف إقليمية ودولية وحتى لبنانية متغيرة إلى حد جذري

من غير المرجح أن تتمكن إيران من أن تسلب لبنان حقه السيادي في المفاوضات التي يجريها مع إسرائيل، حتى لو أظهرت عبر استهدافها إسرائيل قبل يومين، “ردّاً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت” محاولاتها المتجددة لإبقاء لبنان تحت مظلتها الإستراتيجية من خلال جعله ورقة في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة وتوجيه رسالة عن عدم تخليها عن الدفاع عن أذرعها في المنطقة.

فتكرار تجربة النظام السوري الذي احتل لبنان ثلاثة عقود على هذا الصعيد مستبعدة، وباتت تقارب الاستحالة في ظل ظروف إقليمية ودولية وحتى لبنانية متغيرة إلى حد جذري. والتحكم السوري كانت تبرره على الأقل موافقة قسرية أو تواطئية للسلطة في لبنان على عدم التحرك خارج إطار الحدود التي ترسمها سوريا ومفاوضاتها، فيما يفتقد النظام الايراني ذلك، وقد دخل في تحدّ مباشر مع الدولة اللبنانية لنزع ورقة تقرير سيادتها من يديها بادعاء حماية لبنان الذي يرفض حمايتها.

 

ولكن ما قد تنجح إيران فيه كما نجحت سوريا سابقا، هو إبطاء ترجمة الاتفاقات التي يمكن أن يصل إليها ربطا بوتيرة مفاوضاتها، وتاليا محافظتها على مدى التأثير الإيجابي أو السلبي. ولا أوهام لدى مصادر ديبلوماسية حيال كفّ إيران عن محاولة الدفاع بشراسة عن استثمارها في لبنان الذي شكله “حزب الله” على مدى عقود، في موازاة الرسائل التي تستخدم لبنان لتوجيهها إلى إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء لجهة استعداداه لردع أي عمل عسكري مستقبلي ضد أذرعه عبر زيادة تكلفة التصعيد. وهي استفادت من ذلك على خلفية إصرار الرئيس الأميركي على وضع الحرب جانبا وضغطه على إسرائيل لمنع استكمال حربها ضد الحزب في لبنان.

 

والواقع أن إيران التي “استفزها” قصف الضاحية أخيرا وانبرت للدفاع عنها، لم ولا يستفزها قصف إسرائيل قرى الجنوب وبلداته وتوغل الجيش الإسرائيلي فيها على مدى الأشهر الماضية، وحتى بعد رسائل الصواريخ الإيرانية الرادعة لقصف الضاحية. وهذه النقطة تثير تساؤلات عما إذا كانت الحميّة الإيرانية للدفاع عن الضاحية ترتبط بوجود مقر “الحرس الثوري” الذي بات يدير الحزب، والردع لإسرائيل هو لحمايته مع كل العدة الدعائية لتطمين الطائفة الشيعية إلى أنه يمكنها الاستناد إلى إيران ودعمها. فإيران لم تعد تستطيع خوض حرب دفاعا عن نفسها في ظل تحديات ما تواجهه في الداخل الإيراني، إنما دون أن يمنعها ذلك من إشاعة “وهم القوة” في الاتجاهات المطلوبة.

 

الإيجابية التي شكلتها المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية ولا سيما في جولتها الأخيرة، تكمن في أنها نتيجة قرار حسمه لبنان الرسمي من دون قدرة لإيران على التأثير فيه، بالإضافة إلى أنها باتت تفرض أمرا واقعا لا يمكن إيران نسفه، بل يتعين على “الثنائي الشيعي” التكيف معه حتى لو حاول طلب تعديلات أو تفسيرات تبرر له دورا وربما مكاسب تحفظ ماء الوجه، فيما كان رفض المشاركة في الوفد حين اقترح رئيس الجمهورية تشكيلة وفد متنوع للتفاوض في واشنطن.

والمزايدة على الوفد اللبناني لا تستهدف مهنيته فحسب، بل هي مزايدة على رئيس الجمهورية بالذات في تنافس على من يملك القرار في لبنان، انطلاقا من أنه لا يقرر في الحرب الدائرة، ويجهد وفده لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولكن لا تعتقد هذه المصادر أن إيران قد تكف عن محاولات فرض نفسها في لبنان، متشددة في حماية ما تبقى من نفوذها فيه بعد خسارتها سوريا، وهو ما يمكن أن يشكل مقتلا إضافيا لها، علما أنه في مرحلة ما يتعين على لبنان أن يفتح حوارا مع إيران، ولكن ليس قبل تحولها جذريا إلى احترامها سيادته وسلطته، بدل فرض سيطرتها عليه أو التطاول على مسؤوليه.

 

تتوقف قدرة إيران على سلب لبنان مفاوضاته في رأي هذه المصادر إذا نجحت في ابتزاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتاليا استمرار رفض الولايات المتحدة منح هذه الورقة لإيران في مفاوضاتها، بحيث تبقي على الفصل بين المسارين على رغم المناورات الإيرانية التي لن تتوقف. والجزء الذي لا يقل أهمية هو مصلحة إسرائيل في إنهاء العداء مع لبنان والسلام في وقت ما، والبناء على ذلك.

لن تستطيع إيران سلب لبنان مفاوضاته

الكاتب: روزانا بو منصف | المصدر: النهار
10 حزيران 2026
محاولات إيران تكرار تجربة النظام السوري الذي احتل لبنان ثلاثة عقود، باتت تقارب الاستحالة في ظل ظروف إقليمية ودولية وحتى لبنانية متغيرة إلى حد جذري

من غير المرجح أن تتمكن إيران من أن تسلب لبنان حقه السيادي في المفاوضات التي يجريها مع إسرائيل، حتى لو أظهرت عبر استهدافها إسرائيل قبل يومين، “ردّاً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت” محاولاتها المتجددة لإبقاء لبنان تحت مظلتها الإستراتيجية من خلال جعله ورقة في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة وتوجيه رسالة عن عدم تخليها عن الدفاع عن أذرعها في المنطقة.

فتكرار تجربة النظام السوري الذي احتل لبنان ثلاثة عقود على هذا الصعيد مستبعدة، وباتت تقارب الاستحالة في ظل ظروف إقليمية ودولية وحتى لبنانية متغيرة إلى حد جذري. والتحكم السوري كانت تبرره على الأقل موافقة قسرية أو تواطئية للسلطة في لبنان على عدم التحرك خارج إطار الحدود التي ترسمها سوريا ومفاوضاتها، فيما يفتقد النظام الايراني ذلك، وقد دخل في تحدّ مباشر مع الدولة اللبنانية لنزع ورقة تقرير سيادتها من يديها بادعاء حماية لبنان الذي يرفض حمايتها.

 

ولكن ما قد تنجح إيران فيه كما نجحت سوريا سابقا، هو إبطاء ترجمة الاتفاقات التي يمكن أن يصل إليها ربطا بوتيرة مفاوضاتها، وتاليا محافظتها على مدى التأثير الإيجابي أو السلبي. ولا أوهام لدى مصادر ديبلوماسية حيال كفّ إيران عن محاولة الدفاع بشراسة عن استثمارها في لبنان الذي شكله “حزب الله” على مدى عقود، في موازاة الرسائل التي تستخدم لبنان لتوجيهها إلى إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء لجهة استعداداه لردع أي عمل عسكري مستقبلي ضد أذرعه عبر زيادة تكلفة التصعيد. وهي استفادت من ذلك على خلفية إصرار الرئيس الأميركي على وضع الحرب جانبا وضغطه على إسرائيل لمنع استكمال حربها ضد الحزب في لبنان.

 

والواقع أن إيران التي “استفزها” قصف الضاحية أخيرا وانبرت للدفاع عنها، لم ولا يستفزها قصف إسرائيل قرى الجنوب وبلداته وتوغل الجيش الإسرائيلي فيها على مدى الأشهر الماضية، وحتى بعد رسائل الصواريخ الإيرانية الرادعة لقصف الضاحية. وهذه النقطة تثير تساؤلات عما إذا كانت الحميّة الإيرانية للدفاع عن الضاحية ترتبط بوجود مقر “الحرس الثوري” الذي بات يدير الحزب، والردع لإسرائيل هو لحمايته مع كل العدة الدعائية لتطمين الطائفة الشيعية إلى أنه يمكنها الاستناد إلى إيران ودعمها. فإيران لم تعد تستطيع خوض حرب دفاعا عن نفسها في ظل تحديات ما تواجهه في الداخل الإيراني، إنما دون أن يمنعها ذلك من إشاعة “وهم القوة” في الاتجاهات المطلوبة.

 

الإيجابية التي شكلتها المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية ولا سيما في جولتها الأخيرة، تكمن في أنها نتيجة قرار حسمه لبنان الرسمي من دون قدرة لإيران على التأثير فيه، بالإضافة إلى أنها باتت تفرض أمرا واقعا لا يمكن إيران نسفه، بل يتعين على “الثنائي الشيعي” التكيف معه حتى لو حاول طلب تعديلات أو تفسيرات تبرر له دورا وربما مكاسب تحفظ ماء الوجه، فيما كان رفض المشاركة في الوفد حين اقترح رئيس الجمهورية تشكيلة وفد متنوع للتفاوض في واشنطن.

والمزايدة على الوفد اللبناني لا تستهدف مهنيته فحسب، بل هي مزايدة على رئيس الجمهورية بالذات في تنافس على من يملك القرار في لبنان، انطلاقا من أنه لا يقرر في الحرب الدائرة، ويجهد وفده لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولكن لا تعتقد هذه المصادر أن إيران قد تكف عن محاولات فرض نفسها في لبنان، متشددة في حماية ما تبقى من نفوذها فيه بعد خسارتها سوريا، وهو ما يمكن أن يشكل مقتلا إضافيا لها، علما أنه في مرحلة ما يتعين على لبنان أن يفتح حوارا مع إيران، ولكن ليس قبل تحولها جذريا إلى احترامها سيادته وسلطته، بدل فرض سيطرتها عليه أو التطاول على مسؤوليه.

 

تتوقف قدرة إيران على سلب لبنان مفاوضاته في رأي هذه المصادر إذا نجحت في ابتزاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتاليا استمرار رفض الولايات المتحدة منح هذه الورقة لإيران في مفاوضاتها، بحيث تبقي على الفصل بين المسارين على رغم المناورات الإيرانية التي لن تتوقف. والجزء الذي لا يقل أهمية هو مصلحة إسرائيل في إنهاء العداء مع لبنان والسلام في وقت ما، والبناء على ذلك.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار