السّاعدي كنز معلومات… فهل سلّم نفسه؟

الكاتب: ابراهيم ريحان | المصدر: اساس ميديا
28 أيار 2026

لم تكُن الصّورة التي وزّعها مكتب التّحقيقات الفيدراليّ الأميركيّ (FBI) لقطةً جنائيّةً عابرةً لرجلٍ يتوسّطُ عُنصرَيْنِ مُدجّجيْن بالصّرامة. كانت في التّوقيت والعُمقِ رسالةً سياسيّةً كُتِبَت بحبرٍ باردٍ على رصيفٍ ساخنٍ يُدعى “بغداد”.

في اللحظةِ التي كانَ فيها رئيس مجلس الوزراء الجديد عليّ الزّيدي يلتقِطُ أنفاسَهُ بعد نيل تشكيلتهِ الحكوميّة ثقةَ البرلمان، جاءَه “الطّردُ الملغومُ” من عاصمة القرار واشنطن: إعلان اعتقالِ القياديّ في “كتائب حزبِ اللهِ العراقيِّ” مُحمّد باقر سعد داود السّاعدي، واقتيادِهِ مُكبّلاً إلى قاعةِ محكمةٍ اتّحاديّةٍ في “مانهاتن” ليَمثُلَ أمام قاضٍ أميركيّ.

 

ليسَت الـ”FBI” جمعيّةً خيريّةً تقتنصُ الفُرَص بمصادَفاتِ روزنامةِ بغدادَ. تعيد إدارة الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب صِياغة قواعِدِ اللّعبةِ في الشّرقِ الأوسطِ خارجَ “الكاتالوغات التقليديّة”، ووفقَ هندَسةٍ جديدةٍ يُدير خُطوطَها العريضة سفير الولايات المُتّحدة لدى تُركيا توماس بارّاك الذي باتَ يُمسِكُ بالملفّ العراقيّ بكاملِ تشابكاتِه الأمنيّة والسّياسيّة من موقِعِهِ الإقليميّ الحسّاس.

يُدركُ “مُهندسو واشنطن”، وعلى رأسهِم السّفير بارّاك، أنّ الاغتيالات بالطّائرات المُسيّرة، على غِرار ما جرى للجنرال قاسم سُليماني ونائبِ رئيس هيئةِ الحشدِ الشّعبيّ أبي مهدِي المُهندس في سنة 2020، مُكلفةٌ ومُثيرةٌ للضّجيجِ والإحراجِ الدّوليّ.

البديلُ اليوم هو الاعتقال عوضاً عن “الاغتيال”، بأسلوبٍ يُذكّرُ بـ”طريقةِ مادورو”، أي اصطياد الرّؤوسِ الكبيرةِ بنفَسٍ استخباريّ طويلٍ، ثمّ سوقهم مخفورين ليَمثلوا أمام “العدالةِ الأميركيّة”، بوصفهِم “أهدافاً ذات قيمةٍ عاليةٍ”.

لائحة مانهاتن: طموح عابر للحدود

لا تكمُن خطورةُ الحادثةِ فقط في عمليّة الاختطافِ أو التّرحيلِ التي لا تزالُ تفاصيلُها غامضة، بل في لائحةِ الاتّهامات التي سُرِّبَت عن الشّكوى الجنائيّة، والتي تتّهمُ فيها واشنطن السّاعدي بالتّخطيطِ لشنّ هجماتٍ غير مسبوقةٍ خارجَ النّطاق التّقليديّ لصِراعِ الميليشيات. بحسبِ وثائقِ المحكمةِ يتوزّعُ الطّموح العمليّاتيّ للرّجلِ على:

– التّخطيط لما لا يقلّ عن ثمانِيَةَ عشرَ هجوماً في أوروبا وكندا منذ أواخر شهر شباط الماضي، وذلكَ في إطار الرّدّ على الضّربات الأميركيّة – الإسرائيليّة ضدّ إيران.

– لعلّ البُعد الأكثر إثارةً وصدمةً في لائحة الاتّهامات المسرّبة، ما كشفته تقارير صحافية أميركية ومصادر مطّلعة عن خروج خطط السّاعدي عن السِّياق التقليدي لاستهداف المصالح العسكرية.

إذ تبيّن أنّ ابنة الرّئيس الأميركيّ وزوجة كبير مستشاريه جاريد كوشنر، إيفانكا ترامب، كانت هدفاً مباشراً لمحاولة اغتيال خطّط لها الرّجل البالغ من العمر 32 عاماً. بحسب المعلومات المُتداولة، فإنّ السَّاعدي كان قد قدّم تعهّداً صريحاً للحرس الثوري الإيراني بتصفية ابنة ترامب ثأراً وانتقاماً لمقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني قبل ستة أعوام، والذي كان الساعدي يرتبط به ارتباطاً وثيقاً ويَعتبره بمثابة الأب.

لم تقف الخطط عند حدود النوايا، بل شملت خطوات عمليّة بعد أن ضبطت السلطات الأميركية بحوزته مخططاً وخريطة تفصيلية لمنزل إيفانكا وزوجها جاريد كوشنر في ولاية فلوريدا. وكان قد نشر تلميحات توعّدية حولها على منصة “إكس” منذ عام 2021، معلناً فيها إنّ “الانتقام مسألة وقت”.

 

– التّخطيط لهجماتٍ تستهدفُ أميركيّينَ ويهوداً في مدينتَيْ نيويورك ولوس أنجلوس، والبدء بخطواتٍ عمليّةٍ لاستهدافِ كنيسٍ يهوديٍّ في نيويورك.

– التّورّط المباشر في تنسيقِ ضرباتٍ ضدّ القوّات الأميركيّة والبعثاتِ الدّبلوماسيّة داخلَ الأراضي العراقيّة وسوريا، وذلكَ عطفاً على صِلتهِ التّاريخيّة بالثّنائيّ سُليْماني والمُهندس.

حقلُ ألغام أمام مجلسِ الوزراء

تضعُ هذه الاتّهاماتُ والوقائعُ حكومة عليّ الزّيديّ أمام “حقلٍ ألغامٍ” مُبكرٍ جدّاً. إذ وجد رئيس الوزراءِ الذي صعدَ برافعة “الإطار التّنسيقيّ” نفسَه مُطالَباً بلغةٍ واضحةٍ وخطوات عمليّةٍ لرفعِ الغطاءِ عن الفصائل المُسلّحةِ المواليةِ لطهران، وحصرِ السّلاحِ بيد الدّولةِ العراقيّة.

لن يطولَ الصّمتُ الرّسميّ العراقيّ الحاليّ، ومعه صمتُ الفصائلِ التي لا تعتبر السّاعدي “مواطناً عراقيّاً مُختطفاً” وحسب. يعتبرُ “الحشدُ الشّعبيّ”، وذراعهُ السّياسيّة “الإطار التنسيقيّ” أنّ الأميركيّينَ تجاوزوا الخطوط الحمر التي تهيّبها الرّؤساءُ السّابقون، ووجّهوا طعنةً مباشرةً للسّيادةِ العراقيّة المُفترَضة لتبيانِ مدى جدّيّة التشكيلة الحكوميّة الجديدة في مواجهة الميليشيات، في أوّل اختبارٍ تديرهُ عين توماس بارّاك السّاهرةُ على تفكيك نفوذِ طهران الإقليميّ في العراق وجارتها سوريا.

لغز مانهاتن: اعتقال أم هبوط آمن؟

لكنّ المشهدَ البغداديّ، جرياً على العادةِ، لا يحملُ وجهاً واحداً. ثمّة روايةٌ أخرى في الكواليسِ الأمنيّة الضّيّقة، أكثر إثارةً وقلقاً تهمسُ بها “الصّالونات المُغلقة”. كشفَ مصدرٌ أمنيّ عراقيّ لـ”أساس” أنّ أجهزةَ التحقيق في العاصمةِ العراقيّة لا تتعاملُ مع فرضيّة “الاختطافِ والتّرحيل القسريّ” كمُسلَّمةٍ وحيدةٍ، إذ تُجري تحقيقاتٍ مُكثّفة لمعرفةِ إن كان اعتقالُ السّاعدي “مسرحيّة” جرى حبكها بدقّةٍ ضمنَ إطار “برنامج حمايةِ الشّهودِ” في الولايات المُتّحدة الأميركيّة.

تستندُ هذه الفرضيّة المطروحة على طاولة التقويمِ الأمنيّ إلى حساباتِ الرّبحِ والخسارةِ والمعلومات، إذ يُمثّل السّاعدي، بحسب المصدرِ، “خزنةَ أسرارٍ مُتنقّلة” ويمتلكُ معلومات بالغةَ الحساسيّة والدّقّة والأهمّيّة عن:

– الهيكليّة العمليّاتيّة والقياديّة الفعليّة لفصائل”الحشدِ الشّعبيّ”، وتحديداً “كتائب حزب الله العراقيّ”، وشبكاتٍ تمويلِه وارتباطاتهِ الخارجيّة.

– كواليس “كتائبِ حزبِ الله العراقيّ” وتكتيكاتها العسكريّة والأمنيّة.

– ملفّ الدّاخل العراقيّ وتوزيعِ النّفوذ السّياسيّ والماليّ بينَ القوى النّافذة.

– خرائط ومستودعات الصّواريخِ والطّائراتِ المُسيّرة، وآليّةِ إدارةِ بعضِ الأعمال الأمنيّة المُعقّدة في الإقليمِ والعابرةِ للحدود العراقيّة نحوَ دول الجوارِ، وتحديداً المملكة العربيّة السّعوديّة ودولة الكويت.

الرّهانات المفتوحة على حافة الهاوية

لا يوجَدُ دليلٌ قاطعٌ، أقلّه حتّى اللحظةِ، يُحوّل فرضيّة “المسرحيّة وبرنامج حماية الشّهود” إلى حقيقة. لكنّها تظلّ واحدةً من الفرضيّات الأكثر ترجيحاً لدى أوساطٍ تخشى أن يكونَ القياديّ العراقيّ قد اختارَ “الهبوطَ الآمنَ” في أميركا هرباً من تصفياتٍ داخليّة أو خارجيّة، أو تغييرٍ في موازينِ القوى، ليُقدِّمَ أوراق اعتمادِه للـ”FBI” على شكلِ اعترافاتٍ تهزّ أركانَ المنظومةِ الفصائليّة في العراق.

دخلَ العراقُ مع هذه الحادثةِ مرحلةَ اختبارٍ بالغة القسوةِ، فإمّا أنّ السّاعدي قد سقَطَ بـ”الضّربة الاستخباريّة القاضية” ومحاكمته في مانهاتن ستتحوّل إلى منصّةٍ لتعريةِ النّفوذ الإيرانيّ العابرِ للحدودِ، وإمّا أنّه دخلَ طوعاً أو كرهاً في “بازارِ” الصّفقات الكُبرى ليبيعَ أسرار الصّواريخِ والمُسيّراتِ مُقابلَ حياةٍ جديدة.

وصلت الرّسالةَ في الحالتَيْن من واشنطن وأنقرة إلى بريدِ عليّ الزّيديّ في بغداد: لقد انتهى زمنُ المُداراة، فماذا أنتم فاعلون؟

السّاعدي كنز معلومات… فهل سلّم نفسه؟

الكاتب: ابراهيم ريحان | المصدر: اساس ميديا
28 أيار 2026

لم تكُن الصّورة التي وزّعها مكتب التّحقيقات الفيدراليّ الأميركيّ (FBI) لقطةً جنائيّةً عابرةً لرجلٍ يتوسّطُ عُنصرَيْنِ مُدجّجيْن بالصّرامة. كانت في التّوقيت والعُمقِ رسالةً سياسيّةً كُتِبَت بحبرٍ باردٍ على رصيفٍ ساخنٍ يُدعى “بغداد”.

في اللحظةِ التي كانَ فيها رئيس مجلس الوزراء الجديد عليّ الزّيدي يلتقِطُ أنفاسَهُ بعد نيل تشكيلتهِ الحكوميّة ثقةَ البرلمان، جاءَه “الطّردُ الملغومُ” من عاصمة القرار واشنطن: إعلان اعتقالِ القياديّ في “كتائب حزبِ اللهِ العراقيِّ” مُحمّد باقر سعد داود السّاعدي، واقتيادِهِ مُكبّلاً إلى قاعةِ محكمةٍ اتّحاديّةٍ في “مانهاتن” ليَمثُلَ أمام قاضٍ أميركيّ.

 

ليسَت الـ”FBI” جمعيّةً خيريّةً تقتنصُ الفُرَص بمصادَفاتِ روزنامةِ بغدادَ. تعيد إدارة الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب صِياغة قواعِدِ اللّعبةِ في الشّرقِ الأوسطِ خارجَ “الكاتالوغات التقليديّة”، ووفقَ هندَسةٍ جديدةٍ يُدير خُطوطَها العريضة سفير الولايات المُتّحدة لدى تُركيا توماس بارّاك الذي باتَ يُمسِكُ بالملفّ العراقيّ بكاملِ تشابكاتِه الأمنيّة والسّياسيّة من موقِعِهِ الإقليميّ الحسّاس.

يُدركُ “مُهندسو واشنطن”، وعلى رأسهِم السّفير بارّاك، أنّ الاغتيالات بالطّائرات المُسيّرة، على غِرار ما جرى للجنرال قاسم سُليماني ونائبِ رئيس هيئةِ الحشدِ الشّعبيّ أبي مهدِي المُهندس في سنة 2020، مُكلفةٌ ومُثيرةٌ للضّجيجِ والإحراجِ الدّوليّ.

البديلُ اليوم هو الاعتقال عوضاً عن “الاغتيال”، بأسلوبٍ يُذكّرُ بـ”طريقةِ مادورو”، أي اصطياد الرّؤوسِ الكبيرةِ بنفَسٍ استخباريّ طويلٍ، ثمّ سوقهم مخفورين ليَمثلوا أمام “العدالةِ الأميركيّة”، بوصفهِم “أهدافاً ذات قيمةٍ عاليةٍ”.

لائحة مانهاتن: طموح عابر للحدود

لا تكمُن خطورةُ الحادثةِ فقط في عمليّة الاختطافِ أو التّرحيلِ التي لا تزالُ تفاصيلُها غامضة، بل في لائحةِ الاتّهامات التي سُرِّبَت عن الشّكوى الجنائيّة، والتي تتّهمُ فيها واشنطن السّاعدي بالتّخطيطِ لشنّ هجماتٍ غير مسبوقةٍ خارجَ النّطاق التّقليديّ لصِراعِ الميليشيات. بحسبِ وثائقِ المحكمةِ يتوزّعُ الطّموح العمليّاتيّ للرّجلِ على:

– التّخطيط لما لا يقلّ عن ثمانِيَةَ عشرَ هجوماً في أوروبا وكندا منذ أواخر شهر شباط الماضي، وذلكَ في إطار الرّدّ على الضّربات الأميركيّة – الإسرائيليّة ضدّ إيران.

– لعلّ البُعد الأكثر إثارةً وصدمةً في لائحة الاتّهامات المسرّبة، ما كشفته تقارير صحافية أميركية ومصادر مطّلعة عن خروج خطط السّاعدي عن السِّياق التقليدي لاستهداف المصالح العسكرية.

إذ تبيّن أنّ ابنة الرّئيس الأميركيّ وزوجة كبير مستشاريه جاريد كوشنر، إيفانكا ترامب، كانت هدفاً مباشراً لمحاولة اغتيال خطّط لها الرّجل البالغ من العمر 32 عاماً. بحسب المعلومات المُتداولة، فإنّ السَّاعدي كان قد قدّم تعهّداً صريحاً للحرس الثوري الإيراني بتصفية ابنة ترامب ثأراً وانتقاماً لمقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني قبل ستة أعوام، والذي كان الساعدي يرتبط به ارتباطاً وثيقاً ويَعتبره بمثابة الأب.

لم تقف الخطط عند حدود النوايا، بل شملت خطوات عمليّة بعد أن ضبطت السلطات الأميركية بحوزته مخططاً وخريطة تفصيلية لمنزل إيفانكا وزوجها جاريد كوشنر في ولاية فلوريدا. وكان قد نشر تلميحات توعّدية حولها على منصة “إكس” منذ عام 2021، معلناً فيها إنّ “الانتقام مسألة وقت”.

 

– التّخطيط لهجماتٍ تستهدفُ أميركيّينَ ويهوداً في مدينتَيْ نيويورك ولوس أنجلوس، والبدء بخطواتٍ عمليّةٍ لاستهدافِ كنيسٍ يهوديٍّ في نيويورك.

– التّورّط المباشر في تنسيقِ ضرباتٍ ضدّ القوّات الأميركيّة والبعثاتِ الدّبلوماسيّة داخلَ الأراضي العراقيّة وسوريا، وذلكَ عطفاً على صِلتهِ التّاريخيّة بالثّنائيّ سُليْماني والمُهندس.

حقلُ ألغام أمام مجلسِ الوزراء

تضعُ هذه الاتّهاماتُ والوقائعُ حكومة عليّ الزّيديّ أمام “حقلٍ ألغامٍ” مُبكرٍ جدّاً. إذ وجد رئيس الوزراءِ الذي صعدَ برافعة “الإطار التّنسيقيّ” نفسَه مُطالَباً بلغةٍ واضحةٍ وخطوات عمليّةٍ لرفعِ الغطاءِ عن الفصائل المُسلّحةِ المواليةِ لطهران، وحصرِ السّلاحِ بيد الدّولةِ العراقيّة.

لن يطولَ الصّمتُ الرّسميّ العراقيّ الحاليّ، ومعه صمتُ الفصائلِ التي لا تعتبر السّاعدي “مواطناً عراقيّاً مُختطفاً” وحسب. يعتبرُ “الحشدُ الشّعبيّ”، وذراعهُ السّياسيّة “الإطار التنسيقيّ” أنّ الأميركيّينَ تجاوزوا الخطوط الحمر التي تهيّبها الرّؤساءُ السّابقون، ووجّهوا طعنةً مباشرةً للسّيادةِ العراقيّة المُفترَضة لتبيانِ مدى جدّيّة التشكيلة الحكوميّة الجديدة في مواجهة الميليشيات، في أوّل اختبارٍ تديرهُ عين توماس بارّاك السّاهرةُ على تفكيك نفوذِ طهران الإقليميّ في العراق وجارتها سوريا.

لغز مانهاتن: اعتقال أم هبوط آمن؟

لكنّ المشهدَ البغداديّ، جرياً على العادةِ، لا يحملُ وجهاً واحداً. ثمّة روايةٌ أخرى في الكواليسِ الأمنيّة الضّيّقة، أكثر إثارةً وقلقاً تهمسُ بها “الصّالونات المُغلقة”. كشفَ مصدرٌ أمنيّ عراقيّ لـ”أساس” أنّ أجهزةَ التحقيق في العاصمةِ العراقيّة لا تتعاملُ مع فرضيّة “الاختطافِ والتّرحيل القسريّ” كمُسلَّمةٍ وحيدةٍ، إذ تُجري تحقيقاتٍ مُكثّفة لمعرفةِ إن كان اعتقالُ السّاعدي “مسرحيّة” جرى حبكها بدقّةٍ ضمنَ إطار “برنامج حمايةِ الشّهودِ” في الولايات المُتّحدة الأميركيّة.

تستندُ هذه الفرضيّة المطروحة على طاولة التقويمِ الأمنيّ إلى حساباتِ الرّبحِ والخسارةِ والمعلومات، إذ يُمثّل السّاعدي، بحسب المصدرِ، “خزنةَ أسرارٍ مُتنقّلة” ويمتلكُ معلومات بالغةَ الحساسيّة والدّقّة والأهمّيّة عن:

– الهيكليّة العمليّاتيّة والقياديّة الفعليّة لفصائل”الحشدِ الشّعبيّ”، وتحديداً “كتائب حزب الله العراقيّ”، وشبكاتٍ تمويلِه وارتباطاتهِ الخارجيّة.

– كواليس “كتائبِ حزبِ الله العراقيّ” وتكتيكاتها العسكريّة والأمنيّة.

– ملفّ الدّاخل العراقيّ وتوزيعِ النّفوذ السّياسيّ والماليّ بينَ القوى النّافذة.

– خرائط ومستودعات الصّواريخِ والطّائراتِ المُسيّرة، وآليّةِ إدارةِ بعضِ الأعمال الأمنيّة المُعقّدة في الإقليمِ والعابرةِ للحدود العراقيّة نحوَ دول الجوارِ، وتحديداً المملكة العربيّة السّعوديّة ودولة الكويت.

الرّهانات المفتوحة على حافة الهاوية

لا يوجَدُ دليلٌ قاطعٌ، أقلّه حتّى اللحظةِ، يُحوّل فرضيّة “المسرحيّة وبرنامج حماية الشّهود” إلى حقيقة. لكنّها تظلّ واحدةً من الفرضيّات الأكثر ترجيحاً لدى أوساطٍ تخشى أن يكونَ القياديّ العراقيّ قد اختارَ “الهبوطَ الآمنَ” في أميركا هرباً من تصفياتٍ داخليّة أو خارجيّة، أو تغييرٍ في موازينِ القوى، ليُقدِّمَ أوراق اعتمادِه للـ”FBI” على شكلِ اعترافاتٍ تهزّ أركانَ المنظومةِ الفصائليّة في العراق.

دخلَ العراقُ مع هذه الحادثةِ مرحلةَ اختبارٍ بالغة القسوةِ، فإمّا أنّ السّاعدي قد سقَطَ بـ”الضّربة الاستخباريّة القاضية” ومحاكمته في مانهاتن ستتحوّل إلى منصّةٍ لتعريةِ النّفوذ الإيرانيّ العابرِ للحدودِ، وإمّا أنّه دخلَ طوعاً أو كرهاً في “بازارِ” الصّفقات الكُبرى ليبيعَ أسرار الصّواريخِ والمُسيّراتِ مُقابلَ حياةٍ جديدة.

وصلت الرّسالةَ في الحالتَيْن من واشنطن وأنقرة إلى بريدِ عليّ الزّيديّ في بغداد: لقد انتهى زمنُ المُداراة، فماذا أنتم فاعلون؟

مزيد من الأخبار